سوسيولوجيا الثابت في قصة يوسف عليه السلام / وجدة: عمر حيمري

3081688 مشاهدة

وجدة البوابة: عمر حيمري

سوسيولوجيا الثابت في قصة يوسف عليه السلام

الثابت ، ضد التحول ، والتغير ، والتطور ، وهو الاستقرار والاستمرار بالمكان والزمان ، والبقاء والدوام فيهما ، دون أي حركة . والإنسان يحكمه جانبان : أحدهما ثابت ، والآخر متغير ، والثابت له صور متعددة ، كالإيمان بالغيب وبالروحانيات والتدين والغرائز الفطرية الضرورية  للبقاء والمحافظة على الحياة والنفس ، وهذه الصور مرتبطة بماهية الإنسان وجوهره وروحه وغير قابلة  للتحول ولا للتغير . أما الجانب المتغير فمرتبط بالأعراض أو الفينومين بتعبير كانط : مثل الأطراف والصفات الخارجية ، كاليد ، والرجل ، ولأصابع ، والعين ، والشعر ، واللون والأحاسيس …. وهذه الأعراض والصفات دائمة التغير،لا تثبت على حال ، وليس لها أي تأثير على حقيقة وماهية الإنسان الثابتة . فقد يفقد الإنسان يده ، أو تقطع رجله ، وقد يجذع أنفه ، وتفقع عينه ، وتحلق لحيته … ولكنه يبقى هوهو ، محتفظا على ماهيته وكينونته وجوهره ، دون أن يحدث  أي تغيير أو تبدل في الجوهر أو الروح ، لأن هناك ما هو  ثابت  بداخله  يسميه كانط  بالنومين أو كنه الشيء  وقد نسميه الروح  وهو بمثابة نواة تجتمع وتلتف حولها الأعراض والصفات والألوان . كما أن هناك قضايا أخرى أخلاقية ودينية وعقدية لا يتسرب إليها التحول والتغير مهما تغير الزمن أو المكان ، لصلتها بحياة الإنسان التي تعود إلى الجانب الثابت فيه ، كالصدق ، والعدل والإحسان ، والإيمان ، وأداء الأمانات ، والوفاء بالعقود ، والعهود ، وفعل الخير  ونصرة الحق وإغاثة الملهوف … وهذه كلها قيم حسنة في ذاتها لا تحتاج لأي عامل خارجي لتكون حسنة  ، فهي حسنة في كل زمان ومكان و مقبولة عند الناس أجمعين ، لا يرفضها عقل ولا حس سليم . وعكسها القيم القبيحة ، كالكذب ، والنفاق  ، والظلم ، والسرقة ، وأكل أموال الناس بالباطل ، ونقض المواثيق ، وقتل النفس بغير حق ، والربا ، والزنا ، والسحاق ، واللواط ، والتحرش الجنسي والاغتصاب ، والقمار ، والسكر ، وتناول المخدرات ، واتخاذ الملاهي والقمار ، ونشر الفساد والفواحش … وهذه قيم قبيحة تحمل قيمة قبحها في ذاتها عبر الزمان والمكان ، لا يختلف على الحكم بقبحها اثنان عاقلان .

إن تاريخ الحياة البشرية ، ومسار المجتمع البشري ، خاضع لقواعد الثبات والتحول ، باعتبارها وسائل وآليات ، تتحكم في سير المجتمع وتنظيم الحياة على الأرض ، كما تتحكم في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والعاطفية السائدة بين أفراد المجتمع وفئاته ، وتساهم أيضا في معالجة الخلاف بين الناس وحل مشاكلهم . و سورة يوسف عليه السلام  تتضمن صفات وقواعد ثابتة ، تمكن الإنسان بغض النظر عن جنسه ، أو لونه ، أو زمانه ومكانه ، من تنظم حياته وبناء علاقاته مع غيره عبر الزمان والمكان . لأن الضامن الوحيد ، لاستمرار الحياة الإنسانية السليمة والطبيعية ، هو وجود قوانين ، وسنن ، وقواعد ، ثابتة ، تنسجم مع فطرة الإنسان وطبيعة حياته العامة والخاصة ، وفي نفس الوقت لا تخالف الحقائق الربانية المبينة في القرآن الكريم والسنة الشريفة الطاهرة . وما وصف الله سبحانه وتعالى قصة يوسف عليه السلام بأحسن القصص  ـ [  نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ] ( سورة يوسف آية 3 )  ـ  إلا لاشتمالها واحتوائها على سنن وقوانين وقواعد ثابتة ، هي أساس كل العلاقات الإنسانية ، وليس لكونها ذكرت الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجن والإنس والملوك  ونظام حكمهم ، والخدم ، وتعبير الرؤية …. ولا لكون يوسف عليه السلام ، تجاوز ، وعفا ، وأكرم إخوته ، وصبر على حقدهم وأذاهم ، ولا لكون يعقوب عليه السلام سامح أبناءه ، وطلب لهم المغفرة من الله ، ولا لكون خاتمة القصة كانت خيرا وسعادة  على كل من ذكر فيها ، كما يرى معظم المفسرين . ولكن في تقديري وصفت بأحسن القصص ـ  وهي كذلك ـ لأنها تصور الواقع كما هو ، وكما يجب أن يحدث ويكون في كل الأزمنة والأمكنة ، بعيدا عن الخيال ، والأوهام ، والتصورات ، التي تعتمد في القصص البشرية ، من أجل الإثارة وشد الانتباه .

إن القصص القرآني ، يؤرخ للواقع من أجل العبرة والاعتبار ، ومن أجل القدوة والاقتداء . فقد تناولت قصة يوسف عليه السلام ، سلوكيات وتصرفات ومعاملات بشرية باعتبارها ظواهر اجتماعية ، تتكرر في الزمان والمكان ، يمارسها كل الناس، أو يتعرضون لها، وقد يعانون من نتائجها إن كانت ذات بعد سلبي ناتج عن خلل في التصور الاجتماعي للواقع وللعلاقات والأفعال السائدة بين الأفراد داخل الأسرة أو القبيلة أو الجماعة … وقصة يوسف عليه السلام جاءت بجملة من القواعد والقوانين والسنن الثابتة والصالحة  لمعالجة  الجانب السلبي من هذه الظواهر وتصحيح الانحرافات الطارئة على مر الزمان وفي كل مكان .

 إن ظاهرة الحسد والكيد المصحوب بالحقد والكراهية والعداوة ، التي أشارت إليها قصة يوسف عليه السلام ثابتة ، متجدرة  ومتأصلة في النفس البشرية ، متمكنة من اللاشعور ، وستظل متواجدة وسائدة في المجتمع ، ما دامت شروطها وأسبابها موجودة ، وطريقة علاجها هي الأخرى تبقى ثابتة ، لا بديل لها أو عنها ، في كل الأوقات والأحوال ، وعلاقة الإنسان بالشيطان علاقة عداوة ، هي الأخرى ثابتة ، ولن يكون الإنسان صديقا للشيطان أبدا ، إلا إذا كان من حزبه ومواليا له ، ومعاديا لربه ، عاصيا له وخارجا عن طاعته ، وهذا ما تقره وتؤكده في تصوري الآية الكريمة [ قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ] ( سورة يوسف آية 5 ) . إذا فمعالجة ظاهرة الحسد ، تتطلب الامتثال لأمر الله وعصيان الشيطان واتخاذه عدوا مبينا . يجب الحذر منه ومن غوايته وإغراءاته ، التي تجر إلى ارتكاب جريمة الحسد ، والكراهية ، والقتل ، كما تتطلب إغلاق كل المنافذ ، التي قد تؤدي إلى الحسد أمام الشيطان العدو الثابت للإنسان ، حتى لا يأتيه منها ، فمسألة التنافس ، والتفاضل ، والشعور بالعجز ، أو بالعظمة ، أو بالكبر ، والعجب بالنفس ، وحب التشفي ، والخوف من تفاخر أو ترفع الآخر … كل هذه أبواب ومنافذ للشيطان ، يأتي منها الحسد ، والبغضاء، والمكر والخداع … ولذلك أوصى يعقوب عليه السلام ابنه بعدم الحديث عن الرؤية التي أراه الله في المنام لإخوته  ـ [ إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ] ( سورة يوسف آية 4 )  ـ حتى لا تكون سببا في حسد وكراهية الإخوة له ، لأنه كان يعلم أن أبناءه كانوا على قدر من علم تأويل الرؤية ، يسمح لهم بتأويل الرؤية ومعرفة ما تبشر به من سؤدد وسلطة ورئاسة وجاه ينتظر يوسف عليه السلام ، وهذا حتما من دواعي الحسد وأسبابه . زيادة على التنافس والتزاحم على مكانة المحبة في قلب الأب [ إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ] ( سورة يوسف أية 8 ) . وهذا العامل الأخير وحده كاف لتحريك الحسد والحقد والكراهية في قلوب إخوة يوسف عليه السلام ومن ثم العمل على التخلص منه ، حتى ينفردوا بالأب ويستحوذوا على محبته . [ اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين ] ( يوسف آية 9 ) .

كما أن ظاهرة صراع الأجيال ثابتة ومتكررة عبر التاريخ البشري … يتبع بقلم عمر حيمري

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz