شقيق بوضياف يقول : بوضياف اغتيل لأنه لم يسِر وفق إملاءات العسكر

31432 مشاهدة

يكشف عيسى بوضياف، شقيق الرئيس الأسبق محمد بوضياف، لأول مرة بوضياف لـ”الخبر الأسبوعي” عن حقائق تاريخية مثيرة تتعلق بحياة أخيه الخاصة والمهنية والسياسية، ذكر منها أن بوضياف لم يحصل على أي دينار من الدولة الجزائرية، ومنها قضية اعتقاله سنة 1963 بحيدرة وتعذيبه في معتقل ببشار، إضافة إلى تطرقه لاغتياله وعلاقته بالإسلاميين، ويروي كذلك طرق اتصال المسؤولين به عن طريق عبد الحميد مهري بفرنسا، وعرض عليه الدخول إلى الجزائر شرط عدم الخوض في السياسية.

هناك من يقول بأن بوضياف قد اغترف من أموال الحزب التي حولها خيضر؟لعلمك أن سي محمد بوضياف ومنذ الاستقلال إلى غاية تعيينه كرئيس لمجلس الأعلى للدولة، لم يتقاض مليما من الدولة الجزائرية، ولم يستفد من أية منحة من المنح التي تعطى للمجاهدين.فعشية تعيين عبد الحميد مهري كسفير للجزائر بفرنسا في الثمانينيات طلب مني ترتيب لقاء له مع بوضياف، وهو ما تم فعلا، إذ التقيا في فرنسا. وعلى مأدبة الغذاء، تجاذبا أطراف الحديث، ومما قاله مهري لبوضياف ضرورة عودته إلى الوطن، وبأن مقامه بين إخوانه وأهله أفضل من الغربة التي يعيش فيها. لكن، اشترط عليه عدم الخوض في الأمور السياسية، لأن الجماعة في الجزائر لا يقبلون مزاحمتهم في الحكم. ثم استرسل في الحديث، إلى أن قال: يا سي محمد، إن أجرتك ومنحتك في انتظارك من يوم الاستقلال إلى يومنا هذا. وهنا، ثارت ثائرة بوضياف وخرج غاضبا، لأنه كان يرى في هذا العرض شراء لذمة، ولو كان بوضياف من هواة الثراء لقبل العرض.وعلى ذكر هذا اللقاء، فما كان يحز في نفس بوضياف ما صرح به مهري عقب هذا اللقاء، حيث قال بأن بوضياف جاءه بواسطة جواز سفر مزور، مع أن جواز السفر بالنسبة لبوضياف كان مقدسا، ولو شاء الحصول على جوازات سفر غير جزائرية، لأمكن له ذلك، على الأقل من المغرب، لكنه ظل متشبثا بالجواز الجزائري، وكان أول جواز سفر حصل عليه بالمسيلة سنة .1962 وبعدها، تم تمديد مدة هذا الجواز إلى غاية السبعينيات. ولما انقضت مدة صلاحيته، اتصل بالسفير الجزائري بالمغرب للحصول على آخر، فطرح الأمر على بوتفليقة كوزير للخارجية آنذاك، إذ أمره بأن يمنحه الجواز الذي يريده، سواء كان عاديا أم دبلوماسيا، وتحصل بعدها على جواز سنة .1972فبوضياف لم يغترف من أموال الحزب والدولة ولو مليما.وأذكر حادثة أخرى وقعت في بداية الاستقلال. فغداة تشكيل المكتب السياسي الذي كان خيضر أمينا عاما له ومحمد بوضياف عضوا بالمكتب، تم تخصيص 3 ملايين لبوضياف يصرفها على المهمة التي أوكلت له في إطار الحزب، ولم يمكث في المنصب طويلا، إذ استقال وكان خلال هذه المدة قد استهلك 250 ألف، فأرجع المبلغ المتبقي من الثلاثة ملايين للحزب. هذا لا ينفي بأنه استلم بعض الأموال من خيضر، فبوضياف ذاته لم ينكرها، لكن كانت تنفق على الحزب الذي أسسه الحزب الثوري الاشتراكي PRS شأنه في ذلك شأن التنظيمات المعارضة للنظام في الخارج، والتي كان يموّلها خيضر من صندوق الحزب قبل اغتياله.

بوضياف كان يمتلك مصنعا للآجر بالقنيطرة بالمغرب؟هذا الذي تسميه مصنعا هو مجرد وحدة متوسطة لصناعة الآجر، فقد اقتناها بواسطة أحد الإسبان يدعى مورون الذي كان يعيش بالمغرب، وتعرف على سي محمد بوضياف في القنيطرة، حيث كانا يقيمان وربطتهما صداقة. ولما قرر هذا الإسباني العودة إلى موطنه الأصلي، عرض بيع الوحدة على بوضياف، بل أصر على بيعها له دون غيره، رغم العروض التي قدمت له وبسعر أقل من ثمنها تم تحديده بـ30 مليونا، واتفق مع بوضياف على أن يسددها في شكل أقساط على مدة طويلة، وبقي مدة ستة أشهر يدرب بوضياف على كيفية تشغيلها وتسويق المنتوج، وتمكن بوضياف بعد مدة من تسديد تكاليفها بالاقتراض من البنك وعائدات المنتوج.

إذن، مال جبهة التحرير أخذه خيضر وحده؟خيضر اغتيل لأنه وضع أموال الحزب تحت تصرف المعارضة ولم يستثمرها في شركات أو عقارات، والدليل على ذلك بعد عقود من رحيله إلى العالم الآخر، هل لمستم ثراء عند أهله أو أملاكا وشركات؟ فزوجته تعيش بالمغرب، وفي منزل منحه لها رفقاء زوجها في جيش تحرير بالمغرب.

اغتيل خيضر وكريم وبقي بوضياف لم يتعرض لمحاولة اغتيال؟لم يذكر لي محمد بوضياف طيلة حياته أنه تعرض لمحاولة اغتيال لما كان معارضا في عهد بومدين، ولم أر من أخي ما يوحي باتخاذه لاحتياطات أمنية في القنيطرة، بل غالبا ما كنت حين أزوره أتجول معه في الليل وفي الغابات دون خوف. ففرنسا عقب اغتيال خيضر وكريم هي التي خافت عليه. وفي هذا السياق، طلبت من بوضياف عدم التردد عليها، ولم تسمح له بالدخول إلا بعد سنوات لضرورة كالعلاج، ويتم ذلك تحت رقابة أمنية مشددة.

نعود إلى عشية الاستقلال وخلاف بوضياف مع بن بلة؟إن بوضياف كان على خلاف دائم مع بن بلة، حتى حين كانوا داخل السجن في لاسانتي. ومن جراء الخلاف الدائم، طلب بوضياف نقله إلى سجن آخر، حيث كان يوجد بيطاط، وهو ما تم فعلا. ومن المتعارف عليه في شخصية بن بلة أنها تتسم بالأنانية وحب الزعامة، على خلاف محمد بوضياف، ويكفي أن أذكر بأن بوضياف عرض عليه مصالي الأمانة العامة لحركة الانتصار لحريات الديمقراطية سنة 1954 ورفض، والذي نقل له هذا العرض هو مصطفى بن بولعيد لما ذهب إلى فرنسا لإقناع مصالي بالانضمام للثورة. ومما روى له بوضياف كذلك أثناء عملية الانتخاب داخل مجموعة 22 أن بن مهيدي همس في أذنه طالبا منه التصويت على نفسه، فرفض وصوت على بن بولعيد، رغم أنه كان مرشحا. هذه مجرد عيـّنات تكشف عن التباين بين شخصية الرجلين.عشية الاستقلال وأثناء مؤتمر طرابلس، احتدم الخلاف بين الرفقاء، ويئس بوضياف من مستوى النقاش الذي تدنى، خاصة حين قال بن بلة لبن خدة (انحيلك السروال). بعدها مباشرة، خرج بوضياف من الاجتماع. ولما ظهرت تكتلات بتلمسان وتيزي وزو، تعمق الخلاف بين الطرفين. بن بلة كان على رأس مجموعة تلمسان، وبوضياف كان مع مجموعة تيزي وزو، وتعمق الخلاف إلى أن أصبح الخلاف ما بعدها حاصل تحصيل وعلنيا.ولازال بن بلة يتعمد الإساءة إلى بوضياف إلى غاية اليوم. ففي حصة ”شاهد على العصر” في قناة الجزيرة التي استضافت بن بلة، صرح خلالها بأن بوضياف لم يكن مناضلا في صفوف الحزب سنة ,1946 بينما تؤكد جميع الشواهد التاريخية بأن بوضياف كان على رأس عمالة قسنطينة التي كانت تشرف على التنظيم في الشرق كله سنة ,1947 وكان كذلك على رأس التنظيم العسكري السري لما يعرف باسم المنظمة الخاصة، فهل من المعقول إسناد مثل كل هذه المسؤوليات لمن لم يكن مناضلا في صفوف الحزب سنة 1946؟ فبن بلة دوما يحب تقزيم غيره وتمجيد نفسه.

ألا يعود الخلاف إلى عرض قيادة الأركان على بوضياف الانضمام إليها يوم كان مسجونا؟عرض التحالف جاء من طريقين، فالرسالة التي أرسلتها قيادة الأركان وصلت بوضياف عن طريق فيدرالية فرنسا وتتضمن عدة نقاط، من أبرزها دعوته للتحالف مع قيادة الأركان، ثم بعدها زار بوتفليقة بوضياف في السجن ضمن الوفد المغربي وجدد العرض، لكن بوضياف رفض التحالف مع الجيش، لأنه كان يردد دائما بأن التحالف مع من يحمل الرشاش يجعله حليفه، يصوب الرشاش نحوه حين يقع الخلاف. وهذه الاتصالات علم بها بن بلة عن طريق بوضياف، فقد كان هناك اتفاق بين المسجونين الخمسة، يقضي بأن يطلع أي منهم الآخرين على كل جديد، فقرأ لهم بوضياف الرسالة وبعدها نسج بن بلة علاقة مع قيادة الأركان.لكن، رغم ذلك، فقد ظل بومدين يلح على بوضياف للانضمام للتحالف، فما أذكره لما أطلق سراح بوضياف في الرباط، كان بومدين من المستقبلين، ولما أراد بوضياف الذهاب من الرباط، إلى وجدة، أصر بومدين على مرافقته في السيارة على مسافة 600 كلم، وعلى مدار أكثر من خمس ساعات كان يحاول إقناعه ولم يفلح. وحتى قبل اعتقال بوضياف بأيام، أي في جوان ,1963 وقع اجتماع بين بوضياف وبومدين، وبطلب من بومدين، لكن هذا القاء لم يفض إلى نتيجة.

وماذا عن اعتقال محمد بوضياف؟تم اختطاف محمد بوضياف حين كان مارا بجسر حيدرة، والذي كان على رأس فرقة الاختطاف شرطي يدعى أوسامار مرفوقا بمحافظ يدعى حمداش، وهو نفس الشرطي الذي اعتقله حين تم اختطاف الطائرة المقلة للزعماء الخمسة سنة .1956 ومن المفارقات العجيبة أنه لما اعتقل بوضياف، اتصلت بشرطة حيدرة، فنفوا علمهم بالموضوع وعدم معرفتهم بشخص بوضياف، وطلبوا مني إفادتهم بصورته للقيام بالبحث عنه!!اتصلت بعدها بمهري، فوعدني بالتوسط لدى بومدين، ولم يفعل شيئا. بعدها، اتصلت ببيطاط، وبعد مدة من الانتظار أمام منزله بشارع البشير الإبراهيمي، استقبلني في حديقته وهو يلتفت يمينا وشمالا، وكأن هناك عيونا تترصده. ولما فاتحته في موضوع اعتقال بوضياف وطلبت منه التوسط، بدأ يلوم بوضياف وكأنه هو الذي جنى على نفسه. بعدها، علمنا بأنه مسجون في الصحراء بمنطقة بشار إلى جانب مجموعة من المجاهدين، منهم صوت العرب بوبنيدر، وبن يونس، وغيرهم، حيث مكثوا ما يزيد عن 6 أشهر، رأوا فيها من العذاب ما لم يروه في سجن لاسانتي أو فران بفرنسا. ومن باب الإنصاف، لم يحتج على اعتقال بوضياف إلا آيت أحمد في المجلس الوطني آنذاك.

وعن هروب بوضياف إلى المغرب؟كثير من الناس يجهلون تأسيس هيئة سميت بـ”المجلس الوطني الديمقراطي الثوري”زخس . كان ذلك سنة .1964 وضمت هذه الهيئة آيت أحمد، بوضياف، موسى حسان وشعبان وبن أحمد المدعو مراد، وهي هيئة معارضة لنظام بن بلة، وفيها تشكيلات مسلحة. بعدها، تم إرسال بوضياف إلى ناحية قسنطينة للإشراف على المعارضة هناك، وحشد الأنصار وقيادة المسلحين (كما كان يدعى موسى حساني) بوجودهم في هذه المنطقة. ويرجع اختيار بوضياف بالذات، لكونه كان مسؤولا أثناء تشكيل المنظمة الخاصة في الأربعينيات ويعرف المنطقة جيدا. خلال هذه الفترة، صدر حكم على بوضياف بالموت.سعى بوضياف إلى تنظيم المعارضة، لكن لم يجد ما قاله موسى حسان على أرض الواقع من معارضين ومسلحين. وبالمقابل، بدأت صفوف المعارضة تتهاوى في المناطق الأخرى، فما كان منه إلا التوجه إلى عنابة، حيث أقام عند أحد أقربائه يسمى بوضياف إسماعيل، وهو الذي رتب له هروبه إلى تونس، حيث استقبله الهادي البكوش، وهو وزير تونسي، وأكرمه وأحسن وفادته، ومنها انتقل إلى المغرب.وعن سر اختيار المغرب بالذات، فذلك يرجع لعلاقته بجيش تحرير المغرب وقادته، كعبد الكريم الخطيب وأوفقير، أضف إلى ذلك أنه عند اندلاع الثورة، كان مكلفا بقاعدة المغرب قبل اعتقاله سنة .1956 ومما يجهله عموم الناس أنه لما جاءت السفينة ديانا محملة بالأسلحة المشحونة من مصر، وهي باخرة ملك لأميرة الأردن، لما رست في المياه الإقليمية الإسبانية وخوفا من انكشاف أمرها، تم تفريغها في جنح الظلام ومحمد بوضياف كان إلى جانب العقيد عثمان وأغاديري الحسين وبعليلات من المغرب الذين تطوعوا لتفريغها رغم المرض الصدري الذي ظل يلازمه. ومباشرة بعد إفراغ السفينة، تعرض لمضاعفات أدخلته مستشفى بقريش بالمغرب. ومجمل القول إن الرابطة التاريخية والثورية هي التي جعلت بوضياف يحبذ المغرب دائما.

وما قصة اعتقال زوجة بوضياف وتهريبها؟حدث ذلك في 1964 لما كان بوضياف في ناحية قسنطينة، كان ذلك في شهر أوت، إذ كانت مدعوة إلى وليمة عند الحاج محمد علاهم بالعاصمة، فجاءت قوات الأمن واعتقلتها، وهذا بعد أن عثرت الاستخبارات على رسالة مرسلة من طرفها إلى زوجها بواسطة أحد المناضلين، وفي الرسالة كتبت (لقد جاءت الشرطة وقد اتخذت جميع الاحتياطات). فاعتقلوها وظلوا يستنطقونها عن مفهوم الاحتياطات لمدة 8 أشهر، والأكثر من ذلك زجوا بها مع سجناء الحق العام.أما تهريبها، فقد كان وراءه زوجة بن بلة فيما بعد، وهي الزهرة سلامي ابنة المسيلة، إذ زارتها في السجن وطلبت منها الادّعاء بأنها مريضة ليتم نقلها إلى مستشفى مصطفى باشا وهو ما تم، حيث قامت بتهريبها من السجن، لكن اعتقلت بعد بمدة قليلة. ولما أطلعت سلامي بن بلة على سجن حرم بوضياف، استقبلها في فيلا جولي، وادّعى بأنه كان يجهل اعتقالها! ولا تزال حادثة اعتقال زوجة بوضياف تؤرقني أكثر من اعتقاله واغتياله. فأثناء مراسم التعزية في منزلي، كنت أردد: لن أسامح بن بلة الذي اعتقل حرم سي محمد. وتقدم بومعزة مني قائلا: سي عيسى، لم تخبرني حينها.. فقلت له: جئتك ولم تستقبلني، وجميعكم تجاهلتموني حينها.

تقولون بأن بوضياف كان يرفض التحالف مع العسكريين، لكن جاء في 92 بأمر منهم؟بوضياف في البداية كان مترددا، ثم قام بزيارة سرية إلى الجزائر اتصل ببعض أصدقائه المقربين ليطلع على حقيقة الأمور داخل الجزائر، ولم يتصل بي أو بأحد أفراد العائلة، ولم نعلم بمجيئه إلا كسائر الناس. وبالنسبة لقبوله التحالف مع الجيش، فلم يأت بوضياف للتحالف، بقدر ما جاء منقذا للوطن من عنق الزجاجة، فالرهان الذي كان قائما هو كيفية إنقاذ الوطن، وفي ذلك الوضع القائم مع من كان عليه أن يتحالف.ولما جاء إلى الجزائر، أول مسعى كان لديه هو العمل على العودة إلى الشرعية الشعبية التي طالما كان ينادي بها منذ فجر الاستقلال، وقد بدأ في مسعاه من أجل تشكيل حزب سياسي، ولم يكن له أن يتحالف مع جبهة التحرير، لأنه ظل يردد منذ مؤتمر طرابلس بأن الجبهة انتهت في 1962 وانتهت مبرررات وجودها.

هناك من يقول بأن بوضياف جاء من أجل محاربة الفيس والإسلاميين؟هذه افتراءات تفندها الوقائع التي حدثت خلال الستة أشهر التي تولى فيها رئاسة المجلس الأعلى للدولة. فغداة مجيء بوضياف، وجد وضعا مستعصيا، وحزبا محضورا، وبرلمانا محلولا، وحربا أهلية بدأت تلقي بحممها، وطبقة سياسية هشة. فأول ما بدأ به سعيه من أجل فتح جسور حوار مع القادة الإسلاميين، وعيسى كشيدة أحد مقربي بوضياف على قيد الحياة، وقد تم تكليفه بمهمة مد مسالك الحوار معهم ولديه جميع تفاصيل المساعي، كما أعرف بأن بوضياف كلف صالح بوبنيدر الاتصال بعبد القادر حشاني من أجل بعث الحوار ونبذ العنف.واختيار عبد القادر حشاني ليس فقط لأنه قيادي في الفيس، بل لأن والده كان عضوا بارزا في الحركة الوطنية قبل الاستقلال، وكان جواب عبد القادر حشاني (لقد فات الأوان، القنبلة قد انفجرت). كانت هذه المساعي والاتصالات متواصلة رغم معارضة العديد من دوائر السلطة. وهناك من يروج لكون بوضياف علمانيا، وهو الذي جمد قانون استعمال اللغة العربية. فبالنسبة للعلمانية، لم يثبت طيلة مساره النظالي دعوته لهذا التيار التغريبي، فالخلاف مع جماعة الصومام كان بسبب تحريف بيان أول نوفمبر الذي أهمل البعد العروبي الإسلامي في ديباجة مقرراته. والادّعاء بأنه كان ينوي تعيين سعيد سعدي على رأس الحكومة مجرد افتراء. وبالنسبة للغة العربية، فبوضياف ترعرع في بيت عماده العروبة والإسلام وتتلمذ في المدارس القرآنية، ومن أبرز معلميه آنذاك عبد السلام بيكا وعمار بن بلال، وهم من النوابغ في بلدته المسيلة، وكتاباته ومراسلاته الشخصية كانت بالعربية رغم إلمامه بالفرنسية، ولدي الآن أكثر من 20 رسالة تلقيتها منه كلها بالعربية. وأقول لمروجي هذه المقولة: ما موقع اللغة العربية قبل مجيء بوضياف من جهة، وما موقفها بعد رحيله منذ سنة 17 سنة في الأجهزة الرسمية؟

مما يشاع كذلك بأن بوضياف تعاقد مع ملك المغرب للتنازل عن الصحراء؟هذا الحديث تم الترويج له لما قام بزيارة سرية إلى المغرب شهرا قبل اغتياله. فبوضياف لم تكن له أية علاقة مع الحسن الثاني قبل اعتلائه الحكم رغم تواجده بالمغرب، وكان بوضياف يتفادى ذلك. ففي السبعينيات، زاره في القنيطرة أحد وزراء البلاط الملاكي يدعى الطيب بن هيبة، وزير الخارجية آنذاك، ومنحه حقيبة من المال، فرفضها بوضياف وصرفه دبلوماسيا، رغم أنه لم يطلب منه شيئا. ولما طفت قضية الصحراء على السطح فعلا، كان بوضياف معارضا لقضية الصحراء، لكن لما تولى الحكم، صرح بأنه ملزم بالعقود والمواثيق التي أنجزتها الدولة الجزائرية، ولا يمكن له أن يخلط بين الرأي الشخصي والرأي الرسمي، وقال بأن القضية في يد الأمم المتحدة، وتمنى لها حلا عادلا. ولذا، لم يأت بوضياف بقبعة مغربية كما صورته إحدى الصحف الوطنية آنذاك. أما بالنسبة للزيارة التي قادته للمغرب سريا، ففي البداية لما قرر بوضياف الذهاب إلى المغرب لحل بعض المشاكل العائلية، عارضه المسؤولون آنذاك ووقع جدال إلى أن هددهم بالاستقالة، فوافقوا وتعمدوا التستر عليها.وعن أسباب ذهابه للمغرب، فقد حضر مراسيم زفاف ابنه مع مغربية، أضف إلى ذلك أنه ذهب لتصفية بعض الأمور العائلة، خاصة منها ميراث أخينا المرحوم موسى، لأن بوضياف كان هو الموكل. وحين ذهب بوضياف إلى المغرب، استضافه ملك المغرب كرئيس دولة، وتلك هي المرة الأولى التي يدخل فيها القصر الملكي عكس ما كان يدعي المرحوم بيطاط قبلها (بأنهم يأكلون على موائد الملوك).وعقب هذا اللقاء في القصر الملكي، صرح الملك الحسن الثاني بأنه لأول مرة يلتقي فيها بوضياف، وقال أتمنى أن تحل القضية الصحراوية بطرق سلمية.

لماذا اغتيل بوضياف في رأيهم؟اتفق في الإجابة عن هذا السؤال مع المجاهد لخضر بورفعة حين قال بأن الذين جاؤوا به ظنوا بأنه سهل التوجيه وسيسير وفق إملاءاتهم، لكن وجدوا فيه شخصا غير الذي أرادوه ويتصرف وفقا لقناعاته، والتاريخ كفيل بكشف المستور من التفاصيل.

ألم تطلعكم لجنة التحقيق عن نتائجها؟لم أطلب نسخة من التحقيق ولا أؤمن أصلا بلجان التحقيق في الجزائر، وحتى بالنسبة لتركيبة اللجنة، لا يوجد فيها إلا اثنين من أصدقاء بوضياف، وهما بوشعيب. فرغم صدقه، فإن الأمور تجاوزته. وهناك كذلك علال الثعالبي، فقد قال لي بعدها بأن المؤامرة مدبرة، وأن الجريمة ليست عملا منعزلا، وهذا ما يعرفه الشعب كله، وهناك من اللجنة من يخاف من قول الحقيقة، فخلف الله محامي كان ضمن أعضاء اللجنة، ورفض الإمضاء على التقرير، بعد أشهر من ذلك اغتيل.وبالنسبة لبومعرافي، وإن كان هناك من لا يوافقني الرأي، فأنا مقتنع بأن بومعرافي ذاته لا يعرف من دفعوه إلى قتل بوضياف. فالذي اغتال خيضر مهرب وتاجر للذهب المغشوش، فقد عرضوا عليه حريته مقابل قتل خيضر، والذي قتل كريم هو الآخر معروف، فهؤلاء ضمنوا لهم تذكرة الذهاب والإياب، لكن بومعرافي ما هو جزاؤه سوى 16 سنة سجنا، وعائلته معروفة وفقيرة إلى يومنا هذا.لكن، رغم الغدر، فإني سعيد بنهاية بوضياف، لأن الذين أرادوا قبره أحيوه، فالأجل محدود بأمر الله تعالى، فأكرموه بهذه النهاية التي بها ولد من جديد وتعرف عليه جيل الاستقلال. فيوم تشييع جنازته، لما رأيت الآلاف من المواطنين بمختلف الأعمار تبكيه، أحسست بالسعادة والرضا، لقد ولد من جديد بعد 28 سنة من الغربة والنفي.

لِمَ أثار فيلم مصطفى بن بولعيد الاستياء؟قبل الخوض في الموضوع وتفاديا لكل تأويل، أود أن أؤكد بأن المكانة التي يخص بها بوضياف عند بن بولعيد لم يرتق إليها أي كان من رفقائه، وبالتالي فإن مكانة بن بولعيد في نفوسنا أوسعناها بالحب والتقدير، لما كان يحض به في وجدان بوضياف. فحين كان يتحدث عنه، تغشى نفسه القداسة والخشوع، ونفس الشعور كانت تبادلنا به عائلة بن بولعيد. فما أتذكره بعد الاستقلال أن زوجة بوضياف زارت في المغرب مع ابنها الذي اغتيل، وقالت لولدها أمام بوضياف هذا هو أخلص أصدقاء والدك. وعشية إطلاق سراح بوضياف من السجن الفرنسي، اتصل به جنود الولاية الأولى، وعلى رأسهم المرحوم الحاج لخضر عبيد، وقال له: لقد أوصانا بن بولعيد بك خيرا.لذا، يجب عدم الخلط بين الفيلم والتشوهات التي به، لأن بن بولعيد يستحق التقدير والتخليد. لكن، ما احتج عليه هو الصورة المشبوهة الذي أظهروا فيها بوضياف، كشخص يبالغ في التدخين ويرمي الأوراق دون احترام للحاضرين، وكأنه رجل غير مستقر نفسيا أو معتوه، فالمعروف بأن قوانين الحزب آنذاك تمنع التدخين أثناء الاجتماعات، أضف إلى ذلك أنه لم يكن يدخن حينها. وهناك تشويه للحقائق التاريخية. فبن بولعيد كان يشرف على الانتخابات ضمن مجموعة 22 حسب الوثائق الموجودة، ومنها وثيقة بخط بوضياف بعنوان (كيف تم التحضير لأول نوفمبر؟)، وكتاب أصدره أحد مفجري الثورة عيسى كشيدة (مهندسو الثورة). فتشويه صورة بوضياف اغتيال آخر له، فضلا عن ذلك، فهو إساءة للثورة، وإساءة لبن بولعيد ذاته، لأنه كان محل ثقته وتقديره. ولذا، قدمت احتجاجي، وسأتابع راشدي أمام القضاء، وسأدعو رفقاء بوضياف للإدلاء بشهاداتهم، وكل ما أطلبه تغيير هذا المقطع من الفيلم أو حذفه.وعلى ذكر التحريف والتزييف، وفي عهد والي المسيلة الأسبق، عرضت عليه طبع وترجمة مدونة بوضياف المعروفة باسم (كيف تم التحضير لأول نوفمبر؟). وخلال الحديث، اختطفها الأمين الولائي للمجاهدين من يدي مدعيا بأنه سيتولى الأمر على حساب المنظمة، لكن فوجئت بعدها بطبعها محرفة ومملوءة بالمغالطات والأخطاء، فضلا عن رداءة الخط والطبعة، وكل ما في الأمر قام الأمين الولائي بكتابة المقدمة!.ومادمنا نتكلم عن التحريف أو التزييف، فبوضياف كان ينكر ما هو كذب، حتى وإن كان ذلك يزيد في شأنه، فالشائع مثلا بأنه هو الذي حرر بيان أول نوفمبر، لكنه نفى ذلك وقال بأنه كان من الحاضرين فقط، والشائع كذلك أنه هو الذي سمى جبهة التحرير، لكنه يقول كنت مع بن مهيدي ولا أتذكر من ابتدع الاسم، وذكر ايف كوريار بأنه قال (سأعلن الثورة ولو بقردة الشفة)، لكن بوضياف أقسم لي بأنه لم يتفوّه بها أبدا.جريدة براكا بريس

mohammed boudiaf محمد بوضياف
mohammed boudiaf محمد بوضياف
mohammed boudiaf محمد بوضياف
mohammed boudiaf محمد بوضياف

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz