شهر رمضان فرصة تجديد العهد بين المؤمنين وخالقهم جل شأنه ( الحلقة الأولى من سلسلة الدروس الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي

82052 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 5 رمضان الأبرك 1434ه، الموافق ل 14 يوليوز 2013م، من المعلوم أن العلاقة بين الخالق سبحانه والمخلوقات هي علاقة سيد بعباد أو بعبيد ،ولكن لا تقاس هذه العلاقة على علاقة العبودية بين بني البشر فيما بينهم. فالعبودية بين إنسان سيد وآخر عبد علاقة مصلحة حيث يحتاج الإنسان السيد الإنسان العبد الذي يخدمه ولا يمكنه الاستغناء عنه ، وفي نفس الوقت يستفيد الإنسان العبد من الإنسان السيد الذي يضمن له القليل من حقوقه مقابل الكثير من الخدمة التي يقدمها له . أما العلاقة بين الله عز وجل كسيد والمخلوقات كعبيد ، فخالية من المصلحة التي تعود عليه سبحانه وتعالى بنفع لأنه غني عن المخلوقات ،ولا تنفعه هذه المخلوقات ولا تضره إذا ما اجتمعت في صعيد واحد وبنية وإرادة واحدة كما يدل على ذلك الحديث القدسي الذي يقول فيه الله عز وجل : ” يا عبادي لو اجتمع أولكم وآخركم إنسكم وجنكم على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، ولو اجتمع أولكم وآخركم إنسكم وجنكم على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ” . فهذه العلاقة بين الخالق سبحانه وبين المخلوقات تجسد العبودية الحقيقية التي لا تفيد السيد وتفيد في المقابل العبيد ، لهذا قضى الإسلام على العبودية بين البشر لأنها عبودية أساسها الظلم حيث يسخر الأسياد من البشر العبيد منهم لصالحهم . ومعلوم أيضا أن الله تعالى يوم خلق الإنسان الأول أخذ على ذريته عهدا بأن تكونوا على الفطرة التي فطرهم عليها وهي إقامة الوجه للدين الحنيف مصداقا لقوله تعالى : (( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم )) . فالله تعالى خلق الإنسان ليظل على فطرته الأولى وهي إقامة وجهه للدين الحنيف والقيم . والدين الحنيف أو القيم هو طاعة الله عز وجل في ما أمر ونهى . وقبل أن توجد الأجيال البشرية المنحدرة من أول إنسان أخذ الله تعالى منها العهد لتظل على الفطرة التي فطرت عليها مصداقا لقوله تعالى : (( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون )) فبموجب هذا النص القرآني يكون جميع البشر من لدن أولهم إلى آخرهم قد عاهدوا الله عز وجل في أول الزمان على البقاء على الفطرة التي فطروا عليها . ومما جاء في تفسير هذا النص أن الله عز وجل مسح على ظهر آدم عليه السلام فإذا بذريته تنتثرحواليه وتعاهد خالقها على التزام الفطرة التي فطرت عليها . وبطبيعة الحال لا يقاس كيف مسح الله عز وجل على كيف مسح الخلق لاختلاف ماهية الخالق سبحانه الذي ليس كمثله شيء عن ماهية المخلوقات . وفعل الله تعالى عند أهل العلم معلوم ولكن كيفه مجهول والسؤال عنه بدعة . ولن نخوض فيما خاض فيه البعض من وحي الله تعالى للخريطة الجينية للإنسان وأخذه العهد منها بالتزامها الفطرة التي فطرت عليها في محاولة لتفسير مسحه سبحانه وتعالى على ظهر آدم عليه السلام . والمهم أن الله تعالى أشهد ذريات بني آدم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا بلى شهدنا . ولم تقف نعم الله تعالى عند حد هذا الإشهاد ، بل جعل الله تعالى الكون سفرا شاهدا على ألوهيته وربويته ، وألحق به رسائله إلى الناس عبر رسله وأنبيائه الكرام صلواته وسلامه عليهم لتذكير الخلق بعهدهم معه . ومعلوم أن الإنسان يميل ميل انحراف عن فطرته بسبب الظروف التي يمر بها أو بسبب التربية التي يخضع لها كما جاء في الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ” كل مولود يولد على الفطرة ـ وفي رواية على هذه الملة ـ فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ” . ولما كان هذا هو حال الإنسان فإنه في أمس الحاجة إلى فرص خلال حياته من أجل أن يميل نحو الفطرة السليمة ، وهذه الفرص تتأتى من خلال العبادات التي تعبده بها خالقه سبحانه . و من هذه العبادات عبادة الصوم السنوية التي تتجلى فيها طاعة المخلوقات لخالقهم بشكل كبير، وهي طاعة تعكس التزام هذه المخلوقات للفطرة التي فطروا عليها حيث جبلوا على الطاعة الكاملة لخالقهم سبحانه . وعندما يمارس الإنسان المسلم عبادة الصوم بإمساكها وقيامها يكون قد جدد العهد مع خالقه بالتزام الفطرة التي فطر عليها . وعبادة الصوم وفاء بالعهد الذي قطعه الإنسان على نفسه يوم مسح الله عز وجل على ظهر آدم عليه السلام . وقد حذر الله عز وجل من نقض هذا العهد فقال جل من قائل : (( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم )) . فالله تعالى الذي كلم البشر في بداية الخليقة وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم سبحانه لا يكلم ولا ينظر إلى من نقض العهد معه ، واشترى به ثمنا قليلا ، ولا يجعل لهم حظا من رحمته يوم القيامة ويدخر لهم العذاب الأليم . ومن المؤكد أن المخلوق الشرير إبليس اللعين هو الذي يجتال الناس عن فطرتهم التي هي الدين القيم كما جاء بيان ذلك في حديث قدسي يقول فيه الله عز وجل : ” إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ” فالإنسان عندما ينحرف عن الفطرة التي فطره الله عز وجل عليها يتبع خطوات الشيطان الذي يقلب له موازين الطاعة فيغدو المحرم حلا والحلال حراما . وعبادة الصوم عبارة عن فرصة تقوى كما جاء في قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات )) فالصيام عبارة عن ممارسة للتقوى وهي الخوف من الله عز وجل مع الطاعة، وتلك هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها .وكل من انحرف عن الفطرة يندم يوم القيامة شديد الندم ولات حين مندم . ويؤكد ذلك حديث قدسي جاء فيه : ” يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال فيقول : نعم ، فيقول قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ” . ومعلوم أن الشرك ظلم عظيم ، والظلم وضع الأمور في غير ما وضعت له . ومن الظلم أن يشرك مع الله عز وجل شركاء من خلال نسبة نعمه إليهم زورا . وفرصة رمضان التي هي فرصة رجوع إلى الفطرة ، وفرصة توبة حيث يستشعر الناس الخوف من خالقهم ، فيرجعوا إلى فطرتهم . ويقابل الله تعالى توبتهم و رجوعهم بتيسيره مرة بعد أخرى بما يظهر لهم من آياته ، ويسوق إليهم من تنبيهاته ، ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته ، ولذلك يوصف سبحانه بأنه تواب كما ذكر ذلك الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله . ولما كان رمضان هو فرصة من فرص تجديد العهد مع الله عز وجل وجب أن يقابل بما يناسبه من تعظيم وإجلال وتقدير . ولا يعقل أن تكون فرصة تجديد العهد مع الله عز وجل مناسبة للانحراف عن الفطرة بالأعمال التي تنقض استقامتها ، ولهذا لا تنفع عبادة الصوم من كان مخالفا لهذه الفطرة مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ” . فالقضية قضية التزام الفطرة من خلال طاعة الله عز وجل وليست قضية مجرد إمساك عن شهوتي البطن والفرج دون إمساك عن المحرمات.

شهر رمضان فرصة تجديد العهد بين المؤمنين وخالقهم جل شأنه ( الحلقة الأولى من سلسلة الدروس الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي
شهر رمضان فرصة تجديد العهد بين المؤمنين وخالقهم جل شأنه ( الحلقة الأولى من سلسلة الدروس الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي

اترك تعليق

3 تعليقات على "شهر رمضان فرصة تجديد العهد بين المؤمنين وخالقهم جل شأنه ( الحلقة الأولى من سلسلة الدروس الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي"

نبّهني عن
avatar
سعيدة
ضيف

موضوعك شيق يا استاذ احبك احبك في الله دام قلمك السيال

الميلود ولد الساهلة
ضيف
الميلود ولد الساهلة

أفضل ما يمكن أن تقوم به هو الكتابة في المواضيع الدينية، أجل الناس تستفيد منك . أما المواضيع السياسية فلها أهلها من فقهاء القانون و دهاقنة السياسية، أمثال البرادعي و عمروو موسى و هيكل وهلمجر،

‫wpDiscuz