سلسلة الردود العلمية على خريج دار الحديث الحسنية “محمد بن الأزرق الأنجري”

223208 مشاهدة

الجزء الأول:

 المقدمات الممهدات 1 / 2

بقلم : منير المرود

بسم الله الرحمان الرحيم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

وبعد:

فقد راجت في الأيام الأخيرة مقالات في إحدى الجرائد الإلكترونية المغربية يقدح صاحبها في صحيحي البخاري ومسلم، مع التركيز على صحيح البخاري لما له من حظوة عند علماء الملة وفقهائها، موهما القراء والمتتبعين من خلال أسلوبه المستهجن وطريقته المستهلكة أنه أول من اكتشف هذه الأحاديث المنتقدة والضعيفة في زعمه، وأن العلماء قديما وحديثا كانوا في غفلة من أمرهم، حيث أسكرتهم قدسية ما في الصحيحين ـ كما زعم ـ  عن النظر فيهما بعين النقد وفق الأصول والقواعد التي وضعها المحدثون أنفسهم.

ومنذ أن اطلعت على بعض مقالاته المتعلقة بالموضوع المشار إليه، وأنا أنتظر من يتصدى لأباطيله وترهاته التي لا يكاد يخلو منها سطر مما دونته يداه، ليس من العلماء طبعا فوقتهم أثمن من أن يضيعوه في الرد على مثل هذه المغالطات التي تفتقر إلى أدنى مؤشرات الإدراك والمعرفة بالعلوم الشرعية، بل تدل على أن صاحبها ليس له من دراسة هذه الفنون إلا الرسم، بالإضافة إلى شهادة يتبجح بها علها تحقق له رواجا عند العوام، لأن الكثير من الناس تبهرهم الألقاب، الشيء الذي جعل صاحبنا يصف نفسه مرة بخريج دار الحديث الحسنية، ومرة بالباحث والخطيب، وأخرى بالباحث المتخصص في علم الحديث ظنا منه أن هذه الأوصاف ستزيده علما وأدبا في حين أننا نجده يتبوأ مكانا متميزا تحت خط الفقر العلمي والأدبي.

والمقصود: أنني كنت أنتظر أن يتصدر لذلك بعض طلبة العلم ليسدوا هذا المسد، ويردوا على أباطيل هذا الأثيم، ويبينوا تناقضه وقلة علمه وسوء معتقده، لكنني أظن أن ما منعهم عن ذلك هو سخف ما احتوت عليه سطور تلك المقالات فأعرضوا عنها إعراضا، وهو منهم رأي متين، لأن الإعراض عن الأقوال الشاذة أحرى بإماتتها ودفنها، لكن الخوف من اغترار بعض القراء مما يكتب، وانطلاء شبههم عليه لضعف بضاعتهم وقلة زادهم وتأثرهم الشديد بالحملات المسعورة التي تتعرض لها السنة النبوية في مختلف المنابر الإعلامية الخاصة منها والعامة، جعلني أقرر الإمساك بزمام الأمور، والخوض في الموضوع خوض المنافح الجسور، حيث سأضع هنا رحلي وسأترجل عن فرسي، وأصوب سهام العلم، وأضرب بسيف المعرفة على صاحب هذه الضلالات لأنقض مذهبه وأبين الاعوجاج في منهجه وأبرهن على كساد بضاعته.

ويجب هنا التنبيه ـ من باب الأمانة ـ على أن بعض الكتاب قد سبقوني في الرد عليه، إلا أنني لم أطلع على ردودهم مباشرة بعد، وإنما عرفت ذلك من رده هو على من انتقده والذي ضمنه مقاله الموسوم ب ” تهافت صاحب القراءة المتهافتة”، كما أنني رأيت قبل ذلك إشارة من الشيخ الجليل المجاهد رشيد نافع حفظه الله كانت عبارة عن إطلالة سريعة توعد فيها بالرجوع لإثارة الموضوع مرة أخرى والرد على صاحب هذه الأباطيل، إلا أنني أطالبه مطالبة التلميذ لأستاذه أن يترجل عن فرسه، ويغمد سيف قلمه، فإن وقتك أثمن من أن تضيعه في مثل هذه المعارك، وسلِّم الراية لنا فإننا كماة بواسل، قادرون على مواجهة الرَّزايا، وحزِّ هذه الشبه من منابتها، وقطعها من جذورها، واستئصال شأفتها وقصم ظهرها حتى لا تقوم لها قائمة، وستتكرر مرة أخرى ملحمة ” أباطيل وأسمار” التي أرْدَت لويس عوض وجعلت منه نسيا منسيا.

على أنني ومن خلال كتابتي لهذا المقال وما سيتبعه من ردود ـ على جهالاته التي لا تكاد تنقضي ـ فيما سيستقبل من الأيام، سأبين بما لا يدع مجالا للشك صدق ما رميته به سواء من حيث العلم أو الأدب، فصاحبنا هجوم على المحدثين مستأسد على العلماء منتقص لقدرهم زاهد في فهمهم، يفسر القرآن على ما قاده إليه هواه، ويفهم السنة وفق ما أرشده إليه عقله المتنور!، جريء على مخالفة كل ما هو سني، مقدام على تزيين وإحياء مذاهب المبتدعة من معتزلة وشيعة وغيرهم، مغتر بنفسه كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد، مدلس في مقالاته حيث يوهم القراء بأنه صاحب السبق فيما يكتبه من انتقادات لما في الصحيحين…

وقبل أن أبدأ في بيان بعض المظاهر النفسية والجوانب الخفية من كتابات أخينا المذكور، أرجو أن لا يشعر البعض بعد قراءة هذه المقدمة بالنفور، لما فيها من شدة في اختيار بعض العبارات، على وعد مني بأن أكون فيما يستقبل من السطور صبورا، ذلك أن لكل مقام مقال، والتأدب مع المخالف منهجنا ، وحسن القول طريقتنا، لكن ما جرت به المقادير فيما كتبته قبل قليل هو من باب قوله تعالى : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به }، ذلك أن صاحب المقالات المذكورة أكثر من تسفيه العلماء وتصويرهم على أنهم أغبياء، وبالغ من احتقاره للسلف الصالح لكونهم ـ حسب زعمه ـ مغفلون استطاعت أن تنطلي عليهم حيل اليهود وأعداء الدين، ولم يميزوا بين أحاديث هؤلاء وأحاديث نبيهم الذي جالسوه وعاشروه ونهلوا من علمه وتربوا في مدرسته كل تلك السنين.

إن هذه المقالة التي سأبتدئ بها ” سلسة الردود العلمية على جهالات خريج دار الحديث الحسنية”، المسمى:” محمد بن الأزرق الأنجري”، سأركز فيها على المعالم العامة من شخصيته عبر قراءة سريعة في بعض مقالاته، سأحاول من خلالها أن أميط اللثام عن هذه الدمية التي تتنكر بزي العلماء، حيث تحركها خيوط المكر والخديعة، فإذا ما أنهيت هذه المقدمات الممهدات فإن الدمية ستكون قد تكشفت، وستظهر لنا الخيوط التي كانت تحركها وتتحكم فيها من بعيد، ثم ستتلوها بعد ذلك ـ إن شاء الله ـ عدة ردود تفصيلية أبين من خلاله تهافته في كل مقال كتبه على حدة.

وبناء عليه فإنني سأقتصر الآن على مجموعة من المقدمات التي سنضعها نصب أعيننا فيما سيستقبل من ردود، تكون بمثابة الأسس التي ستبنى عليها مجموعة من الأحكام، لأن كل قارئ متمرس عارف بألاعيب أعداء السنة، دارس لتاريخ شبههم ، ملم بمدارسهم، مطلع على الملاحم التي خاضها علماء السنة في نسف أباطيلهم منذ أن أوحى بها الشيطان إليهم إلى يومنا هذا، سيشم في مقالات الرجل رائحة حسن السقاف وأبي رية وزكريا أوزون وعدنان إبراهيم وغيرهم ممن سبقوه فرماهم أهل السنة إلى مزبلة التاريخ، وبقي الصحيحان شامخان شموخ الجبال في وجه الرياح العاتية.

المقدمة الأولى: تاريخ الطعن في السنة النبوية

إن الحديث عن تاريخ الطعن في السنة النبوية يرجع بنا إلى ظهور المذاهب الفاسدة والآراء المنحرفة عن منهج الجماعة التي مثلها الصدر الأول من الصحابة والتابعين، حيث بدأت بوادر الفرقة وأطلت فتنة رد السنة وإنكارها كما تنبأ بذلك الصادق الأمين في قوله صلى الله عليه وسلم : ” ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يقروهم ، فإن لم يقروهم، فلهم أن يعقبوهم بمثل قراهم”[1] .

وأول من تعرض لهذه الشبهة فيما وصل إلينا لحد الآن هو محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله في كتابه الأم[2]، حيث ذكر مناظرة جرت له مع بعض منتحلي هذا المذهب الفاسد ممن يرون رد الأخبار كلها حتى رجع الرجل عن رأيه وأقر بمذهب الشافعي رحمه الله[3].

قال السباعي رحمه الله معلقا بعد أن ذكر هذه المناظرة التي ذكرها الإمام الشافعي في “الأم” : ( لا يخالجنك ذرة من الشك في أن المراد بإنكار حجية السنة إنكار ذلك من حيث الشك في طريقها، وما يلحق رواتها من خطأ أو وهم، وما يندس بينهم من وضاعين وكذابين )[4].

وقد كان للمعتزلة بالخصوص قدم السبق في رد السنة إما جملة أو تفصيلا، بل إن أول من نقل عنه القدح في الصحابي الجليل حافظ الأمة وناقل السنة أبي هريرة الدوسي هو النظام كما ذكر عبد القاهر البغدادي في كتابه “الفرق بين الفرق” حيث قال: ( ثم إن النظام مع ضلالاته التى حكيناها عنه طعن في أخبار الصحابة والتابعين من أجل فتاويهم بالاجتهاد فذكر الجاحظ عنه في كتاب “المعارف” وفى كتابه المعروف “بالفتيا” أنه عاب أصحاب الحديث ورواياتهم أحاديث أبى هريرة وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس ) [5]، وليت الأمر وقف عند أبي هريرة رضي الله عنه بل قد تجاوزه إلى من هو أفضل منه، فأنكر على الفاروق عمر والخليفة عثمان والإمام علي رضي الله عنهم جميعا وغيرهم كما تجده منصوصا عليه في تمام الكلام المنقول عن البغدادي قبل قليل.

ثم درست هذه الفتنة برهة من الزمن بعد أن دمغها علماء السنة بالحجة والبرهان، فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك، إلى أن أطل علينا زمن الاستشراق حيث كانت ولادتها سفاحا في العراق، وترعرعت متشردة في الهند، وشبت واشتد عودها وقويت شوكتها في مصر وبلاد الشام منذ القرن التاسع عشر الميلادي [6]، وهناك عشش فكر الاعتزال من جديد وباض، وظهر في الساحة العلمية مجموعة من العلماء والمفكرين والمتعالمين الذين تبنوا بعضا أو كثيرا من آراء المعتزلة، وقاموا برد بعض الأحاديث التي تتعارض مع عقولهم، ويبقى أبرزهم على الإطلاق جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا والشيخ مصطفى المراغي ومحمد شلتوت وطه حسين وزكي مبارك وأحمد أمين ومحمد عزة دروزة الفلسطيني وأبو رية والبيطري وزكريا أوزون وغيرهم ممن تطول اللائحة بذكرهم[7]، وهناك حمي الوطيس، ودقت طبول المعارك، وجاهد علماء السنة وحماتها بالحجة والقلم، وردوا على هؤلاء جميع شبههم ونسفوا بنيانهم من القواعد، كما هو الشأن بالنسبة للشيخ مصطفى السباعي في كتابه ” السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي”، والشيخ محمد عبد الرازق حمزة في كتاب: “ظلمات أبي رية”، وكتاب: “الأنوار الكاشفة، لما في كتاب أضواء السنة من الزلل والتضليل والمجازفة ” للشيخ عبد الرحمن المعلمي  كلاهما ردا على كتاب “أضواء السنة المحمدية” لأبي رية، وكتب الشيخ التويجري كتابه الماتع ” الرد القويم على المجرم الأثيم” حيث رد فيه على المدعو “صالح أبو بكر” الذي ألف كتابا بعنوان ” الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها” حيث تهجم فيه على الصحابة والتابعين ومائة وعشرين حديثا في صحيح البخاري[8]، كما كتب الدكتور حاكم المطيري كتابا رائعا في رد شبه الطاعنين في البخاري عنونه ب ” جناية أوزون .. عندما يتحدث الجنون “.

ثم انتقلت المعركة بعد ذلك إلى المغرب الذي ظل عصيا على هذا الفكر الدخيل، فكانت في البداية عبارة عن مقالات مسروقة يكتبها بعض الصحفيين في جرائدهم الصفراء قصد الترويج حينا والإغراب حينا آخر، وتمهيدا لما سيأتي بعد ذلك من طوفان أحدثه كتاب “بو هندي” المنقول أيضا من أوله إلى آخره ” أكثر أبو هريرة”، وما إن أخمدت نار هذه الفتنة بعد أن تصدى لها الكثير من العلماء وطلبة العلم حتى خرجت علينا خديجة البيطار وهي خريجة أخرى من خريجات دار الحديث الحسنية بكتاب لها تقدح فيه في صحيح البخاري[9]، ثم بدأت الضربات تتوالى، ومافتئ طالبو الشهرة وشذاذ الآفاق من كل حدب ينسلون، يحاولون صعود الجبال عن طريق امتطاء ظهور الرجال، فكتبوا وألفوا وزينوا الباطل ونقلوا بحوثا كتبها المشارقة أو الباكستانيون أو الهنود ـ وهي بالمئات ـ ونسبوها لأنفسهم دونما اعتبار لقواعد البحث العلمي الرصين.

المستفاد من هذه المقدمة :

قد يتساءل البعض عن الفائدة المرجوة من ذكر هذه المقدمة، التي بينت من خلالها أن هذا الصراع الدائر حول السنة النبوية صراع قديم نشأ بنشوء الفرق الإسلامية، واشتد في القرنين الأخيرين مع ظهور الطباعة وتغلغل مقالات المستشرقين الذين قاموا بإحياء آراء المعتزلة على وجه الخصوص وترويجها بين المسلمين، وبالتالي فلا يجوز بحال من الأحوال أن يوهم أي باحث كان القراء بأنه السباق إلى اكتشاف هذه الشبه، ويتحدث بعلو وزهو وافتخار، وكأنه أول من خاض هذا المضمار، والحال أنه مسبوق بمن ذكرنا ومن لم نذكر، بل إن هذه المسألة قد سلخت سلخا، وأسيل فيها الكثير من المداد من الجانبين معا، وأعتقد أن من أراد أن يكتب في هذه القضايا لن يخرج على ما دونه من ذكرنا في المقدمة الأولى وغيرهم ممن أشارت لهم المصادر التي ذكرتها في الحواشي، فإن أراد أن يضفي لمسته الخاصة ويجتهد على طريقة المحدثين فإنه سيأتي بالطوام والمضحكات التي لم يسبقه إليها أحد من العالمين كما حدث لأخينا خريج دار الحديث الحسنية.

المقدمة الثانية : الغرض من انتقاد الصحيحين :

إن الغرض من هذه الهجمة الشعواء التي يقودها كثير من المنحرفين ومن اغتر بهم ـ كصاحبنا ـ من المغفلين ضد الصحيحين هو إسقاط الاستدلال بالسنة بإسقاطهما، فإذا كان هذان الكتابان هما أصح كتب السنة كما هو مقرر عند العلماء الفحول، وأردت أن تطعن في السنة كليا، فمن البداهة أن تقطع الرأس لكي يتهاوى الجسد كله، والدليل هو أن أكثر المعلقين الذين يفرحون بمقالات الأستاذ هم ممن يتصيدون الفرص لينكروا السنة جملة وتفصيلا، حتى أنني أكاد أجزم أنهم لا يقرؤون جميع ما يكتب، لأنهم حتى وإن قرؤوا فإنهم لا يفهمون ولن يفهموا هذه المباحث العلمية المعقدة، ومع ذلك فإن مقالاته تصادف هوى في نفوسهم فيتبنون ما تحتويه من أباطيل ما دامت تنتقص من الصحيحين، فإذا صار الصحيح ليس بصحيح فما بالك بالمسانيد والسنن والمستدركات وغيرها.

المقدمة الثالثة: التيارات الفكرية المعاصرة في دراسة السنة النبوية الشريفة

تعرض الدكتور محمد عبد الرزاق أسود في كتابه ” الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة النبوية في مصر وبلاد الشام ” إلى اختلاف العلماء والمفكرين المعاصرين في تقسيم تلك الاتجاهات، حيث يظهر ــ لي والله أعلم ـ أن خلافهم المذكور هو من قبيل الاختلاف اللغوي والاصطلاحي لا غير، لذا سأختار ما رجحه صاحب المقال الذي جعل هذه التيارات أربعة أقسام[10] :

الأول: اتجاه جمهور علماء الحديث

الثاني: الاتجاه السلفي

الثالث: الاتجاه العقلي وجعل من أبرز أعلامهم: جمال الدين الأفغاني و محمد عبده ورشيد رضا ومحمد شلتوت ومحمد عزة دروزة وغيرهم ممن تأثر بهم[11].

الرابع: الاتجاه المنحرف، الذي تمثله التيارات التغريبية والعلمانية والماركسية والحداثية [12].

وهذا ـ في اعتقادي ـ تقسيم علمي رصين يتفق مع الواقع أو يكاد، إلا أنني أظن أن هناك تيارا آخر يمكن إضافته إلى الاتجاه المنحرف، وهم أولئك الذين جعلوا من تضعيف ما في الصحيحين رسالتهم الأولى في الحياة، حيث يناضلون ويكتبون ويقاتلون ويستميتون من أجل بث سمومهم بين صفوف المسلمين، كما هو الحال بالنسبة لأبي رية  وزكريا أوزون وأحمد صبحي منصور وعدنان إبراهيم ومحمد هداية والبيطري ومن صار على شاكلتهم وقلدهم في المشرق أو المغرب، لأنهم جعلوا من البخاري على وجه الخصوص عدوهم الأول، وبالتالي فلا يمكن أن نضعهم في خانة من ذكرنا من العقلانيين الذين يضعفون بعض الأحاديث الواردة في الصحيحين معا أو في أحدهما اجتهادا منهم تارة ، وتأثرا بالواقع المحيط بهم تارة أخرى، فليست معركتنا مع من يضعف حديثا أو اثنين أو عشرة سواء في الصحيحين معا أو في أحدهما، إنما المهارشة والمناقشة، وأحيانا المفاحشة، مع من جعل من القدح في الصحيحين ديدنه والتسفيه منهجه، فمن كان هذا حاله وتلك طريقته فلا نشك في أنه يجب وضعه في خانة المنحرفين قطعا.

ونحن وإن كنا لا نوافق أصحاب المدرسة العقلية في كل ما ذهبوا إليه إلا أننا نلتمس لبعضهم العذر أحيانا فذلك مبلغهم من العلم، وهم لم يقصدوا ـ في اعتقادي ـ إلا تزيين صورة الإسلام وتنقيته مما شابه من خرافات العوام وشطحات المتصوفة، فخلطوا في اجتهاداتهم وأغربوا في آرائهم، متأثرين بالحضارة الغربية وبهرجتها التي أعمت عيونهم وأصمت آذانهم وعطلت عقولهم لما حصل لهم من انبهار بها و بزينتها .

المقدمة الرابعة: فسدت عقولهم فردوا سنة نبيهم

إن سبب الانحرافات التي تتعرض لها الأمة، والانزلاقات التي جرتها إلى المهالك، فسارعت في تقسيم جماعة المسلمين إلى فرق وأحزاب هو فساد عقول منتحلي تلك المذاهب حتى خرجت بهم عن جادة الصواب، فظهرت الخوارج والشيعة والقدرية وهم أصول الفرق الضالة، ثم نشأت المعتزلة وانتشرت فتنتهم بين الناس حين عطلوا صفات الله تعالى بدعوى مخالفتها لما دل عليه العقل.

فهم لم يعطلوا صفتي السمع والبصر مثلا إلا بعد أن شبهوا الخالق بالمخلوق، حيث قالوا: إن إثباتهما يقتضي المماثلة، وهذا نتيجة فساد عقولهم التي توهمت أن في إثبات هذه الصفات مشابهة كما ذكرنا، وبالتالي فليس هناك مخرج من هذا المأزق في نظرهم إلا ردها، على اختلاف بينهم في ذلك، تجده مبسوطا في كتب العقائد والفرق والنحل، فإذا سألتهم عن سبب ردهم لما وصف به الله نفسه في القرآن، أجابوك بأن ردهم لها غرضه تنزيه الباري جل شأنه من مماثلة الحوادث، فالنية في ظاهرها سليمة، لكن نتيجة فعلهم على عقيدة المسلمين كانت جد وخيمة.

فأين هو العقل في صنيعهم هذا حتى ينسبوا إلى التيار العقلي، حيث إنهم اختاروا الطريق المختصر والسهل، ولم يكلفوا أنفسهم عناء استخدام العقل لإثبات ما أثبته الله لنفسه كما يليق بجلاله وعظيم شأنه.

والمقصود من هذا المثال هو بيان وجه مشابهة ما يفعله القادحون في السنة، الرادون لها المعطلون لنصوصها، مع من عطل صفات الله تعالى، حيث إنهم لم يردوا تلك الأحاديث إلا بعد أن فسدت عقولهم وتعطلت حواسهم فردوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، كي لا يقلقوا خصومهم، وحكموا على أحاديث في أعلى درجات الصحة بالنكارة والشذوذ لا لشيء إلا لكونها لم تستسغها عقولهم، أو قل إن شئت عقول غيرهم، فسلكوا أيسر السبل لإرضاء المعترضين سواء كانوا من المسلمين الضالين كالشيعة أو من غير المسلمين كالنصارى والملحدين.

لهذا تجد صاحبنا ينقل توجيهات العلماء لتلك الأحاديث المشكلة عند من قلده، ثم لا يقبلها ويعرض عنها ويعتبرها من التكلف كما سنبين في ردودنا القادمة إن شاء الله.

فقل لي بربك، أي الفريقين أولى بنسبته إلى المنهج العقلي، أهم من يعطلونه ولا يستطيعون إعماله أمام الخصوم، فيستسلمون ويخضعون ومن دينهم وتاريخهم يستحون، أم الذين ينافحون ويجاهدون بالقلم واللسان للحفاظ على دينهم وسنة نبيهم، رافعين بذلك رؤوسهم لأن دينهم هو الدين الوحيد الحق في هذا العالم، ومنهجهم هو المنهج العقلي الوحيد الذي لا يعتريه التعارض ولا تلازمه الشكوك والظنون والتقلبات.

المقدمة الخامسة: ابن الأزرق بين تعطيل العقل وتقديسه

يلاحظ المطالع لمقالات الرجل أنه يقدس العقل البشري المعاصر تقديسا لا مثيل له، و لا أدل على ذلك قوله في مقال ” التهافت ” : ( ألا وإن العقل البشري تطور عما كان عليه زمن الحفاظ والمجتهدين بشكل هائل، بفضل الكشوفات العلمية وارتفاع سحابة الأمية، حتى أصبح المثقف العادي يميز بين الحديث المقبول، والخبر المرذول، بالفطرة وبدائه العقول) وقوله : ( إنه عصرنا وما بعده أيها العقلاء، ستكون البشرية أذكى وأعلم من الذين مضوا، وستفهم كلام ربها وسنة نبينا بسهولة حرموها، وسيظل الجامدون المتعصبون للماضي التليد بإسرائيلياته وتخرصاته، المعرضون عن أنوار العلم وكشوفاته، أغبى الناس … ).

لكنني في المقابل وجدت له مقالا قديما يعود إلى سنة 2005 يستدل من خلاله على ما تعتقده طائفته من جواز رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة عنونه ب ” ردا على رد في متاهات العدل والإحسان في ملفها الغيبي .. مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة أمر ممكن”، يعترف من خلاله بقصور العقل البشري عن إدراك وفهم بعض الظواهر والحقائق،  حيث قال في المقدمة الأولى: ( إن معارف العقل البشري محدودة بما توصله إليه الحواس الخمس….

فإذا أعلم بخبر لا تدركه تلك الحواس، حار أمره واضطرب رأيه، فانقسم إلى عقل معترف بالعجز، ماسك نفسه عن إصدار أي حكم، أو إلى عقل متكبر يسيطر عليه العجب والعناد، فينكر ما لا تعرفه حواسه ويجحد ما لا يدخل تحت طوقه.

إن العقل الأول عقل المومن، أو الكافر المتضلع من العلوم العصرية مع التواضع، فإن كثيرا، من الفيزيائيين وغيرهم من العلوميين، يقرون بأن العقل لا يمتلك القدرة على إثبات أو نفي ما لا تحصره حواس الإنسان.

وقد سلموا بهذه الحقيقة بناء على كثير من الفرضيات العلمية التي أنكرها كثير من “العقلاء” والعلوميين، ثم أصبحت أمرا بديهيا لا نزاع فيه، ككروية الأرض وحركة الشمس ..

وبناء أيضا على كثير من الظواهر الكونية المشاهدة، والتي يقف العقل عاجزا عن تفسيرها.

ينتج عن هذا أن الخوارق التي تنقل عن بعض الناس، ويستحيل إخضاعها للتجربة المخبرية، تقابل بالتسليم أو التوقف، أما إنكارها بدعوى عدم قبول العقل لها، فغرور وجهل مركب ).

وليته تعامل مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالأسانيد الصحاح وفق ضوابط علمية دقيقة بنفس هذا المنهج القويم الذي تعامل به مع خوارق تنقل عن بعض الناس الذين قد يلبس عليهم الشيطان في كثير من كراماتهم، فإما التسليم بما صح من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم كما يليق بجنابه الكريم أو التوقف، أما الرد والإنكار فهو غرور وجهل مركب كما صرح بذلك صاحبنا المهذب.   

المقدمة السادسة: ترديده لخرافة “عصمة ما في الصحيحين”

لقد أكثر صاحب تلك المقالات من تكرار عبارة ” عصمة الصحيحين ” كما هو الحال في مجموعة من كتاباته، أو ” مقدسو الصحيحين ” كما في مقال الانتحار، وهي دعوى باطلة لا تستقيم إلا في عقل صاحبها ومن قلد، أما تاريخ علماء الحديث وصنيعهم مع صحيح البخاري ومسلم يدل على عدم صدق هذه الدعوى، فكيف يكونان بهذه القدسية ثم تتوالى الكتب والمؤلفات التي تنتقدهما، كما هو الشأن بالنسبة لأبي علي الغساني في جزء العلل من كتابه تقييد المهمل، والدارقطني في ” الإلزامات والتتبع”، وكذا الحافظ أبو السعود الدمشقي، قال الحافظ : ( … وقد اعتنى أبو الحسن الدارقطني بتتبع ما فيهما من الأحاديث المعللة فزادت على المائتين.

ولأبي مسعود الدمشقي في أطرافه انتقاد عليهما. ولأبي الفضل بن عمار تصنيف لطيف في ذلك وفي كتاب التقييد لأبي علي الجياني جملة في ذلك)[13].

أضف إلى هؤلاء الإمامين الجليلين: ابن حزم وابن القطان الفاسي وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح، ثم توالت الدراسات والانتقادات والاستدراكات على ما في الصحيحين، ولا يزال الباب مفتوحا على مصراعيه لكل محدِّث متمكن، وما بحوث وكتب الشيخ الألباني عنا ببعيدة. فالنظر في الصحيحين وغيرهما لمن له الأهلية العلمية والقدرة العقلية والرسوخ في العلم لم ينكره أحد، بل إن رد بعض العلماء لحديث أو حديثين لا يعد أمرا مستقبحا، بل المستقبح ما يفعله خريج دار الحديث وأمثاله ممن ذكرنا في المقدمة الأولى حيث يجعلون من الصحيحين مرتعا لهم، محاولين إظهار الشيخين بصورة الغبيين الساذجين اللذين يصدقان الخرافات والأساطير، بل إن صاحبنا قد رمى الإمام البخاري بتعمد الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سأبين في مقدمة أخرى.

فلا عصمة عند علماء السنة لبشر أيا كان إلا للأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالبخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة بشر كسائر البشر يتصور في حقهم السهو والخطأ والزلل، بل إن ذلك من مقتضيات حكمة الله العزيز الحكيم، ليبقى سبحانه وتعالى المتصف بصفات الكمال التي لا يعتريها نقص، وبالتالي فليس هناك أصل لهذه المقولة التي ظل يجترها في جل مقالاته، ليصور نفسه في صورة البطل المغوار الذي أقدم بكل شجاعة على ما أحجم عنه غيره. فرجاء لا تكرر مثل هذه الترهات مرة أخرى فتضع نفسك في مثل هذه المواقف المحرجة جدا.

المقدمة السابعة: انتقاصه من علماء الملة سلفا وخلفا

رغم أن صاحبنا قد دافع عن هذه التهمة في مقال له بعنوان : ” تهافت صاحب القراءة المتهافتة” إلا أنه لم يزد الطين إلا بلة والمرض إلا علة كما يقال، فعباراته دالة على صدق ما عنونا به هذه المقدمة، ولو أردنا أن نتبع كلماته المصدقة لحقيقة هذه الدعوى لطال بنا المقام، فليت الأمر اقتصر على عبارة ” سذج المسلمين ” أو”سذج التابعين”، مع ما فيهما من سوء أدب مع المخالفين من السلف وإن كانوا مخطئين، بل إنه يصرح بأنهم ( أضعف منا عقولا، وأقل ذكاء وفطنة، فلا نطمئن لاجتهادهم ولا نسمع لقولهم في هذا الباب ) ـ هكذا قال ـ ، فالعلماء المتقدمون عند صديقنا سذج وأغبياء وأقل ذكاء وفطنة وطيبون ـ بمعنى مغفلون ـ بينما نجده مباشرة بعد الجملة المذكورة قبل قليل يثني على المعتزلة ويعلي من شأنهم قائلا: ( والحق أن بعض المسلمين العقلانيين كالمعتزلة، رفضوا تلك الخرافة، لكن الفقهاء عاندوا  ).

ولئن كانت عباراته تلك خاصة التي رددها في مقال “التهافت” من قبيل المتشابه الذي قد يحمل على حسن الظن عند بعض السذج، فإنه صرح في مقال آخر بما لا يدع مجالا للشك عن حقده الدفين لعلماء الأمة سلفا وخلفا، فقال في بحث له قلد فيه من ضعف حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم : ( والعلماء المتقدمون كانوا أبناء بيئاتهم ونتائج مستوى شعوبهم المعرفي، أي أنهم كانوا بسطاء ساذجين، يؤمنون بالخرافات والأساطير كيفما كانت، ويبنون عليها تفسيرهم لكلام الله تعالى، غير قاصدين التحريف والإساءة، بل ذلك مبلغهم من العلم والفهم.

والمفسرون الذين يقلدونهم اليوم، حمقى ومغفلون مهما كانت رتبتهم، ومهما جئتني باسم مفسر كبير فلن تردعني عن موقفي الصادم الصارم، وسأذكر لك خرافة ساقها الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين معتمدا عليها في تفسير آيات البقرة في السحر، ليطمئن قلبك، وتعذرني على لغتي القاسية أحيانا )هـ.

فهو يصرح هنا بأن المقصود بالسذج جميع العلماء المتقدمين حسب ما تقتضيه قواعد اللغة التي يطلب منا أن نتحاكم إليها، فإذا ارتقينا أكثر وحكمنا القواعد الأصولية التي تقتضي منا حمل المتشابه على المحكم، سيتبين من خلال كلامه الأخير أن جميع العلماء سذج يؤمنون بالخرافات كيفما كانت، فإذا أضفنا لذلك أنه يعترف بنفسه في نهاية المقطع عن استعماله للغة قاسية، رفع الخلاف وافتضحت نيته، وظهر للناس سوء طويته.

ولن أطيل أيضا في هذه المقدمة فقد ظهر الغرض منها وبان، وحصل للقلب بما نقلته آنفا الاطمئنان، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى كتاباته فهي خير دليل على صدق ما ادعيت.

والخلاصة عند صاحبنا: أن علماء السنة سذج مغفلون بينما المعتزلة عقلاء متنورون، فتنبه !؟. وهو لم يخترع هذا الرأي وتلكم الطريقة في السب والشتم من عنده إنما هي مدرسة يتوارثها أصحاب الفكر المنحرف الذين ينتقدون السنة ويطعنون في علماء الملة، كصنيع أبي رية والبيطري وأبي بكر صالح وزكريا أوزون وغيرهم. فهو يقلدهم ويسير على دربهم .

والغريب أنني وجدته في مقال له قديم ينكر على أحد المخالفين له عنوان المقال الذي خالفه فيه، وهذا نص كلامه ولنتأمل ونقارن: ( أولا: سمى مقاله هكذا “ردا على متاهات العدل والإحسان في ملفها الغيبي”.

فبدأ بالهجوم والمجازفة، واصفا شريحة عظيمة، تضم فئة من العلماء الصادقين بالتيه، وهو من لوازم الجهل والضلال ) انتهى كلامه. فنجده يحاكم صاحب المقال المشار إليه بلازم الكلام لا بصريحه ـ ومن المعلوم عند المحققين أن لازم القول ليس بقول في أغلب الأحيان ـ، بينما ينكر علينا محاكمته بصريح كلامه الذي لا يدل إلا على ما قلته وقاله من رد عليه قبلي، فتأمل !؟.

المقدمة الثامنة: تعالم صاحب الخرافات

كل من قرأ مقالات صديقنا ممن لا دراية له بعلوم الشريعة بشكل عام، والجدل الدائر حول السنة قديما وحديثا بشكل خاص، سيعتقد أن له قدم السبق فيما خطته يداه، والحال أنه مسبوق بمن ذكرنا ومن لم نذكر، ورغم أنه يشير في بعض مقالاته على استحياء إلى بعضهم كمحمد عبده والشيخ محمد رضا ومن المعاصرين عدنان إبراهيم ومحمد هداية خاصة في مقدمة مقالته المعنونة ب ” تنقيح صحيحي البخاري ومسلم ضرورة شرعية “، إلا أن عباراته في مواطن أخرى توحي بأصالته في اكتشاف هذه الترهات، ومن ذلك قوله  في المقال المعنون ب ” تهافت صاحب القراءة المتهافتة : ( وعندما نشرنا موضوع: “تنقيح صحيحي البخاري ومسلم ضرورة شرعية”، قابلنا بعض الطيبين بالرفض المطلق، وادعاء خلو الكتابين مما يستدعي المراجعة والنقد.

ثم لما صدمناهم بخرافة الانتحار المخرجة في صحيح البخاري تراجعوا خطوة ) هـ. فعبارة “صدمنا” بما تحمله من معاني النرجسية وتعظيم النفس، توحي بأنه اكتشف ضعف القصة بنفسه دونما واسطة وهذا عين التدليس، فكان الأولى أن يعبر بكلمة تدل على أن علماء الحديث منذ القديم هم أول من أشار إلى توهين هذه الزيادة.

إلا أنه وبكل أمانة قد أشار في مقال لاحق خص به زيادة الانتحار تلك على من سبقوه إلى تضعيف تلك الزيادة، فذكر منهم الشيخ الألباني رحمه الله واتهمه بالتقصير في البحث مع العلم أنني أكاد أجزم أن جل تلك الزيادات والاستدراكات التي استدركها على المتقدمين في هذا البحث قد استفادها من تخريج الشيخ الألباني للحديث في كتابه ” دفاع عن الحديث النبوي ” ص: 40 وما بعدها، و”سلسلة الأحاديث الضعيفة ” في موضعين أشار إليهما صاحب المقال الأول برقم 1052،والثاني برقم 4858، وسأبين صدق هذه الدعوى في مقال مستقل أنسف من خلاله بنيانه من القواعد.

والمقصود من هذه المقدمة أن الرجل متعالم مدع للمعرفة، ينسب إلى نفسه جهود من سبقه من العلماء المحققين منهم والمضللين، دون أن يكلف نفسه عناء ذكر الواسطة التي حصل من خلالها على المعلومة، لكي يوهم بعض المغفلين الذين يصفقون له معتقدين أنه باحث متمرس، والحال أنه قاصر متحمس.

وما ذكرته آنفا لا يعدو أن يكون مثالا فقط لما احتوت عليه كتاباته من نماذج أخرى سأبينها في ردودي القادمة إن شاء الله، وليت الأمر وقف عند هذه العبارة وغيرها مما ملأ به مقالاته، بل نجده يضع نفسه جنبا إلى جنب مع العلماء العظام، حيث قال في معرض رده على بعض منتقديه في مقاله ” تهافت صاحب القراءة المتهافتة” : ( وإذا كان شيوخه المتخصصون “قناعيس”، فنحن بفضل الله وكرمه لسنا أقل منهم شأنا ).

فإن قال قائل: إن هذا كان منه على سبيل ردة الفعل التي لا يحاسب عليها صاحبها لأن المقصود منها إغاظة الخصم، قلت: إن هذا العذر يكون مقبولا فيما إذا كانت المحاورة بينهما بشكل مباشر وجها لوجه، لأن المرء حينها يتحدث بتلقائية وقد يقول كلاما لا يقصد معناه ليثير حفيظة الطرف المقابل، أما وأن الرجل جالس في مكتبه أو في أي مكان آخر فإنه لا يكتب إلا ما يعيه عقله ويطمئن إليه قلبه.

ثم أردف القول لهذا الباحث الذي يسارع في تسفيه العلماء المتقدمين، ونسبتهم إلى التقصير في كثير من الأحيان: أربع على نفسك ولا تنتفخ انتفاخ الطاووس، وتتعالم تعالم التيس، فما غرك على مناطحة جبال العلم من الأئمة الكبار واتهامهم بالتقصير إلا المكتبة الشاملة، وضغطة على زر في حاسوبك، لتجد الحديث بجميع طرقه بين يديك، فأين هو عملك واجتهادك ونبوغك، بينما كان القوم يعتمدون على حفظهم أحيانا، وكثرة اطلاعهم وإدمانهم النظر في كتب المحدثين أحيانا أخرى، فلا تقارن نفسك بهم فتهلك.

ولن أطيل في هذه الجزئية فمقالاته المنشورة حبلى بعبارات مشابهة لما ذكرت آنفا، كلها تعالي وتعالم وادعاء للمعرفة كي يواري ضعف حجته وقلة بضاعته، وقصوره أو تقصيره في البحث العلمي كما سيتبين من خلال المقدمة ـ القاصمة التالية.

المقدمة التاسعة: تقصيره أوقصوره في البحث العلمي أو تدليسه

كثيرا ما يسارع صديقنا في رمي العلماء الأجلاء قديما وحديثا بالتقصير في البحث، رغم أنهم كانوا يستفرغون الوسع والطاقة في معرفة الحق، وقد تقرر أن من استفرغ وسعه للوصول إلى حكم شرعي مع استجماعه لشروط الاجتهاد، ثم جانب الحق وخالف الصواب لا ينسب إلى التقصير عند الأصوليين، بل يعتبر اجتهاده اجتهادا كاملا مأجورا عليه، كما دلت على ذلك نصوص السنة النبوية الصحيحة.

والذي لا يستحضره البعض، أن العلماء قديما كانوا يعتمدون غالبا على حافظتهم القوية، ويخالطون الكتب مباشرة، ويديمون المطالعة والمدارسة، ويأخذون العلم من معينه مشافهة، لا عن طريق المكتبة الشاملة والعلامة “كوكل ” كما يفعل بعض الباحثين المعاصرين المتبجحين.

ومع ذلك، ورغم استعمال علامة عصره ونبيه زمانه لكل هذه الوسائل التقنية الحديثة، نجده يجافي الصواب في كثير من الأحيان، ويكون الحق مع المخالف كما سأبين من خلال ردودي العاتية فيما سيستقبل من الأيام بإذن الله.

وبما أن المقام لا يتسع لكثرة الأمثلة، فسأكتفي بنموذج واحد حاول من خلاله أن ينطح جبلا فلم يضره وأَوْهى قرنه الوعِل، وذلك حينما نسب التقصير للشيخ الألباني رحمه الله في حكمه على ضعف زيادة محاولة انتحار النبي صلى الله عليه وسلم، فقال في معرض ذكره لمن ضعف تلكم الزيادة ــ وهو الحق ـ : ( العلامة الألباني في “دفاع عن الحديث النبوي1/40، والضعيفة3/160 و10/ 450 وحكم عليها بالنكارة والبطلان، وضعفها بالانقطاع ومناقضة أخلاق النبوة.

لكن الشيخ زعم تفرد معمر بن راشد بها، وهو مقصر في البحث، ثم إنه نسي حكمه عليها بالبطلان، فأوردها في “صحيح السيرة ص88” من غير تنبيه ولا تحذير ) اهـ.

قلت: بل إن صنيعك هذا لا يخلوا إما من تقصير أو تدليس، حيث نسجل لك هنا ثلاثة أخطاء وقعت فيها، أحدها بسيط يغتفر لكنه مستقبح مستهجن، والآخران يضعانك في مأزق لا مخرج لك منه ولا مفر.

فأما الأول: ذكرت بأن تضعيف الشيخ للحديث في كتابه “دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ” وهذا حق لا ريب فيه، لكنك حينما أشرت إلى الصفحة وضعت أمامها الجزء أيضا  1/40 أي الجزء الأول الصفحة 40، والكتاب أصلا من جزء واحد لا أكثر. فتنبه رحمك الله في المرة القادمة وانظر في بطاقة الكتاب من المكتبة الشاملة قبل أن تحيل إليه كي لا تنسب للتقصير.

وأما الثاني: فقولك: ( لكن الشيخ زعم تفرد معمر بن راشد بها، وهو مقصر في البحث ).

قلت: بل أنت المقصر، وأما الشيخ رحمه الله فبريء من ذلك، وهذا نص كلامه الذي تكاسلت عن قراءته، أو لم تطلع عليه أصلا وإنما نقلته مبتورا عن غيرك : ( ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين:

الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة

الأخرى: أنها مرسلة معضلة فإن القائل: (فيما بلغنا) إنما هو الزهري … )[14] . فتأمل حفظك الله ولا تستعجل فتندم.

وأما الثالث: فقولك: ( ثم إنه نسي حكمه عليها بالبطلان، فأوردها في “صحيح السيرة ص88” من غير تنبيه ولا تحذير ).

وليس الأمر كما زعمت، بل إن الشيخ كعادته يحيل القارئ أحيانا إلى كتاب يكون قد بسط فيه القول في الحديث حتى لا يكرر المباحث نفسها، وهذا ما فعله هنا حيث قال : ” رواه البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه وتكلمنا عليه مطولا في أول (شرح البخاري) في (كتاب بدء الوحي) إسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة

وأخرجه مسلم في (صحيحه) وانتهى سياقه إلى قول ورقة: (أنصرك نصرا مؤزرا) )[15].

فمن المقصر أو القاصر أو المدلس هداني وهداك الله وألهمنا الرشد والصواب، فتريث ولا تتسرع في إصدار الأحكام على العلماء قديما وحديثا، وأكمل قراءة الجمل إلى نهايتها ولا تتعجل، لكي لا تضع نفسك في مواقف محرجة ليس لك منها مهرب، وتحصر نفسك في زوايا ضيقة ليس لك منها مخرج.

وهذا الذي ذكرت نموذج واحد فقط من بين أمثلة أخرى تسرع فيها صاحبنا في تخطئة أسود علم الحديث، فإذا بالصواب يكون معهم، لكن سوء فهمه لكلام المتقدمين وطرائقهم في التأليف يحمله على مثل هذه المجازفات المميتة.

خاتمة الجزء الأول:

وهنا ينتهي الجزء الأول من سلسلتي هاته، والذي اشتمل على شيء من معالم تنير لنا الطريق حول شخصية ومنهجية خريج دار الحديث الحسنية المذكور، وسيعقبه بإذن الله الجزء الثاني الذي سيحتوي بدوره على مجموعة من المقدمات الضرورية التي تجيب على الكثير من التساؤلات المهمة، من بينها: ما حقيقة مذهب ابن الأزرق من خلال صريح كلامه؟، وهل يراعي في مقالاته أدب الحوار وضوابطه ؟، وما صدق دعوى الكاتب بتمذهب البخاري ومسلم وتقليدهما لغيرهما ؟، وما منهجيته في تفسير القرآن الكريم والتعامل معه؟، وما رصيد الباحث في علم الحديث وهو الذي أكثر من إخراج الطرق والروايات ؟ وما قصة تعمد البخاري التستر في رواية الحديث؟، كونوا معنا في باقي أجزاء هذه السلسلة لنتابع معا قصة سقوط إمبراطوريته التي شيدها من العجين…

وإلى ذلك الحين هاهو صاحب المقال يحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه: منير المرود

خريج دار الحديث الحسنية

elmaroud@gmail.com

[1]  ـ رواه الإمام أحمد في المسند برقم 17174، وصححه الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط: 1 سنة: 2001.

[2]  ـ وانظر السنة ومكانتها في التشريع للشيخ مصطفى السباعي ص: 143 وما بعدها. طبعة المكتب الإسلامي ط 3 سنة 1982 بيروت.

[3]  ـ أنظر كتاب الأم 7 ـ 287 دار المعرفة بيروت طبعة 1990.

[4]  ـ السنة ومكانتها في التشريع ص : 149,

[5]  ـ الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ص: 133، دار الآفاق الجديدة ط: 2 سنة 1977.

[6]  ـ أنظر كتاب الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة النبوية في مصر وبلاد الشام ص: 477 وما بعدها .

[7]  ـ أنظر كتاب رياض الجنة في الرد على المدرسة العقلية ومنكري السنة للدكتور سيد العفاني ص: 12 وما بعدها ، دار العفاني ط 1 سنة 2006.

[8]  ـ أنظر الرد القويم على المجرم الأثيم للتويجري 1 ـ 1، ط 1، 1403 هـ. الناشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض – المملكة العربية السعودية.

[9]  ـ هذا الترتيب الذي ذكرته هنا لا يراعي التسلسل الزمني للأحداث كما لا أقصد منه الاستقراء.

[10]  ـ أنظر كتاب الاتجاهات المعاصرة في دراسة السنة النبوية في مصر وبلاد الشام للدكتور محمد عبد الرزاق أسود ص: 47 وما بعدها، دار الكلم الطيب ، ط: 1 سنة 2008.

[11]  ـ المصدر نفسه ص: 477 وما بعدها .

[12]  ـ المصدر نفسه ص: 573 وما بعدها

[13]  ـ النكت على ابن الصلاح 1 ـ 381 المكتبة الشاملة.

[14]  ـ دفاع عن الحديث النبوي ص: 41.

[15]  ـ المصدر نفسه ص: 87.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz