ضبط قائد بمدينة وجدة متلبسا بعملية رشوة

32465 مشاهدة

وجدة يوم السبت 25 شتنبر 2010 ، ذكرت الحياة المغربية بوجدة ان مصادر مقربة منها اكدت لها ان احد رجال السلطة من عيار قائد باحدى المقاطعات بعمالة وجدة انكاد يكون قد ضبط بعملية رشوة حيث استعمل الراشي جهاز مسجلة لضبط عملية التفاوض، و بعد ذلك تم امداد الشريط المسجل الى جهات مسؤولة لكن، تقول جريدة الحياة المغربية في عددها 268 الصادرة اليوم السبت 25 شتنبر 2010 انه لحد كتابة الخبر لازال القائد في موقع مسؤوليته…دون ان يتعرض لاي عقاب او زجر من قبل مرؤوسيه.. فهل يتعلق الامر بتستر مشبوه ام ان الامر يتعلق بمسالة وقت ليتلقى القائد المذكور جزاءه….

ضبط قائد بمدينة وجدة متلبسا بعملية رشوة
ضبط قائد بمدينة وجدة متلبسا بعملية رشوة

و للتذكير ارتبط دخول موضوع الرشوة إلى مجال التداول العمومي بمنعطف التوافق السياسي الذي انطلق في المغرب في منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، عندما خرج عدد من الملفات من دائرة المحذور و”التابو” في سياق الانفراج العام والسعي إلى فتح صفحة جديدة لنقل الخلاف حول الشأن العمومي من منطق الصراع والإقصاء إلى دائرة التدبير الديموقراطي.ومن هذه الزاوية تكون المكاشفة حول الرشوة تندرج في مشروع بناء دولة القانونولعل إقصاء هذا الموضوع من الخطاب الرسمي، على نفس المستوى مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، في وسائل الإعلام كما في تصريحات المسؤولين، على امتداد العقود الماضية يعطي قدرا من المصداقية لأطروحة رفعت الرشوة إلى مستوى نظام للحكامة باعتبارها متجذرة في التشكيلة السوسيو اقتصادية والثقافية بالمغربكما يُفهم الحظر العملي الذي ظل يلازم المسألة في الخطاب الرسمي ضمن آليات الصراع على السلطة، ومن خلفها على الثروة والمصالح، حيث تكون الرشوة في هذه الحالة، على المستوى السياسي، وسيلة لضبط العلاقات والتحكم في حركية النخب.

وليس من باب الصدفة أن يحفل القاموس الشعبي بإحالات بليغة على الرشوة من خلال تسميات كثيرة مثل “الحلاوة والتدويرة والدهنة والقهوة والكميلة”، بل إن المغاربة القدامى سبقوا أحفادهم إلى القول في الرشوة بواسطة النظم، كالبيت الزجلي المشهور المنسوب إلى رباعيات الشيخ عبد الرحمان المجدوب: “ادهن السير يسير وبه تسقام الخرازة ياك النقبة تجيب الطير من سوس حتى لباب تازة” بصرف النظر عن الإضافات الشعبية إلى رصيده وأقواله، يبقى عبد الرحمان المجدوب شخصية تاريخية عاش في منطقة أزمور، بقبائل دكالة، في أواخر القرن القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، ومنطقة سوس ما تزال في مكانها في جنوب المغرب، أما باب تازة فقد تكون البلدة الحاملة لهذا الاسم حاليا قرب تطوان، أو هي مدينة تازة في المضيق (الباب) بين سلسلتي جبال الريف والأطلس.

وليس غريبا أن تلبس الرشوة هذه الصورة الشعرية خلال مرحلة مضطربة من تاريخ المغرب تميزت بمخاض وفوضى في نهاية عصر الدولة المرينية، قبل بداية دولة السعديين، إذ استولى أعيان بني وطاس، وهم من خدم المرينيين على شؤون الحكم في ما تبقى من مملكة فاس في شمال المغرب من خلال منح الامتيازات لزعماء القبائل وكبار تجار المدن وللعلماء وشيوخ الزوايا وزعماء القبائل.

إلا أن “الحالة” المغربية، قديما وحديثا، لا تشكل استثناء في العالم العربي، ذلك أن الكثير من الباحثين ربطوا السلطة في الدولة الإسلامية بنظام الامتيازات والعطايا والهدايا، حتى أن الحاكم ظل دائما مضطرا لشراء الهدنة مع منافسيه الفعليين أو الافتراضيين بواسطة المصالح، كما يجعل النظام نفسه خدام السلطة ملزمين بالتنافس في الدفع للحفاظ على الامتيازات.

وهذا ما يفصل فيه محمد عابد الجابري في أطروحته الكبيرة حول “العقل السياسي العربي”، من خلال “دولة القبيلة والغنيمة” التي تقوم على علاقة “الإرشاء” الدائم و”القانوني” من طرف الحاكم للزعامات المحلية وولاة الأقاليم، مقابل ضمان ولائها واستمرارها في أداء وظيفة السهر على النظام الجماعي والاجتماعي، بجانب الوظيفة الاقتصادية المباشرة المتمثلة في جمع الضرائب وتوجيهها إلى الخزينة المركزية للدولةكما وجد هذا النظام امتدادات له في المستويات الأدنى من السلطة إلى العلاقة بين الجماعات والقوى المحلية.

في أوروبا أيضا قامت الدولة على نظام الامتيازات حتى فترة متأخرة من القرون الوسطى، وتميزت فرنسا على الخصوص في عهد لويس الرابع عشر، في بداية القرن الثامن عشر، ببيع المناصب الحكومية والإدارية علنا وبالمزاد يعود ثمنها إلى القصر.

إلا أن التحولات اللاحقة بعد ثورة 1789 ثم قوانين نابليون، على خلفية الثورة الفكرية لفلسفة عصر الأنوار، كلها عوامل سرعت وتيرة الانتقال من دولة الإقطاع إلى عقلانية الدولة الحديثة.

لا شك أن هذه المعطيات تدخلت وتداخلت فعلا في تطور بناء الدولة بالعالم العربي وأفرزت ثقافة سياسية تكرس تبادل المصالح، في تقليد ترسخ ليرتقي إلى مرتبة القانونوفي المغرب، إلى حدود بداية القرن العشرين، ظل أعوان المخرن، من ولاة وعمال وشيوخ وأمناء، يعملون مترتب رسمي، ويتقاضون أجور خدماتهم من السكان في شكل “السخرة” التي تنص عليها الرسائل السلطانية الموجهة إلى خدام الدولة كأسلوب معمول به في العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وفي عهد الحماية اكتفت السلطات الفرنسية بخلق آليات حديثة لاستغلال موارد البلاد لفائدة المعمرين، بينما أبقت على العلاقات والبنيات التقليدية في علاقة المغاربة بالسلطة، وهذا ما سهر عليه منذ البداية المارشال ليوطي، مؤسس نظام الحماية بالمغرب، حتى إذا استعاد البلد استقلاله وشرع في بناء الدولة الحديثة وجد نفسه عند نقطة نهاية القرن التاسع عشر على مستوى البنيات الفكرية، وذلك بالرغم من الحماس الكبير الذي رافق بداية الاستقلال لخلق مغرب جديد.

وفي خضم الصراع على السلطة على مدى ثلاثة عقود تكرس استخدام المال كوسيلة لكسب المواقع وحماية المصالح، بما جعل الرشوة، في مختلف مستوياتها، حاضرة بقوة الواقع في التعامل بين الإدارة والمواطن، ومغيبة من التداول العمومي، وبلور السوسيولوجي محمد جسوس نظرية “العلاقات الزبونية” في تحليل آليات اشتغال النظام السياسي على قاعدة المصالح وعبر “تواطؤ” عملي تاريخي لشبكة متداخلة الحلقات والمراكز، تنخرط فيها الإدارة والتنظيمات السياسية ومراكز المصالح الاقتصادية، في ظل هيمنة اقتصاد الريع والاقتصاد غير المهيكل.

وفي ظل ضعف ثقافة المواطنة أفرزت هذه العلاقات منظومة سوسيو ثقافية تقبل بالرشوة كوسيلة لقضاء الأغراض وتحقيق الترقي الاجتماعي، وتجلى ذلك سياسيا في توظيف المال في الانتخابات من طرف الإدارة ومرشحي الأحزاب السياسية على السواء، مع استثناءات محدودة.

كان الوعي بضغط موضوع الرشوة على مشروع الإصلاح وإنجاز التنمية حاضرا في اهتمام حكومة “التناوب التوافقي” التي شكلت نقلة في التاريخ السياسي الحديث للمغرب، فرفعت شعار “تخليق الحياة العامة”، وبصرف النظر عن تواضع النتائج المحققة أدت جهود الأعوام الأخيرة إلى تبلور وعي بأن الرشوة ليست مرضا جينيا في الجسم المغربي، بقدر ما هي ظاهرة سوسيو اقتصادية قابلة للتشخيص، كواحد من أعراض أزمة دولة القانون، حيث يفترض أن تلغي الشفافية الاقتصادية والمنافسة الشريفة اقتصاد الريع، ويتولى القضاء النزيه والمستقل تطبيق القانون، وتيسر العدالة الاجتماعية توزيع الثروة على قاعدة التكافل في إطار ثقافة المواطنة.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz