” شطارة الخاوية “

15780 مشاهدة
في إحدى الأيام خرجت لشراء بعض الطماطم والبصل متحمسا لطبخ غذاء رفقة مجموعة من الطلبة، وجدت أحد البائعين المتجولين يصيح بأعلى صوته: البطاطا البطاطا..، تحت حر الشمس الحارقة، سألته كم تبيع الطماطم فقال لي درهمين للكيلو الواحد. لتوها خرجت امرأة من سيارة 4*4 فسألتهُ عن الطماطم فقال لها كما قال لي، فقالت له المرأة وهي تمضغ لسانها “إبدرهم ونصف”. في تلك اللحظة لأول مرة اكتشفت أن بعض المغاربة لا يخجلون من تصرفاتهم، تساومه في نصف درهم وهي تنزل من سيارة رباعية الدفع، وتساءلت مع نفسي هل ستساوم وهي تريد الاستجمام في منتزه سياحي أو تقوم بذاك التشطار الخاوي داخل مطعم بعد أكلها وجبة دجاجة مشوية.. الإجابة طبعا لا لن تساوم في هذه الأماكن، لكن أمام خضار بئيس أو بائع بيض يبيع بيضه بالحبة كأنه يبيضها بدل الدجاجة فهي تتجرأ بوقاحة زائدة على خفض الثمن.
ولكن بعد تأمل طويل تبين لي أن المغاربة يجري في دمهم المساومة أو ما يسمى باللغة العامية “التًّشْطَار” المشتقة من الشطارة. هي في حقيقة الأمر سلوكات تم تلقينها لنا مع بعض العقد النفسية دون التنبه لها في المستقبل ونحن نكبر لتكبر معنا سلوكات يعجز العقل عن فهمها.المساومة على “جوج فرنك” أو درهم أمام بائع متجول أو بقال بئيس… لا سيما أن المشتري موظف له أجر قار أو أنه إنسان ميسور الحال. طبعا، تحتاج هذه المسألة إعادة النظر في سيكولوجية الناس. فمهما قد تصل أزمة الدخل الفردي تبقى بعض المروءة تفرض علينا الامتناع من المساومة التافهة التي يتم من خلالها انتزاع صرف أصفر صغير رخيص لا يغني أبدا حتى لو كان بِنِيّة ادخاره لدوائر الزمن.لهذا ف”التشطار” على ما يبدو عند البعض لا يرتبط بالثمن أكثر مما هو متعلق بمسألة نفسية وأخلاقية ليس إلا، يحاول المرء أن يظهر لنفسه أنه استطاع أن يكون متحاذقا في تخفيض الثمن، إلى درجة قد أصبح فيه هذا السلوك ذا طابع شخصي لا إرادي كلما كان الأمر فيه رائحة التجارة.عادة بئيسة زرعها مجتمع بئيس يخيل لديه أن المساومة إنجاز كبير تغلب فيها على عدو يتربص بماله. حتى لو كانت هذه المساومة على حساب أخلاقه وإنسانيته.ومما لاشك فيه أن الحياة بدأت تطغى عليها المادة ولو على حساب القيم، وتطغى فيها المحاسبة على حساب التسامح، ويطغى فيها الصراع على حساب التعايش، ويطغى فيها منطق القوة على حساب منطق السلم. نحن بصدد وجود مجتمع يلغي المعاني الراقية نحو انهيار لنظام التضامن والتآخي والخير. وما هذه التشوهات السلوكية إلا نتيجة استحواذ غول المادة على قلوب الناس حتى لو كانت قيمة هذه المادة لا تقدر أمام قيمة الإنسان والمحافظة عليه. فأي مادة هاته التي تأسر الإنسان مع أنها صنيعة هذا الإنسان وهو الذي أوجدها وليس العكس.
Oujda: Tagui Mohammed :: طاقي محمد
Oujda: Tagui Mohammed :: طاقي محمد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz