شتان بين إنكار الشماتة بهالك لقي ربه وبين تقديسه

15415 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 19 دجنبر 2012، علق كالعادة على مقالي الذي أنكرت فيه شماتة محسوب على الدعاة بميت لقي ربه ، وهو أعلم بما خفي من أمره ،  مشيرا إلى الفرق بين  ما يجب من احترام لميت من أموات المسلمين وبين تقديسه . وأنا عندما أنكرت قول القائل :” مات فلان غير مأسوف عليه ” لم يعن إنكاري أنني أقدس الميت ، وإنما قصدي أن يحترم الميت المسلم ، ولا يشمت به  مهما كانت مكانته في المجتمع المسلم . ودفعا لكل لبس  أو خلط بين  الاحترام والتقديس ارتأيت أن  أضمن هذا المقال فرقا بين الأمرين . فالتقديس من فعل  قدس ـ بفتح القاف  وضم الدال ـ  يقدس قدسا ـ بضم القاف  والدال  أو تسكين هذه الأخيرة ـ إذا طهر ـ بفتح الطاء  وضم الهاء ـ  وتبارك . ومنه التقديس وهو التطهير والتبريك إذا كان من الله عز وجل للبشر ، وهو التنزيه إذا كان من البشر لله عز وجل . ومما جاء في الذكر الحكيم : (( إنا أرسلناك شاهدا  ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله  ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ))  والتوقير هو التقديس  ، وهو من فعل  وقر يوقر وقارة ووقارا إذا كان ذا وقار ، والوقار هو العظمة  ، ومنه وقر ـ بتضعيف القاف ـ  إذا بجل ـ بتضعيف الجيم ـ  وعظم ـ بتضعيف الظاء ـ  والتبجيل هو التعظيم . والعظيم إذا كان ماديا  وصف  بالعظمة لامتداد مساحته  طولا وعرضا وعمقا  كما قال أبو حامد الغزالي في كتابه :” المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى “.  أما إذا كان معنويا فالمعتبر في عظمته هو كبر واتساع قدره على غرار اتساع  العظيم ماديا . وعن العظيم قال أبو حامد الغزالي : “هو ما لا تحيط العقول بكنهه  ، وهو الله جل جلاله” . وعن المقدس أو القدوس قال : ” هو المنزه عن كل  وصف يدركه الحس ،أو يتصوره الخيال ، أو يسبق إليه وهم ، أو يختلج به ضمير ، أو يقضي به تفكير ”  ويضيف قائلا : ”  ولست أقول منزه عن العيوب والنقائص ، فإن ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الأدب ، فليس من الأدب أن يقول القائل : ملك البلاد ليس بحائك ولا حجام  ، لأن نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود ، وفي ذلك الإيهام نقص ” . وبناء على هذا فالتقديس  والتوقير والتعظيم  والتبجيل يكون في شكله المطلق لله عز وجل ، ويكون بعد ذلك لصفوة خلقه من رسله وأنبيائه  وملائكته الكرام صلواته وسلامه عليهم . وباقي الخلق  بعدهم  لا يقدس  ولا يعظم   ، وإنما  يحترم ويقدر . وإن استعمل مكان الاحترام التوقير أو التبجيل  أحيانا فهو لا يعني التقديس والتعظيم . وتوقير الشيخ الطاعن في السن  هو عبارة عن احترام له  لكبر سنه ، كما أن توقير الشيخ  العالم يكون لكثرة علمه . ولا  يوقر أو يبجل الشخص لبشريته ، بل  لصفة فيه توجب له الاحترام لمكانتها وفق قيم  خاصة بثقافة ما .فكبر السن في كثير من الثقافات مما يوجب الاحترام ، وكذلك الشأن بالنسبة لكثرة العلم ، وكذلك الشأن بالنسبة لمختلف الفضائل  والسجايا البشرية . والاحترام  عبارة عن تقدير ، والتقدير عند علماء الكلام هو تحديد كل مخلوق بحده  ، أي تعريفه بما يعرف به من أوصاف  وسجايا . والتقدير نوع من الاعتبار لهذا يستعمله النحاة عندما يحذفون الكلمة لفظا ويعتبرونها نية . والقدر هو مبلغ الشيء . وقدر الإنسان هو مبلغه  من قيم مجتمعه  وسجاياه. وقد يلتبس الاحترام والتقدير  بالتقديس والتعظيم عند بعض الناس خصوصا من  العوام والغوغاء الذين يخلطون بين  سجايا من يعظمون من البشر ، وبين ذاوتهم  في حد ذاتها .  وقد تسربت عادة تقديس البشر وتعظيمهم من خلال  ظاهرة التصوف ، وهي ظاهرة نشأت حين بعدت الشقة بين عصر النبوة والخلافة الراشدة وبين العصور التي تلتها ، حيث أقبل الناس على متع الدنيا بنهم غير مسبوق ، فظهر فيهم الزهاد ، فكان رد فعلهم على إقبال الناس على الدنيا الزهد فيها . وتطور الزهد إلى فلسفة  وتصوف ، فصارت له طرق  مختلفة  وله شيوخ ومريدون  وأوراد ، وكرامات  ، وأضرحة   وأوهام  وخرافات  يطول الحديث عنها  . وانتقل  احترام شيوخ الطرق وتوقيرهم  لعلمهم  وتربيتهم من  يتابعهم على طرقهم إلى تقديس  وتعظيم بسبب  قضية الكرامات وجلها محض افتراءات  . وخلط العوام والسوقة  والغوغاء بين  احترام علم هؤلاء الشيوخ ، وبين  تقديسهم نظرا لانبهارهم بسبب ما ينسب إليهم من كرامات . وحصلت المبالغة في هذا التقديس حتى  وصف شيوخ الطرق  بأوصاف الأنبياء والرسل ، ونسب لهم ما يسد مسد العصمة التي لا تكون إلا لنبي . وعلى غرار  تقديس أصحاب الطرق الصوفية  لشيوخهم  يقدس الشيعة  أئمتهم  ولا يجدون حرجا في نسبة العصمة لهم ، و لا تقتصر العصمة عندهم على الأئمة بل تشمل أيضا الفقهاء الأولياء أو آيات الله العظمى كما يسمونها . وكرد فعل على تقديس وتعظيم من لا يحق  لهم ذلك  ولا يجوز، ظهرت التيارات  المبالغة  في تحقيرهم  كما هو حال التيارات السلفية التي لا  ترعى احتراما لأحد مهما كان علمه  أو فضله   لمجرد أن بعض  الناس  يخلطون بين الاحترام والتقدير وبين التقديس والتعظيم . ولهذا يوجد صراع كبير بين أصحاب الفكر الطرقي ، وبين أصحاب  ما يسمى الفكر السلفي حيث يكفر هذا الأخير  الفكر الطرقي  باعتباره في نظرهم بدعا وضلالات ، بينما يستخف هذا الأخير بالفكر السلفي  باعتباره تكفيريا  ومتشددا . ومعلوم أن تزكية البشر لأنفسهم أو لغيرهم ممنوعة بنص الكتاب لقوله تعالى : ((  ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا )) . فمن الإثم المبين  افتراء الكذب على الله عز وجل من خلال  تزكية  بعض الناس لنفوسهم  ، علما بأن تزكية النفوس البشرية من اختصاص الله عز وجل ، وهي مما استأثر به سبحانه في غيبه الذي  لا يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول . وما يدعيه البعض من تزكية نفوسهم أو تزكية الغير لهم محض أوهام وأخيلة  وظنون ، وهي كلها في حكم الافتراء على الله عز وجل . ومما يجب شرعا  أن نظن الخير بكل موحد  عاش ومات على التوحيد دون أن نزكيه على الله عز وجل . وليس من قبيل الصدفة أن نقول في صلاة الجنازة ” اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك  وابن أمتك ، أو أمتك بنت عبدك وأمتك  كانا يشهدان ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، اللهم إن كانا محسنين فزد في إحسانهما ، وإن كانا مسيئين  فتجاوزا عن سيئاتهما ” فذكر الإحسان مع الإساءة في صلاة الجنازة دليل قاطع على امتناع التزكية  التي هي من اختصاص الخالق جل جلاله . ويتعين على الذين  يزكون شيوخ الطرق  الصوفية  أو غيرهم أن يسقطوا من  صلاة الجنازة  عبارة : ” اللهم إن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته ، لأن المزكى أو المقدس أو  المعظم ، وهو من طهر وبورك كما مر بنا  في بداية هذا المقال، وهو ما لا يجوز نسبته لبشر بناء على ظن بشر مثله . وبناء على مر يجب على كل من  يقدس بشرا غير الذين أمر الله عز وجل  بتقديسهم من الأنبياء والرسل  والملائكة الكرام  أن يتيقن من أنه  يفتري على الله عز وجل الكذب  بتقديسه وتعظيمه لمن لا يجب له التقديس والتعظيم وكفى به إثما مبينا ، وعليه أن  يراجع نفسه  ، ويفرق بين الاحترام والتقدير ، وبين التقديس والتعظيم عندما يتعلق الأمر ببشر الله عز وجل وحده  أعلم بحاله ، وهو وحده سبحانه الذي يزكيه  التزكية الحقيقية ، وهي تزكية اليقين في الآجل ، وليست تزكية الظن في العاجل ، علما بأن الظن لا يغني من الحق شيئا . هذا بيان  ما التبس على معلق على مقالي  خلطك بين إنكار الشماتة  بهالك على الشامت ، وبين تقديسه ،والله ورسوله أعلم .

شتان بين إنكار الشماتة بهالك لقي ربه وبين تقديسه
شتان بين إنكار الشماتة بهالك لقي ربه وبين تقديسه

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz