صورة الاشراف التربوي من خلال تقارير التفتيش – الفلسفة نموذجا/ ذ. حميد ورداني – مكناس

61149 مشاهدة

حميد ورداني – مكناس/ وجدة البوابة: وجدة في 24 أبريل 2012، صورة الاشراف التربوي من خلال تقارير التفتيش الفلسفة نموذجا

مقدمة: إن الحديث عن المردودية في المؤسسات التعليمية يحيلنا إلى مجموعة من العوامل المتقاطعة و المتشابكة منها التربوي و السوسيولوجي و الاقتصادي و السياسي…و التي تتفاعل فيما بينها بشكل ديناميكي متكامل من أجل الرفع من مستوى العملية التعليمية و الدفع بها إلى الأمام، و يعد الاشراف التربوي واحدا من هذه العوامل الأساسية، على اعتبار أن المشرف التربوي بإمكانه تعديل العملية التربوية و التأثير فيها انطلاقا من موقعه التكويني و التشريعي.

انطلاقا من هذا التصور، و انطلاقا من الوعي بأهمية هذا الدور و القناعة بضرورة تشكيل صيغة جديدة لتموقع المشرف التربوي في الحقل التعليمي، يأتي هذا البحث كمحاولة لإثارة موضوع ذي حساسية في العمل التربوي و النتائج المترتبة عنه في شكله الحالي بالمؤسسات الثانوية، و خصوصا في مادة الفلسفة، و محاولة رصد العوائق التي تحول دون الوصول إلى الأهداف المتوخاة، و بالتالي طرح تصور لإطار العمل الصالح بغاية تجاوز هذه العوائق و لو بشكل نسبي.

مشكلة البحث: إذا كان الاشراف التربوي هو جملة من الأنشطة التي تعتمد على الملاحظة و التحليل بهدف التأكد من مطابقة العمليات المنجزة مع التوقعات المخططة ، و ذلك لأجل تعديل و تصحيح فجوات و اختلالات هذه العمليات، فإن السؤال الأساسي و الذي يشكل جوهر بحثنا هو كالتالي: إلى أي حد تعكس محتويات تقارير التفتيش في مادة الفلسفة الأهداف المنشودة منها كتقنية إشرافية ؟ 

إن طرح علاقة بين الاشراف التربوي و الأهداف المتوخاة منه يستمد مشروعيته من خلال الأهداف المرسومة له سواء على مستوى التعليمات الرسمية أو على مستوى بعض الطروحات النظرية الحديثة في حقل البيداغوجيا و الديداكتيك، و التي تحاول التأكيد على أهمية الإشراف التربوي و دوره في تنمية العملية التعليمية و تطويرها. فاستقراء الواقع التعليمي بالمغرب يؤكد أن هناك خللا ينخره، و هو ما تعكسه نتائج التلاميذ المتدنية و اضطراب في العلاقة التربوية مدرس/ متمدرس من جهة، و مدرس/ مشرف من جهة أخرى، و لعل هذا الخلل العميق مرده إلى جملة من العوامل يحاول البحث التطرق إلى أحدها و هو عامل الإشراف هادفا بذلك إلى معالجة درجة مسؤوليته في الوضع الراهن للعملية التعليمية، إما كعنصر من العناصر المحيطة أو كعامل عاجز عن استكمال مهامه الوظيفية و دوره في الممارسة التعليمية.انطلاقا من هذه الخصوصيات و بغية التوضيح سنفرغ الإشكالية المركزية المذكورة إلى التساؤلات الفرعية التالية:

* ما هي نوعية المضامين التي تهيمن على تقارير التفتيش في مادة الفلسفة؟ و ما مدى فعاليتها في توجيه سلوك و عمل المدرس؟* إلى أي حد يمكن الحديث عن موضوعية في التقويم الإشرافي؟ و هل فعلا تعكس تقارير التفتيش حقيقة ما يجري في القسم، أم أنها مجرد أداة لإبراز ذاتية المشرف (المفتش) و ما تمثل من حمولة بيروقراطية سلطوية؟* ما هي الحدود التي تقف عندها تقارير التفتيش؟ و هل ينبغي أن تنحصر وظيفة التفتيش التربوي ضمن عملية الوصف الاختزالي دون تقديم بدائل دقيقة قابلة للأجرة ؟* ألا يمكن القول أن التفتيش التربوي بصيغه البوليسية يعد إحدى العناصر المحبطة للمدرس خصوصا إذا كانت نتائجه سلبية (نقطة سلبية) ؟

الإشراف التربوي في المغرب:1- لمحة تاريخية: لا بد من الإشارة في البداية إلى بعض الملاحظات الأساسية: الملاحظة الأولى و هي أن اللفظ المستعمل للتعبير عما نسميه بالمشرف التربوي هو لفظ المفتش سواء تعلق الأمر بالمذكرات الوزارية و التي تفتح دائما في مقدمتها بعبارة ” إلى السادة المفتشين… أو تعلق الأمر بالمرسوم 2.5.742 الصادر في 18 من محرم 1406 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية و الذي تم تعديله في 2003. أما الملاحظة الثانية، و هي ذات بعد تاريخي أساسا، ففيها نود أن نشير إلى كون قطاع التربية الوطنية لم يعرف نظاما أساسيا خاصا بموظفيه إلا مع سنة 1967 مع ما عرف بالإصلاح الإداري “حيث سيوزع موظفي الوزارة إلى صنفين:* رجال التعليم و التفتيش، و كانوا خاضعين لمقتضيات المرسوم الملكي رقم 66-1184 بتاريخ 2 فبراير 1967 .* الأطر الإدارية الخاصة بوزارة التربية الوطنية، و يخضعون للمرسوم 66-1199 بتاريخ 30 مارس 1967 ” (1)

و رغم وجود هذا الإطار القانوني فإن إحداث شعبة تكوين المفتشين لم يكن إلا سنة 1969، و فيه كان المتدربون يتلقون تكوينا لمدة سنة، و هو النظام الذي تم استبداله سنة 1972 ، بحيث ستصبح مدة التكوين سنتين. أما على مستوى التفتيش بالثانوي، فكانت الوزارة تكلف بعض أساتذة السلك الثاني بمهمة التفتيش، و في ذات الوقت تجري من حين لآخر مباراة وطنية تفتح في وجه أساتذة السلك الثاني المتوفرين على أقدمية عشر سنوات بهذه الصفة، و رغم ذلك كانت الحاجة ماسة إلى فتح سلك لتكوين مفتشي التعليم الثانوي بالمركز “مدة التكوين سنتان” بناء على مباراة تفتح في وجه أساتذة السلك الثاني الرسميين المتوفرين على أقدمية خمس سنوات بهذه الصفة ، و قد عدل هذا النص بعد ذلك لفتح المجال أمام أطر أخرى للمشاركة في مباراة الدخول، و في ذات الوقت احتفظ بنظام تكوين مفتشي السلك الأول كما أشير إليه سابقا (2).و لعل هذا المخاض و الارتجال التاريخي لمهنة التفتيش، سوف تكون له انعكاسات سلبية على مستوى توحيد الرؤية و التمكن من الإرث البيداغوجي الخاص بمهمة الإشراف، فالمكلفين ، و كذلك المعنيين مباشرة ليسوا هم أولئك الذين تلقوا سنتين من التكوين، و قد وصل هذا المخاض ذروته في الآونة الأخيرة عندما تم تسريح مجموعة كبيرة من المفتشين بفعل المغادرة الطوعية، و التي تركت فراغا كبيرا في هذه المهمة و استمرار سكوت الوزارة الوصية من خلال إقفال مركز تكوين المفتشين. و من باب السخرية أن نجد مفتشا أو مفتشين لمادة واحدة في المغرب بأكمله كما هو الشأن بالنسبة للتربية الموسيقية، و لكم أن تتخيلوا معي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

2- الدراسات السابقة:مما لا شك فيه أن وظيفة الإشراف التربوي تمثل عنصرا أساسيا داخل المنظومة التربوية التكوينية المغربية، إلا أن الوظائف بصفة عامة لا تبقى على حالها الذي ظهرت فيه في البداية، بل تكون خاضعة لفعل النمو و التطور نتيجة للدينامية التي تلحق النسق الذي تنتمي إليه، و قد بدأنا نتلمس مؤخرا مجموعة من الإرهاصات حول واقع و وظيفة الإشراف التربوي داخل المنظومة التكوينية المغربية تصدرتها دراسة سعيد عقلي حيث ناقش فيها إشكالية الإشراف التربوي على اعتبار أن المفتش قد يوحي بذلك الموظف الذي تنحصر مهامه في مراقبة مدى التزام المدرسين بالتعليمات الرسمية، و يتبع بذلك في التعبير عن سلطته أساليب و وسائل استبدادية ينمقها تضخيم ذاته و التقليل من شأن الآخرين، في حين أن مهمة الإشراف التربوي تكمل في مساعدة المدرسين و تزويدهم بالإرشادات الضرورية اللازمة لتطوير أدائهم (3) و في نفس التوجه يدعو محمد مكسي إلى ضرورة إعادة النظر في الشكل الذي يحضر فيه المشرف التربوي داخل المنظومة التربوية مؤكدا على ضرورة البحث عن سبل استراتيجية لتحديث مهام و وظائف الإشراف التربوي لأنه من سذاجة الأمور خنقها في المراقبة التقييمية.

لقد أفرز مركز تكوين المفتشين ركاما لابأس به من البحوث، و التي تناولت بالخصوص تحليل تقارير التفتيش، و قد حاول أحمد فريد درفوفي من خلال تحليله لعينة من الدراسات (4) استخلاص مجموعة من النتائج تنزع منزعا عاما و تنسحب على معظم التقارير وهي كالآتي :* حضور علاقة فوقية تبعا للمنطق الإداري للتفتيش، تكرس العلاقة السلطوية بدل علاقة المشاركة و التفاعل بين المشرف و الأستاذ.* النمطية و التي تتمظهر عبر تكرار عبارات في طائفة كبيرة من التقارير، و التي تقترن بأحكام عامة قد تصدق على عدة دروس.* وصفية نقدية قد تشتمل على توجيهات مكرسة لسيطرة المفتش التقويمية، دون أن تسمو إلى طرح بدائل إجرائية.* نظرة تجزيئية من خلال هيمنة جانب معين و استقطابه باهتمام المشرفين، الأمر الذي من شأنه أن يفضي إلى تهميش الجوانب الأخرى، و يخل بمكوناتها.* تتفق التقارير على اعتبار الوثائق التربوية: (دفتر النصوص، جذاذات…) أهم أداة تقويمية لمردودية الأستاذ (5).

من خلال النتائج يتبن أن الإشراف التربوي على المستوى الإجرائي لازال أسير بيروقراطية تقليدية، نظرا لغياب آليات و معايير علمية واضحة في ذهن المشرف، و كذا في ذهن المدرس.

و إذا كانت هذه البحوث (4)قد أثارت الانتباه إلى مجموعة من القضايا المهمة، فإن أكبر قصور يتوارى من ورائها هو تناولها لتقارير تفتيش مواد اللغة العربية أو التربية الإسلامية، و لهذا ستكون مهمتنا في هذا البحث هي محاولة إسقاط هذه التحليلات على مستوى مادة الفلسفة، و سنرى إلى أي حد سيسلم الإشراف التربوي في مادة الفلسفة من هذه التقليدية الإشرافية.

إن الحالة الراهنة لوضعية الإشراف التربوي تقتضي الوقوف على وضعين متمايزين: أولهما: المنظور التفعيلي لوظيفة المشرف، و المرفق بخطابات حداثية ترتكز على الكفايات العلائقية لهيئة الإشراف و المدرسين، و ثانيهما: التراكم التاريخي المفعم بأساليب إشرافية تقزم المدرس من خلال المراقبة و الترصد و المفاجأة و التفتيش البوليسي و التي لازال الواقع التربوي المغربي أسيرا لها.انطلاقا من هذين المنظورين سنحاول أن نساءل الممارسة الواقعية : إلى أي حد تم التجاوب مع المنظور الحداثي للإشراف؟ و هل فعلا تم التخلص من هذه الأساليب الإشرافية التقليدية خصوصا في مادة الفلسفة؟

3 -مفاهيم و متغيرات الدراسة: يرى وليام بورطن أن ” الإشراف التربوي هو تقويم و تحسين الظروف التي تتحكم في التعليم، إنه خدمة يقوم بها أناس مختصون تهدف إلى دراسة جميع الظروف التي تؤثر على نمو المعلمين، و إلى تحسين هذه الظروف” (6)، فهو بهذا المعنى ” عملية تهدف إلى تحسين أداء المعلمين، و تطوير أساليب و وسائل عملهم، قصد الرفع من مردودية العملية التربوية و تحقيق أهدافها.الإشراف تفاعل إنساني بين المشرف و المعلم، و تعاون بينهما لتطوير الواقع التربوي” (7)، و يميز عبد الكريم غريب بين وظيفتي المفتش و المشرف، فإذا كان الأول يحصر مهمته في مراقبة مدى التزام المدرسين بالتعليمات الرسمية، و تتبع خطواتهم في تنفيذ المقررات الدراسية فإن مهمة الثاني تهدف إلى مساعدة المدرسين و دعم قدراتهم (8).

من خلال هذه التحديدات يتضح أن مصطلح “مفتش” يوضع في مقابل “المشرف” و أن الأول ذو حمولة تقنوقراطية ضيقة، في حين أن الثاني ذو حمولة بيداغوجية مرنة و إيجابية، و التمييز هو في الواقع يرجع إلى وظيفة القائم به، هل هو يمارس التفتيش أم الإشراف؟ فأن يمارس التفتيش معناه أن “عملية الإشراف و التوجيه لا تتعدى كونها عملية تقييم أو تصييد الأخطاء و النواقص في الأشخاص و ممارساتهم” (9)، و معلوم أن هذا الشكل المتصلب لم تعد تأخذ به البيداغوجيا الحديثة في تحديدها لوظيفة الإشراف، مادامت هذه المهمة تقتضي تظافر كل أطراف العملية التعليمية في إطار جو من الديمقراطية و روح التعاون. يقول وليام بورطن” إن الإشراف الجديد الذي يلائم المدرسة الحديثة هو القيادة التي تدرس و تحسن الموقف التعليمي في جميع نواحيه، و لا يقتصر نشاطها على نواح معينة أو أشخاص معينين” (10).يتبين من خلال هذه التحديدات أن الإشراف و التفتيش مفهومين متداخلين و يتخذان معان و دلالات متعددة، لذلك وجب أن نحدد له تعريفا إجرائيا في دراستنا التطبيقية، فماذا نقصد بالإشراف التربوي و تقارير التفتيش من حيث الدلالة الإجرائية؟

نقصد بالإشراف التربوي – إجرائيا – العملية التربوية التي يقوم بها المفتش من خلال الزيارات الصفية للمدرسين سواء كان تفتيشا أو زيارة، و يكون الهدف من ورائها هو تقويم الأداء التربوي للمدرس و توجيهه بيداغوجيا و ديداكتيكيا لتطوير العملية التعليمية، و تصاغ هده التوجيهات و الملاحظات في وثيقة إدارية من طرف المفتش، و التي سميناها ب “تقارير التفتيش” و تتمتع هذه التقارير بصفتي السرية و الخصوصية.

4 – فرضيات الدراسة:أ – الفرضية العامة:نتوقع أن يكون الإشراف التربوي، بوضعه التقليدي الحالي، لا يؤدي دوره التوجيهي التربوي بالمستوى المطلوب، مما ينعكس سلبا على العملية التعليمية.

ب- الفرضيات الفرعية:– نتوقع أن يتصف الإشراف التربوي في مادة الفلسفة بالخصائص التالية:1-التركيز على الجوانب التقنية في العملية التعليمية (جذاذات، دفتر نصوص…)2-سيادة علاقة فوقية تكرس العلاقة السلطوية تبعا للمنطق الإداري.3-تقويم وصفي نقدي يتصف بطابع العمومية، و عدم اقتراح حلول عملية دقيقة للمشاكل التي يواجهها المدرس.4-تقييم حصيلة العملية التعليمية من خلال عمل جانب واحد (الأستاذ) و إغفال الجوانب الأخرى (تلاميذ، الجو الدراسي، المحيط…)

5- عيينة البحث:حددنا عينة البحث بشكل عشوائي في مجموعة من التقارير التربوية، و بما أنه قد واجهتنا بعض الصعوبات في الحصول على تقارير التفتيش نظرا لطابع السرية الذي يميزها، فقد اقتصرنا على تحليل عينة مكونة من 40 تقريرا يخص مادة الفلسفة مستقاة من نيابتي تازة و مكناس، علما أن هذه التقارير خالية من البيانات الأساسية للمدرس.

6- أدوات و وسائل تحليل البيانات:اعتمدنا في جميع البيانات على:* تقنية تحليل المحتوى: من خلال التعامل مع تقارير التفتيش و تفكيكها إلى وحدات لها معنى و وصفها وصفا موضوعيا و منهجيا و كميا.و لتحليل المعطيات اعتمدنا على مجموعة من الوسائل و التقنيات مستعملين التحليل الكمي تارة و التحليل الكيفي تارة أخرى حسب نوع الفرضية التي نريد التحقق منها و الطريقة الملائمة لذلك، و من خلال تفريغ نتائج التحليلات في جداول مستخدمين التقنيات الإحصائية. و بعد عملية التفريغ، قمنا بتبويب النتائج في جداول مما يسمح تفسيرها و مناقشتها و بالتالي التحقق من مدى صحة الفرضيات.

عرض و تحليل و تفسير البيانات: 1 – قراءة في الشكل العام لتقارير التفتيش: من خلال قراءة سيميولوجية لهذه التقارير تظهر لنا مجموعة من المعطيات يمكن إجمالها في ما يلي: + الطابع الإداري للوثيقة، من حيث أنها تستمد مشروعيتها من الوزارة الوصية.+ الطابع المصيري للوثيقة، لكونها تمنح نقطة كمؤشر للتقويم الإجمالي للمسار المهني للأستاذ، كما قد تؤثر هذه النقطة في مستقبل هذا المسار خصوصا على مستوى الترقيات.+ الطابع السلطوي: فسلطة النقطة الممنوحة، و الصفة الرسمية الوزارية، و سلطة خاتم النائب و المفتش و المدير، كل ذلك يؤكد الطابع السلطوي للإلزامي الرسمي الغير قابل لأي تعديل أو مراجعة أو نقاش، مما يجعل منها وثيقة “شبه مقدسة” كما يوحي بذلك شكلها العام.كما ينبغي الإشارة إلى أن هذا الشكل الرسمي السلطوي للتقرير التربوي يكون له حتما انعكاسا سلبيا على نفسية المدرس، و الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها مع تلك التقارير، هل كتوجيهات و اقتراحات و وجهات نظر قابلة للمناقشة و الأخذ و الرد، أم أنها توجيهات رسمية إلزامية غير قابلة للنقاش تحت تهديد الوزارة و النقطة و الخواتم الثلاثة الإدارية؟

2- عرض و تفسير فئات التقارير التربوية: لقد سعينا إلى تحليل مضمون عينة التقارير انطلاقا من تعريفها في شبكة محددة من فئات مؤطرة من خلال أسئلة محورية تمت صياغتها انطلاقا من إشكالية البحث و فرضياته، و فيما يلي النتائج المحصل عليها:أ- ما هي مختلف الجوانب البيداغوجية و الديداكتيكية التي تتمحور حولها التقارير التربوية؟ لمعرفة مختلف المحددات التي يصاغ في ضوئها التقرير حددنا مجموعة من الفئات الرئيسية تتضمن فئات فرعية يلخصها الجدول التالي:

النسبة التكرارات الفئات

80 % 32 * الوثائق التربويةالجوانب التقنية)* دفتر النصوص* الجذاذات* دفاتر التلاميذ

50 % 20 * المهارات التعليمية:* الشرح* السؤال … * الأمثلة

90 % 

36 * الجوانب الديداكتيكية:* تصميم الدرس* الإشكاليات* الكفايات و الأهداف* الخلاصات التركيبية – التقويم…

45 % 18 * المضمون المعرفي:* مدى تمكن الأستاذ من المادة المعرفية للدرس و وضوح الرؤية

50 % 

20 * الوسائل التعليمية:* استعمال السبورة* الكتاب المدرسي* وثائق…60 % 24 * مستوى تشغيل التلاميذ

15 % 06 * طبيعة العلاقة التربوية مع التلاميذ:* علاقة ديمقراطية / انفتاح* علاقة تسلطية / انغلاق

يتضح من خلال المعطيات الواردة في الجدول أن 80 % من التقارير تتضمن الإشارة إلى الوثائق التربوية (دفتر النصوص، الجذاذات…) و بما أنها نسبة مرتفعة (80 %) فإن هذا يعكس أهمية تلك الوثائق و أحد أهم المؤشرات التي يستند إليها المشرف التربوي في تقييمه لعمل المدرس، و هذا يدل على الطابع التقني للإشراف كما أن 90 % من التقارير ترد فيها ملاحظات للجوانب الديداكتيكية للدرس الفلسفي، و ارتفاع هذه النسبة دليل على وعي المفتش بأهميتها و محوريتها، أما المهارات التعليمية، و نقصد بذلك مهارة التمهيد و السؤال و الأمثلة و الشرح…فإنها ترد في 50 % من التقارير، غير أن ما يلفت الانتباه هو ضعف نسبة هذه الفئة، إذ أن مهارات التدريس لا تقل أهمية عن الجوانب الديداكتيكية، إلا أن اهتمام السادة المفتشين بهذه الأخيرة، يفوق اهتمامهم بالجوانب المهاراتية، و هو الشيء الذي لا نجد له ما يبرره خاصة أن ما هو ديداكتيكي يتأسس على ما هو مهاراتي منهجي.

و تشير 60 % من التقارير إلى مستوى تشغيل التلاميذ، تنويها أو توجيها، في إنجاز الدرس و منحه الحيوية و النشاط، لكن رغم ذلك تبقى ملاحظة هذا الجانب لا تحظى بالأهمية اللازمة مادام التلميذ يبقى هو الهدف أولا و أخيرا، كما أن هذه النسبة تعني أن اهتمام المشرف التربوي بالتلميذ لا يرقى إلا المستوى اهتمامه بالأستاذ، و تضمنت 50 % من التقارير الإشارة إلى ملاحظات بخصوص توظيف الوسائل التعليمية و على رأسها السبورة ثم الكتاب المدرسي، بينما تضمنت 45 % من التقارير ملاحظات فيما يخص المضمون المعرفي و مدى تمكن الأستاذ من المادة المعرفية و وضوح الأهداف و الرؤية، و هي ملاحظات كانت كلها منوهة بالأستاذ، أما أقل نسبة، فهي تلك التي تمثلها طبيعة العلاقة التربوية بين الأستاذ و التلميذ، أي مدى ديمقراطية أو سلطوية العلاقة بينهما، حيث تشير فقط 15 % من التقارير إلى طبيعة هذه العلاقة، و هذه الملاحظات كانت في المنحى الإيجابي، أي تشيد بعلاقة الانفتاح و الاحترام المتبادل بين الأستاذ و تلاميذه، و يمكننا أن نتساءل في هذا الإطار : هل النسبة المتبقية أي 85 % تمثل الجانب السلبي من تلك العلاقة؟ أم أن المفتش لا يتوفر على الآليات و الإمكانيات اللازمة لقياسها؟ و مهما يكن الأمر فإن إغفال مثل هذه الجوانب التربوية يظل أيضا أمرا غير مبرر خاصة و أن شكل و طبيعة تلك العلاقة التربوية يكون لها انعكاس مباشر على سلوك و شخصية التلميذ و مردوديته.

ب- ما هي السمات المميزة للتقارير التربوية؟لتحديد الخصائص المميزة للتقارير التربوية وضعنا عدة فئات: يلخصها الجدول التالي: النسبة المائوية التكرارات الفئات70 % 28 وضعية نقدية: أي يغلب عليها الطابع الوصفي النقدي50 % 20 اقتراح حلول عامة10 % 4 اقتراح حلول عملية إجرائية

من خلال قراءتنا للجدول يتضح أن 70 % من التقارير التربوية هي تقارير وصفية نقدية يغلب عليها الطابع الوصفي التشخيصي في غياب اقتراح حلول و بدائل إجرائية دقيقة، كما أن المفاهيم الموظفة في التقارير عامة و غير دقيقة مما يجعل من التقارير مجرد إجراءات إدارية تفرضها المهمة الموكولة للسيد المفتش، و في المقابل نجد 50 % من التقارير تقترح حلولا عامة و قد لا تراعي خصوصيات التلميذ و التكوين البيداغوجي و الأكاديمي للمدرس، و تفتقد بالتالي إلى الدقة و تبقى قابلة للتأويل، بينما نلاحظ أن 10 % فقط من مجمل التقارير يمكن القول أنها استوحت الأهداف المتوخاة منها من خلال اقتراح توجيهات و بدائل إجرائية مساعدة. إن هذه النتيجة تؤكد الفرضية التالية التي كانت تتوقع أن يكون التقويم الإشرافي نقديا وصفيا يتصف بالعمومية.

ج- ما نوع العلاقة السائدة بين المدرس و المفتش؟

النسبة المائوية التكرارات الفئات60 % 24 علاقة سلطوية10 % 4 علاقة ديمقراطية

لمعرفة نوع العلاقة السائدة بين المشرف التربوي و المدرس لجأنا إلى الطريقة الكمية في تحليل مضمون التقارير، حيث عملنا على عد و إحصاء الكلمات التي تصنف ضمن الحقل الدلالي السلطوي (مثل كان من اللازم على المدرس، يتطلب الأمر، من المفروض…) فكانت النتيجة أن 60 % من التقارير تجسد العلاقة السلطوية طبقا للمنطق الإداري. فالتقرير لا يستمد مشروعيته من البعد التربوي التكويني فقط بل أيضا و بالأساس من البعد الإداري و القانوني، و هذا يمنح للمفتش سلطة تقديرية و تقريرية واسعة، و يضع الأستاذ في موضع سلبي ضعيف لا يتمتع بأية صلاحية في مادة ترفض السلطة بكل تجلياتها. أما نسبة التقارير التي حاولت أن تتجنب استعمال عبارات سلطوية و فضلت استعمال كلمات أكثر لباقة وديمقراطية “ادعوه، حتى يتفادى، أنصحه.. “. فلم تتجاوز نسبتها 10 % و هو رقم هزيل يدل على أن المشرف التربوي في المنظومة التربوية المغربية يعاني كثيرا من تضخم الأنا و بعض النرجسية و هو ما يؤكد الفرضية الثانية.د- من المستهدف من عملية التقويم؟

النسبة التكرارات الفئات100 % 40 تقويم عمل المدرس20 % 8 تقويم عمل التلاميذ من خلال المدرس

يظهر لنا من خلال المعطيات الواردة في الجدول أن معيار نجاح عملية تعليمية في فصل ما، هو تقويم عمل المدرس، و تمثل هذه النسبة 100 % ، بينما لم تتعد نسبة تقويم المشرف لعمل التلاميذ سوى 10 % و هذا يدل أن هناك خللا واضحا في عملية التقويم الإشرافي، ما دام يغفل محور و مركز هذه العملية. و عموما لا يكفي في جميع الحالات الاقتصار على تقويم عمل الأستاذ كمعطى كاف لإصدار أحكامنا عن مدى تحقق الأهداف المتوخاة، بل لا بد من التفكير في ابتكار طرق و أساليب تستحضر هذا الطرف المركزي المغيب في عملية التقويم سواء من خلال استمارات يتم ملؤها من قبل التلاميذ أو عبر دراسة مدى تحسنهم خلال السنة الدراسية لأنه من العيب و من غير المقبول أن تكون حصة دراسية كافية لإصدار حكم قيمة قد يشكل عنصر إحباط للمدرس أكثر من كونه مجالا للتوجيه و الإصلاح و التكوين. إن تقويم أي عمل يعتمد مبدأ إشراك مختلف الأطراف المعنية بشكل ديمقراطي يكون أكثر نجاحا من عمل يقتصر في تقويمه على طرف واحد ، و بالتالي أليس من الممكن أن يحضر أكثر من مشرف تربوي كما هو الشأن في تجربة بعض البلدان الأسيوية و الانكلوساكسونية؟خلاصة و اقتراحات:يتضح من خلال استعراض النتائج التي أسفرت عنها التحليلات أن الإشراف التربوي (التفتيش) يظهر اغترابه عن الأهداف المصرح بها كأهداف متوخاة منه، و بالتالي فهو لا يؤدي دوره التوجيهي بالمستوى المطلوب مما ينعكس سلبا على العملية التعليمية. صحيح أن بنية الإشراف لا تتحدد وفق نيات حسنة أو رغبة في التحسين بقدر ما تتحدد وفق فلسفة تربوية عامة تؤطرها هياكل تتجاوز البعد التربوي إلى مجال أعمق يستمد جذوره من معطيات اقتصادية و سياسية و اجتماعية، لكن هذا لا يعني أن يكون الإشراف عنصرا خاضعا لهذه المنظومة بشكل مطلق، فمن خلال ما عايناه من مثالب و نقائص في ميدان الإشراف التربوي و ما يرتبط به من إشكالات عديدة يمكن أن نقترح جملة من التصورات:-لابد أن يكون تقويم المدرس شاملا: فمن مجالات تقويم الممارسات التدريسية تقويم الدرس ديداكتيكيا، و تقويم كفاءة المدرس من حيث الشخصية و معرفة العمل والإحاطة به، و آثار المدرس على التلاميذ و كذا من خلال الحصيلة التعليمية للتلاميذ و قدرتهم على التفكير العلمي و مدى مشاركتهم في النشاط المدرسي.– لكي تكون عملية تقويم المدرس شاملة، لا بد من إشراك جميع الأطراف المساهمة في العملية التربوية كالمدير و الناظر و التلاميذ و يمكن إشراك أطراف أخرى مختصة.– التقويم الذاتي الجماعي يعتبر أفضل وسيلة لتقويم عمل المدرس، و هو تقويم يقوم به المدرس و المشرف، و يشترك فيه التلاميذ و هيأة التدريس أحيانا بقصد تحسين الموقف التعليمي.– يجب أن يكون الهدف الأساسي من الإشراف تبصير الأستاذ بمكانته و تبيان نواحي تفوقه ليكون لديه وعي بكفاياته و مستواه المهني حتى يعمل باستمرار على تطوير ذاته. و على الرغم من أن وضع تقديرات المدرس سيكون نتيجة حتمية لم سيشاهده المشرف إلا أنه لا يجب أن يكون هو الهدف الأساسي من الزيارة، و ينبغي أن تثمر الزيارات المتكررة للفصول برنامجا واقعيا و خطة مناسبة للعمل. – لتجاوز العلاقة السلطوية التي تربط الأستاذ بالمفتش نقترح إشراك الأساتذة بوضعهم خططا للتقويم تجعلهم يشعرون بمسؤوليتهم نحو البرنامج، كما أنه مناسبة لتدريبهم على أساليب التقويم و القياس خصوصا في مادة الفلسفة، حيث يصعب تقويم التلميذ فبالأحرى المدرس.إن الاهتمام بعمل المدرس في إطار الإشراف التربوي، يظل عملا إشكاليا تؤطره مهام المشرف و إكراهات المادة المدرسة و مستلزمات و ضوابط المؤسسة و حاجات التلاميذ، و من تم تبقى مشاركة الأطراف الفاعلة كلها الركيزة الأساسية لتجاوز هذه العقبات.

الهوامش:01- خالد المير و ادريس القاسمي: تكوين مفتشي التعليم، سلسلة التكوين التربوي، العدد 6 مطبعة النجاح 1997 ص:502- نفس المرجع ص: 7503- عبد الكريم غريب: بيداغوجيا الكفايات، منشورات عالم التربية، الطبقة الخامسة 2004 ص: 259 04- : – هبة الشبهي – محمد الزيوان: التأطير و المراقبة من خلال تقارير التفتيش رقم : 84/19 – احمد سعد الدين: طرق تدريس مواد اللغة العربية من خلال تقارير التفتيش رقم 87/47 – فريد همزان: صورة الإشراف التربوي من خلال دروس اللغة العربية رقم 89/136 – عبد الرحيم ازناك – احميد: ملاحظة درس المطالعة و إعداد لمكونات شبكة رقم 89/138– علي منكاد – عمر كعموصي: الإشراف التربوي في مادة التربية الإسلامية رقم 89/152 05- درفوفي أحمد فريد: الإشراف التربوي مقوماته و تقنياته، شركة بابل للطباعة و النشر 1991 ص: 65 06- سعد دياب: الإشراف الفني، دار النهضة العربية، بيروت 1963 ص 2307- عبد العزيز الشتاوي و محمد عادل الاحمر: الإشراف التربوي في الوطن العربي، المنظمة العربية للنشرو الثقافة و العلوم، تونس 1984 ص : 1008- عبد الكريم غريب، الإشراف التربوي، مجلة عالم التربية، العدد 7-9 ص 179 09- الحاج إلياس صه: الإشراف التربوي، مجلة الرسالة التربوية، السنة 12 ، العدد 21-22دجنبر 1987 ص 46 10- الإشراف الفني – مرجع سابق ص 36

صورة الاشراف التربوي من خلال تقارير التفتيش - الفلسفة نموذجا/ ذ. حميد ورداني - مكناس
صورة الاشراف التربوي من خلال تقارير التفتيش - الفلسفة نموذجا/ ذ. حميد ورداني - مكناس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz