طريقة معالجة إعادة انتشار أطر التدريس بالجهة الشرقية تعكس سوء التقدير وضعف التدبير

16828 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 14 شتنبر 2012، مع بداية كل موسم دراسي جديد تطفو معضلة توزيع وانتشار أطر التدريس وغيرها بالنيابات التابعة لأكاديمية الجهة الشرقية. ووصف توزيع وانتشار أطر التدريس وغيرها بالمعضلة وصف هادف لأن المعضلة عبارة عن مشكلة لا حل لها. ومن أجل الإلمام بهذه المعضلة لا بد من استعراض الوضعية التربوية بالجهة الشرقية قبل مرحلة التوزيع الإداري الحالي.

فالمعروف عن الجهة الشرقية أنها مترامية الأطراف من البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى مدينة فجيج جنوبا، ومن الحدود الجزائرية شرقا إلى إقليم تازة غربا، الشيء الذي يجعل مساحتها معتبرة الشساعة. ولقد كانت الوضعية التربوية في الجهة الشرقية عبارة عن ثلاث نيابات: نيابة وجدة، ونيابة الناظور، ونيابة فجيج. ومع تطبيق  تقسيم إداري جديد سنة 1993 اقتضى هذا التقسيم أن تفرخ عن نيابة وجدة نيابة  بركان توريرت  ونيابة جرادة ، ثم  انفصلت بعد ذلك نيابة تاوريرت عن نيابة بركان. وفيما بعد انفصلت نيابة الدريوش عن نيابة الناظور، فصار مجموع نيابة أكاديمية الجهة الشرقية سبع نيابات والرزق ضائع كما يقول المثل العامي. وإذا كان التقسيم الإداري على مستوى الجغرافية الطبيعية قد مر بسهولة  بالنسبة للمسؤولين، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للجغرافية البشرية حيث اعتمدت العشوائية في توزيع الموارد البشرية لموظفي القطاعات العمومية ومن ضمنها قطاع التربية الوطنية.

فبعد انفصال نيابة بركان تاوريرت ونيابة جرادة أولا ثم نيابتي بركان  وتاوريرت فيما بعد، وجد موظفو قطاع التربية أنفسهم أمام توزيع على غرار  توزيع  الغنائم حيث حوصر كل من كان  تابعا لنيابة وجدة حيث كان في نواحيها دون أن يعالج موضوع إعادة التوزيع والانتشار بطريقة عادلة وموضوعية، ودون استشارة من يعنيهم الأمر. وكان المعيار الوحيد المعتمد هو من أدركه التقسيم الإداري الجديد ظل حيث كان رغما عنه. ولما كانت مدينة وجدة هي المدينة الوحيدة في شرق المملكة التي يمكن القول  أنها تحظى ببعض ما يغري بالإقامة بها، فقد كان معظم موظفي قطاع التربية التابعين لنيابتها يقطنون بها ويتنقلون يوميا صوب المدن المجاورة وضواحيها التابعة إداريا لها. ولم يحفل المسؤولون عما خلقه استحداث نيابتين جديدتين، وثالثة فما بعد من معضلة اجتماعية عويصة لموظفي قطاع التربية وعلى وجه الخصوص أطر التدريس، وتناسلت فيما بعد فصارت معضلات مستعصية على الحل.

ولقد وجد الأزواج من أطر القطاع أنفسهم عشية استحداث النيابات الجديدة في الجهة الشرقية  في وضعية طلاق بدعي من نوع جديد، حيث صار بعضهم تابعا للنيابة الأم  والبعض الآخر  تابعا للنيابات المستحدثة، وهو أمر خلق لديهم هاجس التفكير المستمر في ما يسمى الالتحاق بالأزواج وهو حلم مستحيل التحقيق. ومع أن مشكل الالتحاق كان موجودا عندما كان الجميع ينتمي إلى النيابة الأم إلا أن أمره استفحل عندما استحدثت النيابات الجديدة، وصارت آمال الالتحاق بالنيابة الأصل ضئيلة بالنسبة لمن وجدوا أنفسهم محاصرين في هذه النيابات المستحدثة حيث دخلت هي الأخرى في ما يسمى الحركة الانتقالية الوطنية، ولم يعد أمرها مجرد إعادة انتشار، وهو ما يعني تقلص فرص إعادة الانتشار. وكان هذا خطأ جسيما من الوزارة الوصية التي تعاملت مع الجغرافية البشرية بارتجال وعشوائية ثم عمدت بعد ذلك إلى مساطر الحركة الانتقالية الوطنية دون أن تبالي بضحايا النيابة الأم الذين تم التخلي عنهم في النيابات المستحدثة. ولا أريد الخوض في المشاكل الاجتماعية المترتبة عن هذا الأمر من قبيل  التفكك الأسري وحالات الطلاق وتشريد المئات من أطفال أسر التربية  الضحايا. ولا زالت معضلة ما يسمى إعادة الانتشار مطروحة وبحدة مع بداية كل موسم دراسي، والحقيقة أنها تعود في جذورها إلى استحداث  نيابات جديدة والتعسف على موظفي  وزارة التربية من خلال اعتبارهم مجرد أشياء أو تشييئهم  خلال  عملية الاستحداث.  ومن الحكايات الطريفة أن بعض أطر  قطاع التربية وتبعا لطبيعة وظائفهم، ومنهم أطر المراقبة والتفتيش تمت عملية إعادة انتشارهم  بارتجال مثير للسخرية حيث تم الاحتفاظ بالأطر ذات الأقدمية في النيابة الأم بموجب عرف لا مبرر له وهو ما يسمى آخر من التحق، ووزع الباقون على النيابتين المستحدثتين بالنسبة لنيابة وجدة مع اعتبار لا يستقيم منطقا حيث وزع الأقل أقدمية من الذين احتفظ بهم في النيابة الأم على نيابة بركان تاوريرت، ومن دونهم أقدمية  فرض عليهم الالتحاق بنيابة جرادة، علما بأن نيابتي بركان تاوريرت وجرادة استحدثتا في يوم واحد، ولست أدري لحد الساعة كيف تم تقييم الفرق بينهما، فصار الالتحاق بنيابة بركان تاوريرت امتيازا بالنسبة للبعض كما كان الالتحاق بنيابة وجدة امتيازا بالنسبة لأصحاب الأقدمية. ولأول مرة ظهرت مشكلة تسمى التنقيل، واللفظة تدل على التعسف لأن التنقيل ليس هو الانتقال أو النقل. ومن الأمور المضحكة أنه لما انفصلت نيابة تاوريرت عن نيابة بركان  اندلع الصراع بين الوزارة وأطر المراقبة المنقلين أو المتعسف عليهم الذين لجأ بعضهم إلى المحاكم الإدارية، فقضت لصالحهم، ولم تقض لصالح غيرهم. وكان من المفروض أن تتناول المحاكم الإدارية في دولة الحق والقانون ـ يا حسرتاه ـ  ملف كل أطر قطاع التربية الذين وزعوا توزيع الغنائم إثر التقسيم الإداري الجديد، كما كان من المفروض على الأقل أن تقضي هذه المحاكم بتعويضات عن الأضرار اللاحقة بالأطر الضحايا لهذا التقسيم. ومما ترتب عن عشوائية  وارتجالية توزيع الجغرافية البشرية لأطر قطاع التربية على إثر استحداث النيابات الجديدة كساد ما يسمى الحركة الانتقالية حيث ظل ضحايا هذه العشوائية والارتجالية عالقين بالنيابات المستحدثة لا أمل لهم في تحقيق حلمهم بالانتساب إلى النيابة الأم بما فيهم أطر التدريس وأطر المراقبة وغيرها. وأدرك الموت منهم من أدرك، وأدرك المعاش منهم من أدرك، واختار منهم من اختار ما يسمى المغادرة الطوعية، وكانت علمية مشوبة بالمحسوبية والزبونية ولم يستفد منها إلا أصحاب النفوذ أو المتشفعين بأصحاب النفوذ لعنة الله والملائكة والناس أجمعين عليهم إلى يوم الدين. ومع حلول هذا الموسم الجديد وكالعادة بلغني عمن حضر لقاء بالولاية لتدارس عملية الدخول المدرسي الجديد أن نيابة وجدة أنكاد وهي التي لم تعد أما كما كانت بعدما صارت تنسب لأنكاد أن عجزها في الموارد البشرية الخاصة بأطر التدريس بلغ ما يقرب أو يزيد عن 68 منصبا، وعوض أن  تفكر في إنصاف الضحايا القدامى العالقين بالنيابات المستحدثة صارت تغطي الشمس بالغربال أو تداوي بالكي وهو آخر الدواء، وفكرت وقدرت فقتلت كيف فكرت ثم قتلت كيف قدرت ثم عبست وبصرت ثم استكبرت فعمدت إلى ما سمته تقليص البنيات، وتآخي المواد، والعمل في أكثر من مؤسسة، واعتماد تشغيل  أطر أسلاك دنيا في أسلاك عليا باعتبار حصولهم على شواهد أكثرها كان الحصول عليه على حساب القيام بالواجب. وكل هذه الإجراءات تعكس سوء التقدير والحساب، كما أنها تعكس ضعف التدبير. وضعف التدبير لا يكون إلا إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها، وإذا أسندت الأمور إلى غير أهلها  كانت مؤشرا على قيام ساعتها ، وما أظن إلا أن قيامة النيابة الأم التي صارت مقترنة بأنكاد  بعدما كانت مقترنة بما خلف أنكاد من جبال و وهاد قد قامت بالفعل. وما  رأيت النيابة الأم قد ذلت كما ذلت يوم عقتها النيابات المستحدثة. ومع أفول نجمها  ابتليت  بآفة ضعف كفاءات التسيير والتدبير فيها، وانتشرت عدوى هذه الآفة في مثيلاتها المستحدثة، وعم الخطب كما عم دول الطوائف بعد عز ملك. وستظل نيابات الجهة الشرقية تتخبط في معضلة ما يسمى إعادة الانتشار إلى ما لا نهاية، لأن ما بني على باطل سيظل باطلا أبدا. ولن يمضي طويل وقت عن مسرحيات إعادة الانتشار حتى تجد هذه النيابات نفسها وجها لوجه أمام الأطر المتوقفة توقفا أبديا من أموات ومتقاعدين، وحجاج  ونفساء، ومرضى مرضا مزمنا، فتعمد إلى أساليب الترقيع وهي ما صار يعرف  بظاهرة التكليف بالمهام حيث يختلط الحابل بالنابل وتتآخى المواد، وتتآخى المؤسسات على مستوى الجغرافية البشرية، وترتفع الأطر الدنيا، وتنخفض الأطر العليا حيث يضطر مدرس التأهيلي للعمل في الإعدادي، وترضى الوزارة بمدرس الابتدائي في التأهلي والإعدادي كما ترضى السيارة بالعجلة الاحتياطية في حال عطب العجلة الرئيسية. وبعد توفر الجغرافية البشرية  تزهد الوزارة في عجلاتها الاحتياطية، وتعود القطط إلى رمادها كما يقول المثل العامي. وأخيرا هذا شر فساد ابتليت به الجهة الشرقية، ولا يزول فسادها إلا بزوال من يغذيه، فهل  من زوال  لمن يغذي الفساد بها؟ وهل ستستعيد الجهة الشرقية ماضيها المشرق الضائع في زمن استنسار البغاث الذين ركبوا كل مركب للتطاول على مناصب تفوق أقدارهم بسنوات ضوئية. وأخيرا أسأل الله تعالى لهم أن يبصرهم بعيوبهم، قبل أن  يغادروا دار العيب بعيوبهم إلى دار لا يوجد فيها من يسكت عن العيب أو يحابي أصحابه.

طريقة معالجة إعادة انتشار أطر التدريس بالجهة الشرقية تعكس سوء التقدير وضعف التدبير
طريقة معالجة إعادة انتشار أطر التدريس بالجهة الشرقية تعكس سوء التقدير وضعف التدبير

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz