إحتضار صناعة أمشاط العظم بأزقة فاس العتيقة

15603 مشاهدة

فاس: محمد السعيدي “المعلم” يعد الوريث الوحيد لحرفة صناعة أمشاط العظم أو أمشاط القرن حسب تجار زنقة المشاطين بقلب المدينة العتيقة لفاس؛ فهذا الرجل هو آخر صانع لا يزال يزاول هذه “الحنطة”، كما كانت عليه منذ مئات السنين.

لقد بدأ السعيدي ممارسة هذه الحرفة منذ مرحلة الطفولة، حين تعلم صنع الأمشاط من قرون الأبقار بمحل ما زال يقاوم من أجل البقاء بزنقة المشاطين المجاورة لساحة الصفارين.

وإن كان السعيدي، صانع أمشاط العظم منذ 51 سنة، قد نجح في الحفاظ على هذا الموروث، فإنه يعترف بكونه فشل في توريثه إلى شخص آخر ليحافظ على استمرارية هذه الصنعة.

ويرجع هذا “المعلم” ذلك إلى ضعف الطلب على أمشاط العظم، التي شكلت في الماضي مكونا أساسيا من “جهاز” العروس الذي لا يكتمل بدونها.

آخر صانع

تسمى العديد من الأحياء والأزقة بمدينة فاس العتيقة باسم الحرف التي تزاول فيها، كما هو الشأن بالنسبة إلى زنقة المشاطين التي لم يعد يؤثثها سوى محل واحد، هو ورشة محمد السعيدي.

“حنطة” مهددة بالانقراض، بالرغم من تبني الدولة لمشروع التكوين والتدرج المهني، مشروع لن يقدر على إنقاذ صناعة أمشاط العظم من الاندثار.

ولا يمكن لعابر زنقة المشاطين أن يمر منها دون أن تثير انتباهه ورشة السعيدي لصناعة أمشاط العظم. مصنوعات يدوية من قرون الأبقار، تثير فضول المغاربة والأجانب على حد سواء؛ كما كان عليه الحال خلال زيارة هسبريس لهذه الورشة، حيث توقف أكثر من سائح أجنبي ليتفحص هذه الأمشاط، منهم سائحة فرنسية فضلت أن تقتني مشطا بـ50 درهما أثار إعجابها.

“أمشاط القرن كان يقبل على اقتنائها حتى الناس الميسورين. أما الآن، فقد غدا هذا النوع من الأمشاط يقاوم من أجل البقاء، بعد أن أصبح لا يعرفه الكثير من النساء، وهن اللواتي يقبلن على الأمشاط المصنوعة من البلاستيك”، هكذا رد السعيدي على هسبريس حين سألته عن واقع حرفة صناعة الأمشاط من قرون الأبقار.

“المعلم” محمد السعيدي، الذي يعتبر نفسه آخر صانع لأمشاط العظام بالمغرب إلى جانب صانع آخر قال إنه موجود بالدار البيضاء، ذكر أنه كان بزنقة المشاطين 16 حانوتا لصناعة هذا الصنف من الأمشاط. وفي مدينة فاس ككل، كان عدد المشاطين يزيد بها عن 30 شخصا.

بدوره، لم يتردد أحد المرشدين السياحيين بمدينة فاس كان رفقة مجموعة من السياح الأجانب في الوقوف بباب محل السعيدي، حيث انطلق في تقريب مرافقيه من تاريخ صناعة أمشاط العظم ومزاياها، وهم ينصتون إليه بإعجاب؛ قبل أن تسأله هسبريس عن أهمية هذه الحرفة في المشهد السياحي لمدينة فاس العتيقة، فبادر بالرد قائلا: “هذه الحرفة هي من الحرف القديمة التي ما زالت في مدينة فاس. أمشاط العظم تصنع من قرون الثيران. وهذا الرجل، أطال الله عمره، من الناس القلائل الذين ما زالوا يحافظون على هذا التراث المهدد بالانقراض”.

“ما زالت بعض النساء تفضل استعمال هذا النوع من الأمشاط؛ لأنه لا شيء يمكن أن يعوض مشط العظم لديهن، لكونها مصنوعة من مواد طبيعية وتحافظ على جلد الرأس، ولا تجعل شعره يتعرض للتكهرب عند تسريحه باستعمال هذا المشط، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأمشاط المصنوعة من البلاستيك”، يوضح المرشد السياحي ذاته، الذي أضاف قائلا: “حتى في الحمام، تفضل النساء إزالة الحناء من على رؤوسهن باستعمال هذا المشط.. الشيء نفسه عند غسل الشعر بالغاسول.. استعمال أمشاط القرن أفضل من تلك المصنوعة من المواد الأخرى”.

شبح الاندثار

المرشد السياحي ذاته أكد لهسبريس أن السياح الأجانب يصابون بالدهشة حين يطلعون على هذه الحرفة، وأورد قائلا: “هذه الأمشاط كانت فيما مضى تساعد على التخلص من القمل، وشكلت أحسن وسيلة لإخراج هذه الحشرة من شعر الرأس.. عندما كنا صغارا، كانت ظاهرة القمل منتشرة، وكنا نلجأ إلى أمشاط العظم لتنظيف رؤوسنا”.

وأضاف المتحدث ذاته: “حتى بعض الأطباء، حاليا، عادوا إلى الزمن القديم وأصبحوا ينصحون مرضاهم من النساء باستعمال هذا النوع من الأمشاط، خصوصا إذا كن يعانين من مرض ما على مستوى فروة الرأس أو شعره.. نظرا لكون هذا المشط طبيعي ولا تدخل في مكوناته مواد كيماوية أو مصنعة، ولا ينتج عن استعماله كهرباء ساكنة”.

الصانع محمد السعيدي، خلال حديثه مع هسبريس، تأسف على ما مضى من الزمن الجميل، موردا أنه بالرغم من وجود عدد كبير من ورشات صناعة أمشاط العظم، حينها، بفاس، كان هناك رواج كبير لهذه المصنوعات، “عند أذان المغرب، لم يكن يبقى أي مشط في جميع هذه المحلات، التي كان كل واحد منها يصنع ما لا يقل عن 100 مشط يوميا، كان الإقبال عليها كبيرا. أما الآن مع ظهور أمشاط البلاستيك، لم يعد هناك طلب على سلعتنا”، يوضح السعيدي.

“المعلم” ذاته توقف عند طريقة صنع أمشاط العظم، التي ذكر أن مادتها الأولية ليست غير قرون الأبقار، التي يعمل على تسخينها على النار قبل أن يقوم بتحويلها إلى صفائح باستعمال آلة ضاغطة. بعد ذلك، يتم تشكيل هذه الصفائح إلى أمشاط بمختلف الأحجام؛ وذلك عبر نحت أسنانها بمنشار خاص، وتلميعها عن طريق صقلها بموسى حادة.

“أدخلت تحسينات على صناعة الأمشاط لجلب الزبناء، لكن لا يوجد إقبال بالشكل الذي نتوخاه”، يوضح السعيدي، الذي أبرز أن له مخزونا ينتظر تصريفه من هذه البضاعة”، مضيفا بالقول: “لا يمكنني أن أعلم أحدا هذه الحرفة، لأنه ليس هناك طلب على المصنوعات.. إن شغلت معي شخصا آخر، يلزمني أداء أجره من جيبي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.