طالبان.. بين عصا الغرب وجزرته/مصر: علي عبدالعال

20766 مشاهدة

علي عبدالعال: لم يطل بها المقام حتى ردت -سريعا- حركة طالبان الأفغانية بالرفض على الدعوة الغربية التي جاءتها على لسان الرئيس حامد كرزاي بإلقاء السلاح والانخراط في الحياة السياسية، ففي بيان رسمي لها وصفت طالبان ما اعتبرته “مصالحة بالكلمات” بأنها “مضحكة” و”سخيفة”؛ لأن القوات الأجنبية والحكومية “عمليا يحضرون للحرب” ـ وقت صدور البيان ـ ، مشيرة بذلك إلى الهجوم الكبير الذي شنته قوات الأطلسي في ولاية هلمند جنوب أفغانستان هو الأكبر من نوعه منذ بداية الحرب بهدف دفع الحركة إلى قبول الحوار.وينظر المراقبون إلى هذا الهجوم باعتباره أبرز استعراض أمريكي للقوة منذ أمر باراك أوباما بإرسال 30 ألف جندي إضافي. وهو الذي علق عليه في تركيا وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس بالقول: “الأمر يتعلق بجعل الناس تعرف ما سيحدث على أمل أن تغادر الشخصيات المهمة في طالبان أو الكثير من طالبان”، غير أن القرويين الذين غادروا المنطقة خوفا على حياتهم قالوا إن الحركة تعد العدة لصد هذا الهجوم ولن يفر مقاتلوها.

رفض العرض الغربي

كما رفضت طالبان الدعم الغربي لدعوة كرزاي، وعدته محاولة لتضليل الناخبين الغربيين الرافضين للحرب بإقناعهم أن قادتهم يريدون السلام بينما هم يعدون لهجوم جديد. واعتبرت الحركة الإسلامية التي تقاتل القوات الأجنبية بهدف إخراجها من أفغانستان شروط كرزاي للمصالحة بمنزلة تصعيد للحرب بدلا من إنهائها، قائلة: “يريدون من المجاهدين أن يلقوا السلاح ويقبلوا بالدستور وينبذوا العنف، ولا يمكن لأي طرف أن يسمي هذا مصالحة”.

وهو رد لم يكن مستبعدًا وقد كررته الحركة العقائدية التي تسعى لإقامة دولة إسلامية في أكثر من مناسبة، كما لا يوجد ما يضطرها لإنهاء الصراع بهذا السيناريو، وهي التي أبدت صمودا وحققت نجاحات على الأرض على مدار أكثر من 9 سنوات من القتال أمام القوات الأجنبية دفعت الغرب وحلفاءه الإقليميين إلى البحث عن سبل أخرى يتفادون بها أبعاد وتداعيات صمود طالبان عالميا وإقليميا ومحليا، خاصة في ظل أهداف إستراتيجية ومصيرية لم تحققها القوات الغربية الموجودة في أفغانستان برغم ما تكبدته عسكريا واقتصاديا طيلة هذه السنين.

الرهانات الغربية

وخلال مؤتمر كبير بشأن الأوضاع في أفغانستان شاركت فيه أكثر من 70 دولة ومنظمة عقد في لندن (28/1/ 2010) أعلن حامد كرزاي -الرئيس الأفغاني المدعوم من الغرب- رغبته في التفاوض مع قادة طالبان، وبموجب مقترحات له فإن واشنطن وحلفاءها سيدعمون إنشاء صندوق لإعادة دمج مقاتلي الحركة في الحياة السياسية من خلال إغرائهم بوظائف وأموال للتخلي عن القتال.

وإزاء استماتة طالبان على خيار الحسم العسكري، وعدم تنازلها عن مطلب الانسحاب الأجنبي الكامل، يراهن الغرب على جملة من المتغيرات يتوقع حدوثها بأفغانستان، منها: إحداث انشقاقات في صفوف طالبان، وتقسيم فصائل وقيادات الحركة إلى متشدد ومعتدل كمقدمة لاستمالة المعتدلين بالمال والوظائف وحصار المتشددين، كما يسعى لمحاولة إقناع القبائل الأفغانية خاصة (الباشتون) بالتخلي عن دعم الحركة، وهو يسعى على ذلك في الوقت الذي يضاعف فيه من جهوده العسكرية -إرسال 30 ألف جندي إضافي- لإضعاف الأذرع الطالبانية التي تبدي صلابة واستبسالا في المواجهات كما هو الحال بالنسبة لجبهة حقاني، ويهدف الغربيون من وراء هذه الخطط والضغوط إلى تقليم أظفار طالبان، وتحقيق فصل أيديولوجي وعسكري بينها وبين تنظيم القاعدة.

لكن الرهان على مثل هذه المتغيرات يبدو بعيد المنال، حسبما يرى المراقبون، فمن جهته استبعد صادق بلال الصحفي العربي المقيم في باكستان استمالة قيادات من طالبان بالمال أو عبر المساعدات، مشيرًا إلى أن الحركة حددت موقفها مبكرا بأنها لن تقبل بهذه اللعبة السياسية إلا في حالة انسحاب كامل للقوات الأجنبية من أفغانستان، بالإضافة إلى تخلي الحكومة الحالية بزعامة كرزاي عن الحكم؛ لأنها حكومة فاسدة، برأيها، وأصبحت دمية في يد الغرب يحركها كيف يشاء.

وفي تصريح خاص لـ”إسلاميون.نت” يعتقد صادق بلال أن الحركة عبرت عن ذلك صراحة بتنفيذها سلسة من الهجمات والتفجيرات وقعت بالتزامن مع مؤتمر لندن حملت رسالة واضحة وذات مغزى، مضيفا أن أمريكا وحلفاءها ربما يستميلون بعض أطراف مقربة من طالبان أو زعامات قبلية فقط ليوهموا الناس أنها من طالبان، مشيرا إلى أن الحركة دللت بشكل قاطع منذ الغزو الأجنبي للبلاد 2001 على أنها حركة متماسكة على أرض الواقع وليس من السهل أبدا إيجاد انشقاقات في صفوفها، فهو أمر صعب المنال ومن ثم لم تنفع معها لا سياسة العصا ولا الجزرة.

طالبان والقبائل

وفيما يتعلق بالرهان على القبائل الأفغانية التي تؤوي عناصر طالبان وخاصة الباشتون، كما حدث بالنسبة لقبيلة (شنواري) شرق أفغانستان التي أعلنت مؤخرًا أنها ستساعد حكومة كرزاي في حربها ضد الحركة في مقابل مشروعات إنشاء تخدم أبناء القبيلة، اعتبر صادق بلال أن “الكلمة الفصل” في المناطق القبلية معروف أنها لطالبان، مشيرا إلى أن الوضع في أفغانستان ليس كالوضع في العراق الذي اعتمدت فيه الولايات المتحدة على التناقضات داخل المجتمع بين الشيعة والسنة الذي أسهم بشكل كبير في إنجاز مخططاتها، لكنه غير متحقق لها في أفغانستان بالمال أو بغير مال، مؤكدا التأثير الضعيف لأي قوى داخلية إذا رغبت في الوقوف بوجه حركة طالبان أو إعاقة تحركاتها.

الفصل بين القاعدة وطالبان

وإذا كان أحد أهم الأهداف التي يتطلع إليها الأمريكيون وحلفاؤهم هو تحقيق فصل إيديولوجي وعسكري بين القاعدة وطالبان، أو أن تتخلى الحركة الأفغانية عن هذا التنظيم العابر للحدود وترفع الغطاء عنه خاصة أنها نفس مطالب السعودية، فإن إمكانية تحقيق ذلك يستبعده مراقبون خاصة في ظل ما يصفونه بـ”متانة العلاقة” التي تجمع الطرفين.

فمن جهته، يستبعد الباحث والأكاديمي الأردني د.أكرم حجازي إمكانية حدوث هذا الفصل مطلقا بين القاعدة وطالبان، وذلك لعدد من الأسباب الهامة منها أن:

1- القاعدة في نطاق بيعة إسلامية مع طالبان وهي ملتزمة بإمارة الملا محمد عمر في كل شئونها حتى بياناتها العسكرية لا تستطيع أن تصدرها إلا في إطار الإمارة الإسلامية.

2- القاعدة صارت جزءا إداريا مركزيا داخل حركة طالبان وهذا ليس على مستوى العناصر بل حتى داخل قيادة الحركة نفسها.

3- التقارب العقدي بين الطرفين.

4- المكانة الكبيرة للمجاهدين العرب وخاصة القاعدة في نفوس الأفغان وخاصة طالبان.

وفي تصريح خاص لـ”إسلاميون.نت” يشير حجازي إلى أن الحديث عن فوارق مذهبية بين الجهتين على اعتبار أن طالبان (ماتريدية) حنفية بينما القاعدة سلفية سنية موضوعيا ليس صحيحا، خاصة أن القاعدة تركت بصمات عقائدية قوية في طالبان ساعد عليها قبول الحركة بالأطروحات العقدية القائمة على الأدلة من الشرع الإسلامي، معتقدا أن قيادات الحركة يتوقفون كثيرا أمام ما يجوز وما لا يجوز في الإسلام، وهم ليس لديهم أي إشكالية في الاستجابة لما يطرحه فقهاء القاعدة بالدليل الشرعي خاصة في ظل قيادة الملا عمر، وهو رجل شديد التدين وشديد الصرامة في تقبل الدليل. وهو ما يخلص منه إلى أن هناك تقاربا عقديا بين الطرفين يعود بجزء كبير منه إلى دور الملا عمر بكونه شخصية شديدة الاحترام لدى جميع تشكيلات الحركة.

ويدلل حجازي على كلامه بلائحة طالبان الأخيرة التي قررت فيها الحركة تغيير القوانين السابقة التي كانت تتعارض مع الإسلام، حيث يرى أن طالبان كانوا في الأصل طلبة علوم شرعية ليس لهم برنامج سياسي ولا يفهمون في ألاعيب السياسة، وهي كحركة لم تتجذر عقائديا إلا من خلال القاعدة كحركة عقائدية ذات منهجية ورؤية إسلامية وليست كتنظيم ضيق، ولعل من يطالع إصدارات الحركة كمجلة الصمود وطلائع خراسان اللتين تنشران مقابلات لكبار قادة طالبان يجدها تحتوي على ثناء بالغ على القاعدة وقياداتها وعناصرها حتى أنهم يتمنون أن يخوضوا حربا تحت قيادة القاعدة وأسامة بن لادن لما يشعرون به من جميل للمجاهدين العرب منذ الغزو السوفيتي وبعده.

المعتدلون والمتشددون

ويرى د.أكرم حجازي أن طالبان قبل الحرب التي بدأتها أمريكا عام 2001 غير طالبان بعد الحرب، خاصة أن الحركة تعرضت لأهوال طيلة هذه السنين لو تعرضت لها أي حركة في العالم لانقلبت -برأيه- رأسًا على عقب، لكن ذلك لم يحدث مع الحركة، وهو ما لم يزدها إلا صلابة وقوة، فهل يعقل أن طالبان التي لم تتخل عن القاعدة وقت الأزمة ووقت الشدة حتى جرى إسقاط حكومتها في كابول أن تتخلى عنها الآن وهي التي باتت تحقق انتصارات على الأرض.

وبشأن الحديث عن تقسيم الحركة الأفغانية المسلحة بين متشددين ومعتدلين يشير حجازي إلى أن الغرب يعلم علم اليقين أن طالبان كجسم عسكري ليس فيها يمين ويسار، موضحا أن تصريحات الأمريكيين في أكثر من مناسبة قالت نحن لا ندري أين هم المعتدلون في الحركة، كما لم يخرج قائد واحد من طالبان حتى هذه اللحظة منفصلا عن الحركة، معتبرا أن هذا من الصعب حدوثه في التنظيمات العقدية التي لا يوجد فيها سهل ومتطرف، بل فيها حسن وفيها ضعيف، لكن كل ذلك في إطار التزام عناصرها بالعقيدة التي يؤمنون بها.

ويضيف: فإن كانت طالبان تتكون من مجموعة حركات فإنهم جميعا متفقون في المبادئ الأساسية.

طالبان.. بين عصا الغرب وجزرته
طالبان.. بين عصا الغرب وجزرته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

/ علي عبدالعالصحفي مصريAli AbdelaalEgyptian journalist

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.