شر خداع للنفس إنفاق الفتوة والشباب في المعاصي والرهان على توبة الكهولة والشيخوخة

14777 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 10 يناير 2013، مما جاء في الأثر أن سبعة يظلهم الله عز وجل يوم لا ظل إلا ظله ، وثانيهم شاب نشأ في عبادة الله  بعد إمام عادل مباشرة . ونشأة الشباب في عبادة الله عز وجل يعني إنفاق الفتوة والشباب في طاعته سبحانه . وقد يسأل سائل لماذا يتبوأ الشاب الناشيء في عبادة الله عز وجل الدرجة الثانية مع السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله ؟  ألا يوجد من هو أجدر وأحق منه بالمرتبة الثانية من الاستظلال بظل الله عز وجل يوم القيامة بعد الإمام العادل ؟  والجواب أن هذا الشاب إنما بلغ هذه الدرجة بسبب حسن تدبيره لزمن عمره حيث لا يضيع من شبابه وقتا في المعاصي ، كما يفعل غيره من الذين لا يجدون بعد ذلك  فرصة لتعويض ما فاتهم  من وقت أنفقوه في المعاصي . ومن المعلوم أن  المعاصي  بعضها  تفوق سرعته سرعة الضوء كما هو الشأن بالنسبة للكلمة التي هي من سخط الله عز وجل ،والتي تهوي بصاحبها سبعين خريفا في جهنم ، ولا يعلم خريف جهنم إلا الله عز وجل الذي يعدل يوم عنده ألف سنة مما يعد الخلق . وعلينا أن نتصور كم يلزم الإنسان الذي يفوه  بكلمة من سخط الله من  وقت  ليتخلص من معصيته . ولنفرض جدلا أن الخريف الواحد يعدل عشر سنوات شمسية حتى لا نقول ضوئية ،  أفلا تستهلك معصية الكلمة من سخط الله عمر إنسان يقدر بسبعين سنة ؟ ولنفرض أيضا أن الخريف الواحد هو سنة شمسية واحدة فقط حتى لا نقول سنة ضوئية  ألا تعدل  معصية  الكلمة  المسخطة لله  سبع سنوات من عمر صاحبها ؟  وعندما نخوض في تصنيف  حجم المعاصي الزمني على غرار قياس حجم زمن معصية الكلمة  من سخط الله عز وجل يلزمنا وقت طويل علمه عند الله  سبحانه .  وإذا كانت أعمار أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين الستين والسبعين ، لا يزيد عن ذلك إلا قليل ،  فهل يحمل ذلك الإنسان المسلم على التفكير في قصر عمره ، وهو يجازف أو يغامر أوحتى يقامر بهذا العمر القصير ، وينفقه في  المعاصي  التي توزن  بدهر طويل لا يقدره إلا خالق الدهر سبحانه ؟   ويستظل بظل الله عز وجل الشاب الناشيء في عبادة الله عز وجل بعد الإمام العادل ، وقبل معلق القلب بالمساجد  ، والخاشع لله الدامع في خلوة ، والمتحابين في الله عز وجل اجتماعا وافتراقا ، والمنفق بيمين لا تعلم ما أنفقت شمال ،  والعاشق  المتعفف الكابح لشهوة دعته إليها ذات حسن وجمال ، لأنه بنشأته في عبادة الله عز وجل  يكون  هو كل من تلوه من أصحاب الظل  بحيث تلزمه طاعته المبكرة لله تعالى أن يتعلق قلبه بالمساجد ، وأن تدمع عينه  في خلوة خشوعا لله تعالى ، وألآ يحب غيره إلا لله تعالى ، وأن ينفق حتى لا تعلم شماله ما  قدمت يمينه ، وأن يستعفف  فلا تستميله ذات حسن أو جمال مخافة ربه  ، ولا تفوته إلا الإمامة العظمى ، لهذا جاءت مرتبة الشباب الناشيء في عبادة الله عز وجل بعد هذه الإمامة العظمى ، ولكن قبل كل أنواع الطاعات الأخرى بسبب واحد ووحيد هو صيانة عمر الشباب والفتوة من  الضياع وإنفاقه  فيما لا تعويض له  بعد هذا العمر. وزيادة على ذلك  يعتبر عمر الشباب  والفتوة هو الفترة الأهم من عمر الإنسان لأنها فترة القوة الجسدية والعقلية والعاطفية ، وهي قوة تغري بالغواية بينما  تفتر هذه القوة مع تراخي عمر الإنسان.

 والمشهور في مجتمعنا المغربي ميله إلى العادة أكثر من ميله إلى الدين ،مع أن الدين سمي كذلك لأنه ديدن أي عادة ،ولكنها ليست عادة بشرية ،بل هي من أمر الله عز وجل جعلت للبشر ليتعودوا عليها . ومما اعتاده المغاربة  عادة لا دينا أن يخصصوا فترة الشباب والفتوة للهو والعبث حتى إذا طال بهم العمر  تنسكوا. وهكذا صارت حياة الإنسان المغربي تنقسم إلى مرحلتين : مرحلة الشباب والفتوة التي تصرف في الملذات بما فيها  ملذات  المعاصي  ، ومرحلة الكهولة والشيخوخة التي  تخصص للتوبة والندم على ما فات في مرحلة الشباب والفتوة. ويمكن ملاحظة هذا التقسيم من خلال  ممارسة الإنسان المغربي  لطقوس العبادات حيث يبدو الشباب في الغالب منصرفا عن الصلاة ،لأنه منشغل بغيرها من أمور حياته ، لهذا فهو يحرص على حضور مباريات في كرة القدم أكثر من حرصه على حضور صلاة من الصلوات الخمس ،لأن لعبة كرة القدم من اهتماماته المفضلة  ، بينما حضور الصلوات لا يعنيه كثيرا . ولنفس السبب نجد أن عبادة الحج لا يمارسها الشباب المغربي إلا نادرا ، وتكاد هذه العبادة تقتصر على الكهول والشيوخ . ومما يجعل عبادة الحج عند  المغاربة  عبادة كهولة وشيخوخة هو اعتبار من يمارسها  يتخلص من ذنوبه ويعود كيوم ولدته أمه  ، وهذا ما يشجع المغاربة  على تكريس فترة الشباب والفتوة للمعاصي مقابل  تخصيص مرحلة الكهولة والشيخوخة للتوبة. وفي هذا خداع  كبير للنفس  وركوب للغرور، لأن حجم المعاصي المرتكبة في فترة الشباب والفتوة لا تقدر خطورته ، ولا يمكن أن يثق أحد في سهولة التخلص منها مع أن رب العزة جل جلاله غفور رحيم لا يبالي إذا غفر بملء الأرض ولا بمثل زبد البحر ذنوبا إلا أن ذلك لا يمكن أن  يتخذ ذريعة لاقتراف المعاصي. ومن الحكمة والرشاد أن  يغير المغاربة هذه الذهنية من خلال  ممارسة  طاعة الخالق سبحانه  مع بداية فترة الشباب والفتوة عوض الرهان على مرحلة الكهولة والشيخوخة حيث  تكثر العراقيل المانعة من إحسان وإتقان الطاعة لله تعالى . وإذا كانت لعفة الشاب  القوي الجلد معنى حين تدعوه الشهوة  الجنسية على سبيل المثال ، فلا معنى لعفة الكهل أو الشيخ الذي فاته قطار الغريزة الجنسية المتفجرة. وما قيل عن غريزة الجنس  يصدق على كل ما  يفضي إلى المعاصي  المختلفة التي  تكون فترة الشباب أنسب لها بينما لا تناسبها فترة الكهولة والشيخوخة حيث يكون الكهول والشيوخ في عزوفهم عن المعاصي مضطرين  لا أبطالا  كما هو حال الشباب  العازف عنها لأن القبور تتمثل للكهول والشيوخ فاغرة أفواهها  تنتظر ابتلاعهم ، وأنى لمن كان  لقمة سائغة  لأفواه القبور أن  يفكر في لذات المعاصي ؟

شر خداع للنفس إنفاق الفتوة والشباب في المعاصي والرهان على توبة الكهولة والشيخوخة
شر خداع للنفس إنفاق الفتوة والشباب في المعاصي والرهان على توبة الكهولة والشيخوخة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz