ظاهرة استهلاك بعض الصحف الوطنية والمحلية للمواضيع المتعلقة بالجنس بشكل هستيري

13917 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 28 أبريل 2012، يخيل لمن  يزور الوراقات يوميا، ويتصفح بعض جرائدنا الوطنية والمحلية أنه في بلد تسوده الإباحية المطلقة، ذلك أنها وعلى صفحاتها الأولى، وبحروف بارزة، وصور مثيرة  وخادشة للخلاق لا هم لها سوى ما بين الفخذين  حتى صار الأمر ظاهرة تستوجب الدراسة  والعلاج. فهوس هذه الصحافة بالمواضيع الجنسية  بشكل هستيري دون غيرها من القضايا  يعكس ثقافة أصحاب هذه الصحافة  المتدنية التي قد يأنف منها حتى المراهقون الأغرار الذين  يكتشفون لأول مرة نضجهم الجنسي، وينصب اهتمامهم الكبيرعليه بدافع القلق  . 

وتكاد بعض جرائدنا تتمحض لثقافة جنسية فجة  وممجوجة. وتتعمد بعض هذه الجرائد  المبالغة في إثارة الانتباه إلى جرائم الجنس ، وجرائم الدعارة . وبكل وقاحة تنشر إحدى هذه الجرائد موضوعا يتحدث عن العضو التناسلي للذكور المغاربة مقارنة مع غيرهم ، وأخرى تنشر ما سمته الدعارة المشروعة. وأما زنا المحارم فصيد ثمين  بالنسبة لهذه الجرائد التي أبخسها أصحابها  بشكل  مبتذل وغير مسبوق بسبب الاحتفال بقضايا جنسية  تافهة في ظرف بلغت قضاياه الخطيرة  حدا غير مألوف.

فعندما ينشر خبر  يتعلق  بقضية جنسية سواء كانت دعارة أم اغتصاب  أم غير ذلك، فما  هو الغرض من وراء ذلك؟ هل هو مجرد نشر الخبر أم أنه  يتعدى ذلك إلى التشهير ، والغمز والهمز، أم هو التسويق والترويج بغرض إعداد الرأي العام إلى التطبيع مع الفاحشة المستقذرة. ونظرا لغياب الرقابة الأخلاقية على الإعلام الذي صار يستغل حرية التعبير أبشع استغلال ،تجاوزت بعض الجرائد حدود اللياقة الأخلاقية في مجتمع مسلم ـ يا حسرتاه ـ . فمعلوم أن الإسلام قد هذب الغرائز البشرية  ، وضبط السلوك الإنساني المتعلق بها  من خلال منع الفحش والتفاحش . فتناول بعض الجرائد عندنا لقضايا جنسية بأساليب  مبتذلة يدخل ضمن الفحش المحرم شرعا .

ومعلوم أن ثقافتنا الأخلاقية الإسلامية  لا تبيح تناول الأمور المرتبطة بالجنس  لغرض التفكه، وإنما  لأغراض فقهية ، وبضوابط  معلومة. أما ترك الحبل على الغارب للصحافة التي لا يمكن إلا أن نصفها بالمراهقة لتتناول قضايا الجنس بتهتك واستهتار فأمر مرفوض شرعا وعرفا .  فعلى الجهات المعنية بالأخلاق أن  تتولى رقابة هذه الصحف التي  يبدو أنها  تهدف إلى إشاعة الفاحشة في بلد مسلم .

وموقف القرآن الكريم واضح من هذا الأمر كما جاء في قوله تعالى : (( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون )) فعلى أهل الحل والعقد  من علماء ومسؤولين أن يراقبوا الإعلام الذي يروم إشاعة  الفاحشة عن طريق التمويه على أهدافه الحقيقية  من خلال التظاهر بممارسة العمل الإعلامي، وأن يحققوا الشطر الأول من الأمر الإلهي في النص القرآني السالف الذكر وهو إنزال العذاب الأليم بهم في عاجلهم قبل أن ينزل بهم عذاب أشد منه في الآجل  .

والمسؤولون لا ينتبهون إلى ردود الأفعال المتطرفة على  ما تنشره الصحافة من فاحشة  حيث  ستزداد ظاهرة التطرف  المضاد بازدياد التطبيع مع الفواحش ، وازدياد انتشارها . فكم من مغفلين كانوا غافلين  عن مثل هذه الفواحش ، فوجدوا في الإعلام الجنسي البخس ما يسهل لهم طلبه.  والملاحظ أنه كلما نشرت تفاصيل جرائم الجنس  في الجرائد كلما ازداد ارتفاع وتيرتها  عندنا ، وكأن تسويق هذه الجرائد لها  يقوم مقام الإشهار . ولا بد من احترام هذا الإعلام الذي يتعمد نشر القضايا الجنسية لثقافتنا الإسلامية والمغربية  ، عوض  الوقوع في التقليد الأعمى للصحافة الغربية التي تعتبر مثل هذه القضايا من صميم ثقافتها الإباحية بسبب توجهاتها العلمانية .  وعلى  صحافتنا أن تعلم أنها  ليست في الدول التي لا ترى حرجا في نشر ما لا يجوز الكشف عنه من أحوال غريزية  خاصة.

فعوض نشر مقالات عن مقارنة طول قضيب الرجل المغربي بقضيب غيره على صحافة الرصيف أن ترقى بمستوى الموضوعات فتقارن عقل الرجل المغربي بعقول غيره . وما معنى نعت الدعارة بالشرعية ، هل القصد الاستهزاء والسخرية بالشرع ؟  فإذا ما غض المسؤولون اليوم الطرف عن استهتار بعض الصحف بالقيم الأخلاقية  فإنهم سيندمون غدا ولات حين مندم عندما  يجد عليهم الرأي العام موجدة كبرى ، ويحملهم مسؤولية استهتار المستهترين ، أو مسؤولية السكوت عن استهتارهم أو إقرارهم له. ولدينا من القضايا السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  العويصة ما يتطلب جداول أو أنهارا من المداد ، لهذا لا يجب أن تهيمن أخبار الدعارة والجرائم الجنسية على حياتنا ، وكأننا مجرد بهائم لا هم لها إلا التفكير في  صرف الغرائز .

فإذا كانت الدعارة  والجرائم الجنسية تستهوي بعض مراهقي الصحافة الرخيصة ،فعليهم أن يفكروا في طرق إفراغ مكبوتاتهم  بشكل  من الأشكال التي  ينصح بها الأطباء النفسانيون عوض تفريغها عبر وسائل الإعلام . ألا يكفينا ما حل بنا من كوارث  بسبب غياب الرقابة الأخلاقية ؟ ألم تنتشر ظاهرة الشيشة التي أصبحت تحارب اليوم عن طريق  الأفلام البخسة التي تصور حياة نماذج من الحثالات  ؟ ألم  تدخل بيوت المغاربة عادات قبيحة بسبب استيراد الأفلام الرخيصة والبخسة من المكسيك  ومصر وتركيا ؟  وقبح الله التقليد الأعمى فلا تكاد آفة تظهر  في قطر من أقطار الدنيا حتى يتلقفها السفهاء  وكأنهم من سلالة القردة التي تقلد كل شيء دون أن تعي ما تقلد .

فنشر أخبار الدعارة والجرائم الجنسية عادة غريبة عن مجتمعنا يحاول السفهاء إدخالها إليه . ولو طلب منهم استيراد علوم وتكنولوجيا الغير لما جاءوا بطائل ، وكل  ما يجيدون هو نقل  الرذائل، وكأنهم  ذباب أو جراثيم لا تجيد سوى نقل الأوبة الضارة . وعلى الرأي العام أن  يمارس  سلطته  المشروعة ، ولا يفسح المجال لكل من هب ودب للعبث بقيمه الأخلاقية والدينية  بذريعة حرية التعبير ،لأن الحرية لها ضوابط  وخطوط حمراء لا يجوز أن يتخطاه أحد  كائن من كان . ولا يمكن أن يظل الإعلام دون رقابة ، وهي رقابة شملت  ما هو أقدس من الإعلام وهي منابر الجمعة  والوعظ والإرشاد .

فإذا جاز منع الوعاظ والخطباء من وعظهم وخطابتهم لمجرد أنهم ينتقدون ظواهر شاذة مستفزة للمشاعر الدينية والقيم الأخلاقية، وجاز حبس صحفيين  انتقدوا ما يجب أن ينتقد شرعا وعرفا، فلماذا يسمح للمستهترين بالقيم والأخلاق نشر ما يحلو لهم  ويعتدي على مشاعر الناس وقيمهم؟ أليست هذه ازدواجية في المكيال  أو قسمة ضيزى ؟ 

ظاهرة استهلاك بعض الصحف الوطنية والمحلية للمواضيع المتعلقة بالجنس بشكل هستيري
ظاهرة استهلاك بعض الصحف الوطنية والمحلية للمواضيع المتعلقة بالجنس بشكل هستيري

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz