سوء اختيار البطانة يورث الندامة

12184 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة: وجدة في 4 ماي 2012، من المعلوم أن كل إنسان مهما كان شأنه علوا أو دنوا لا  مندوحة له عن بطانة ، وهي خاصته التي تستبطن أمره ،علما بأن من معاني البطانة أيضا السريرة ، وهي ما خفي قياسا على بطانة الثوب المقابلة لظهارته ـ بكسر الظاء ـ . وقد ورد ذكر البطانة بالمعنى الذي نقصده أو نريده في هذا المقال في قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يالونكم خبالا ودوا ما عنتم )) فالله تعالى في هذه الآية الكريمة ينبه عباده المؤمنين  إلى قضية سوء اختيار البطانة التي لا تؤدي الدور المنتظر منها بالنسبة لمن يتخذها بطانة. فالأصل في البطانة  إذا كانت صالحة أن تحرص على صلاح أمر من يتخذها .

أما بطانة السوء  فهمها ألا تقصر في إفساد أمر من يتولاها مع الحرص على مشقته كما جاء في قول الله تعالى . ولقد ضرب الله أمثلة لنوعي البطانة الخيرة والسيئة في كتابه الكريم . فمن نماذج البطانة الخيرة بطانة موسى عليه السلام المتمثلة في أخيه هارون عليه السلام مصداقا لقوله تعالى : (( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ))  والوزير من البطانة التي تساعد على حمل الأوزار. ومن نماذج بطانة السوء بطانة فرعون التي كانت تشير عليه بالسوء كما وصف ذلك رب العزة جل جلاله في قوله : (( قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم )) ، وهو ما ردده فرعون نفسه كما قال الله تعالى : (( قال للملإ من حوله إن هذا لساحر عليم )) والقرينة الدالة على أن ملأ فرعون هم بطانته لفظة ” حوله ” التي تدل على القرب منه و استبطان أمره ومعرفة سريرته .

فإشارة ملإ فرعون أو بطانته كانت سيئة  وكاذبة إذ وصفوا نبي الله موسى عليه السلام بالسحر فضللوا فرعون الذي ردد مقولة إشارتهم  المغشوشة حرفيا . ومما يروى أن فرعون قال لبطانته خصوصا هامان منهم : إن ما يقوله موسى عليه السلام حق ، وكان قول موسى عليه السلام لفرعون : ” يا فرعون آمن بالله عز و جل ولك الملك في الدنيا والجنة في الآخرة ” فاستحسن فرعون هذا العرض السخي ، ولكن بطانته السيئة شككت فيه بقولها على لسان هامان : ” يا فرعون أتريد أن تصبح عبدا عابدا بعد أن كنت إلها معبودا” فلم يجد فرعون بدا من ترديد مقولة بطانة السوء كما جاء في حكاية القرآن الكريم : (( وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين )). فتخصيص فرعون من بطانته هامان بالأمر في هذه الآية الكريمة يدل على أنه هو الذي أشار عليه بفكرة الألوهية الكاذبة  من خلال نصحه المغشوش .  ودأب العظماء في كل عصر ومصر أن يستشيروا بطانتهم كما قص علينا ذلك القرآن الكريم في قصة  ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام حيث قال الله عز و جل : (( قالت يا أيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون  قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين )) فهذه الآية الكريمة  فيها إشارة إلى بطانة ملكة سبإ ، وإلى اعتمادها عيها في الأمور الجليلة والمصيرية لأنها خاصتها .  

وأشار القرآن الكريم أيضا إلى بطانة نبي الله سليمان عليه السلام في قوله تعالى : (( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ))  وحال نبي الله سليمان عليه السلام مع بطانته ليس كحال ملكة بلقيس مع بطانتها حيث كان آمرا ، وكانت مستنجدة.  ولله تعالى الملأ الأعلى من الملائكة الذين يأتمرون بأوامره ، ولا يحتاج إليهم  سبحانه كما يحتاج  البشر إلى بطانتهم بل يأمرهم للتنفيذ. وجعل الله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام بطانة من الحواريين ، وجعل لرسول محمد الله صلى الله عليه وسلم  بطانة من الصحابة .  ولكل نبي من أنبياء الله عز وجل حواريين أو بطانة ، كما أنه لكل نبي  أعداء لقوله تعالى : ((  وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين )) ، وفي آية أخرى يحدد الله تعالى نوع هؤلاء المجرمين حيث يقول : (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن )) .

ولقد اقتضت إرادة الله عز وجل أن تكون بطانة الأنبياء الكرام مقابل أعدائهم من الجن والإنس . و على سنة الأنبياء والمرسلين يكون لعباد الله المؤمنين بطانة مقابل أعداء . والأكياس من المؤمنين يتحرون في اختيار البطانة الصالحة التي يستعينون بها على أعدائهم ، وعلى أداء مهامهم خصوصا إذا كانوا أصحاب شأن عظيم  كما هو حال الساسة  وأهل العلم وأصحاب المسؤوليات ذات الخطر . والعظماء من المؤمنين  يكون اختيارهم للبطانة على قدر خطورة أعدائهم ، لأن من التمس بطانة دون المستوى جعل لأعدائه عليه سبيلا . ولهذا ارتكب كثير من العظماء أخطاء جسيمة عندما خدعوا بالبطانة المدسوسة عليهم من طرف أعدائهم . وتجارب الجاسوسية خير دليل على عملية دس البطانة على من يتخذها من العظماء الذين كانوا ضحايا أعدائهم وقد كادوا لهم كيدا عظيما عبر بطانتهم المغشوشة . ومن زلل أولي النهى  أن تخطأ فراستهم الثاقبة فيحيطوا أنفسهم ببطانة دون  المستوى ، فتؤثر على مجدهم التأثير السلبي. فرب صاحب فضل كبير لا يضاهيه فضل تزل فراسته في بطانة يتخذها لنفسه دون تبين أو روية ، فيلحق بنفسه أذى كثيرا سببه بطانة دون طموحه  ، ودون فضله ودون مبتغاه .  

ومن المعلوم أنه في بعض الأحيان يتسلل المغرضون وأصحاب الأطماع والمصالح إلى بطانة أهل الفضل والصلاح فيفسدون عليهم فضلهم وصلاحهم وهم لا يشعرون . وأصحاب الأطماع والمغرضون  المتسللون  إلى بطانة أهل الفضل والصلاح يخفون ما لا يبدون، وهم أهل مراس بالنفاق، فيظهرون الصلاح لمن يتخذهم بطانة وهم أهل فساد وإفساد فيشيرون عليه  خداعا بما يعود عليه بالضرر بعد بهرجة النصح  على طريقة إبليس  مع آدم عليه السلام، والذي كاد له ليخرجه من الجنة حسدا من عند نفسه .

فكذلك بطانة السوء  تقدم النصح المغشوش والمشورة الكاذبة لمن يتخذها  ، فتزين له السوء  والشر، وتقبح في عينه وتقديره كل ما فيه خيره ، فينخدع لنصحها المغشوش ، فيقع في المحظور من حيث لا يحتسب . واللبيب هو الذي يتذكر دائما أن الله عز وجل قد نبهه إلى عدو متربص في قوله تعالى : (( إن الشيطان للإنسان عدو مبين )) . فإذا كان الشيطان عدو مبين ، فبطانة السوء عدو غير مبين قد لا يتنبه لها من يتخذها .

ومما تتميز به بطانة السوء غير المبينة  حسد من يتخذها  بطانة  وهو مخدوع ، فلا يقدم على فضيلة أو خير إلا واجتهدت لصرفه عنهما  عن طريق نصح مغشوش  ومدسوس ، فيصير أمام أعداء مندسين في بطانته أخطر عليه من أعدائه الحقيقيين . والمشكلة أن يظل صاحب بطانة السوء غافلا عن سوء بطانته مع وجود المؤشرات الدالة  والمقنعة على غشها ودسائسها.  ومع مرور الأيام يصير شغل  بطانة السوء الشاغل هو تعقب الإنجازات الهامة والرائدة للذي يتخذها بطانة ويثق فيها من أجل  جعلها هباء منثورا حسدا من عند نفسها . فكم من صاحب فضل لم ينتبه إلى كيد بطانة السوء إلا بعد فوات الأوان، فيندم ندما شديدا ولات حين مندم .

سوء اختيار البطانة يورث الندامة
سوء اختيار البطانة يورث الندامة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz