صناعة الإنسان الغبي

21456 مشاهدة

طبيعة الإنسان حيادية لا هو بشرير ولا هو بخَيِّر باستثناء ما قد يكتسبه من بيئته أو ما قد يحدث له من تغير جيني شاد، فالمدرسة السلوكية أكدت على هذا الطرح في صناعة السلوك ولعل تجربة بافلوف الشهيرة التي أجراها الكلب إذ قام بإرفاق الطعام مع قرع الجرس. فكان لعاب الكلب يسيل كلما رأت عينه الطعام، وبعد تكرار هذه التجربة أخذ لعاب الكلب يسيل لقرع الجرس دون أن يكون هناك طعام. وأكد بذلك علماء السلوك على أهمية البيئة في تكوين السلوك الفردي..
هناك تجربة أخرى تدل بشكل واضح في بلورة السلوك، حيث قام علماء بوضع خمس قرود في قفص حديدي، ثم وضعوا داخله سلم يصل من خلاله القرود للموز، وفي كل مرة يصعد أحدهم يريد التقاط الموز يُرشُّ القرود الأربعة بالماء البارد وبعد تكرار التجربة بدأ القرود يقومون بضرب كل قرد يحاول الصعود. بعدها استبدل قرد جديد بأحد القرود الخمسة، وبعد دخول القرد الجديد أراد الصعود للموز قام الآخرون بضربه وهو لا يدري لماذا يُضرب، واستبدل قرد ثاني بأحد الأربعة القديمة، ثم أراد هذا القرد المستبدل في أكل الموز، ثم قام القرود بضربه وشارك معهم القرد الجديد وهو لا يعلم سبب هذا الضرب، ففهم الثاني والثالث والرابع والخامس وكلهم جدد بعد استبدالهم للقرود القديمة، بأن الصعود ممنوع مع أنهم لا يعلمون السبب في تلقين بعضهم لبعض تلك الضربات…وقد ندرج هذا النوع من التجارب ضمن التقليد وضمن تشكيل السلوك حسب الاختيار الذي يراد له أن يكون. فالبيئة التي نعيش فيها قد شكلت منا جزءا كبيرا من سلوكاتنا ومعاملاتنا. ونلحظ ذلك كلما تكلمنا عن مواضيع السياسة وأمور الدولة وعن الوضع المعيش، فنسمع أفواها تقرع أذاننا لتقول “أسكت” و “راه يسمعوك” و”بدَّل هاد الموضوع” و”الحيطان عندها وذنين” وغيرها من الكلام التخويفي…، نخلص أن هذا السلوك نتج عن بيئة تربت على الخوف وتوريثها للأجيال القادمة دون أن تعلم الأجيال الجديدة السبب في ذلك، مثلها مثل القرود الجديدة التي جهلت السبب في الصعود للموز، ويبقى الموز في الأعلى لا يصله إلا من فهم أن الماء البارد مثير شرطي سوى حيلة صنعها أصحاب القرار – أقصد العلماء أصحاب صناعة السلوك- وهكذا دواليك تتكرر صناعة الإنسان النموذج حسب السلوك الذي يبرمج له.وهذا يقام بشكل احترافي على أرض الواقع وليس فقط على الحيوان، فمثلا في بداية الصيف يقوم الإعلام بترويج شعار”عطلة صيفية للجميع”، يتم من خلاله تخزين العقل على أن الصيف للسفر والشاطئ و المتعة..، والخطير أن يتم ربط السعادة بتلك المؤثرات (الشبيهة بالجرس) وعلى أن العطلة الصيفية السعيدة هي التي تقضى خارج البيت وتوجب السفر والجلوس طول الوقت في الشاطئ، مع أن قضاء عطلة في أجمل مكان في هذا العالم قد يجعلك أتعس الناس، وهذا لا يحتاج كثير من الشرح.وفي شهر رمضان الكريم أصبح مقرونا بالفكاهة والمسرحيات والمسلسلات إضافة للبرامج في إعداد الشهيوات للمطبخ…، حتى يخزن في عقول الناس أن شهر رمضان شهر للوقت الضائع والزمن الميت الذي تسخر فيه الإمكانات كي يمر الوقت فيه بشكل لا يوجد معه الملل والضجر والقنط..أما مباريات كرة القدم مقرونة تلقائيا بمفهوم الوطنية وحب البلاد وأنها أحد الأولويات لرفع راية البلاد، مع أن دولا كثيرة لا تملك فرقا رياضية لكنها تعد دولا صناعية وإقتصادية ثم يضرب لها ألف حساب من الناحية السياسية…فالمنبه الغريزي أو الحسي الناتج عن قرع الجرس دون وجود طعام حقيقي كما وقع في تجربة الكلب قد أدى لسيلان اللعاب، فلا غرابة إن أكدنا على أن أجراسا كثيرة إعلامية وسياسية وثقافية تقرع بدون وجود محفز حقيقي مما يضطرنا للقيام بسلوكات لا منطقية. بل إن وسائل الإثارة الوهمية كانت سببا في صناعة سلوك إنساني شاد يتضارب في كثير من المرات مع الفطرة السليمة والعقل المنطقي.ولاشك في أن تجربة بافلوف بالإضافة لتجربة القرود الخمسة تتكرر عندنا عشرات المرات وبشكل مستمر وعلى نطاق أوسع.

طاقي محمد
طاقي محمد

Tagui19@hotmail.fr

اترك تعليق

1 تعليق على "صناعة الإنسان الغبي"

نبّهني عن
avatar
abdo
ضيف

إن الأمر الدي يجب أن نأكد عليه دائما أستاد محمد هو ان الإعلام المغربي لايعبر عن شعبه إطلاقا وهي كلمة قالها الشيخ محمد الرنتيسي عندما زار جامعة محمد الأول بوجدة ، و الطامة الكبرى أننا لازلنا نمول هدا الاعلام كل شهر شئنا أم أبينا من خلال فاتورة الكهرباء فنزيد بيوتنا ظلمة من حيث نريد إنارتها!!!
شكرا لك أستادي الكريم على الابداع و أسأل الله أن يجعلك كالغيث أينما حل نفع.

‫wpDiscuz