سلسلة الدروس الرمضانية لهذه السنة الحلقة الأولى ” خيرية عبادة الصيام ” الحلقة الأولى

17732 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 30 يوليوز 2012م، الموافق ل 10 رمضان 1433ه، 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من المعلوم أن الله عز وجل خلق الإنسان عن محبة، والدليل على هذه المحبة أنه خلقه في أحسن تقويم، وأحاطه  بما لا يعد ولا يحصى من النعم الظاهرة والباطنة. ومن نعم الله عز وجل على الإنسان نعم العبادات التي تلعب دورا كبيرا في توفيق هذا الإنسان على مستوى المعاملات التي هي موضوع اختباره في هذه الحياة.

فمن حسنت عباداته وفق في  معاملاته. وإذا كانت العلاقة بين البشر تقوم على أساس المصلحة المتبادلة، وهو ما جعل رسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى تبادل الهدايا من أجل حصول المحبة فيما بيننا بقوله : ” تهادوا تحابوا ” فإن  العلاقة بين الخالق سبحانه  والمخلوقات البشرية مع أنها علاقة محبة فإنها لا تقوم على أساس المصلحة المشتركة، إذ ليس لله عز وجل مصلحة عند خلقه، وهو الغني عنهم والقيوم والمكتفي بذاته والقيوم عليهم أيضا.

وكما أن البشر في حال تبادل الهدايا بينهم لا يرضون من بعضهم البعض ابتذال هذه الهدايا بحيث يغضب الواحد منهم إن لم تقبل هديته أو تبتذل، وهو ما جعل سيد الخلق صلى الله عليه وسلم  يقبل الهدية ولو كانت كراعا، فإن الله عز وجل لا يقبل أن تبتذل نعمه وهي هداياه للبشر. وابتذال نعم الله عز وجل من قبل البشر يكون بنكرانها وعدم  شكرها. والشكر المطلوب في نعم الخالق سبحانه ليس شكر اللسان، بل هو حسن التصرف  فيها وفق إرادته ومشيئته.

فمن استخدم نعم الله عز وجل في غير مرضاته كان جاحدا بها  ومبتذلا لها. وإذا ما عدنا إلى نعمة عبادة الصيام  نجد الله عز وجل يحدثنا في كتابه الكريم عن خيريتها  فيقول جل من قائل : ((  وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون )) بعد ذكر افتراض الصيام على أمة سيدنا محمد على غرار افتراضه على الأمم السابقة، وبعد ذكر أصناف الصائمين من مرضى ومسافرين  وعجزة، وقد خفف عن كل هؤلاء إما بتأجيل الصوم أيام أخر أو بفدية تسد مسده. وذكر خيرية الصوم يجعل الإنسان يتساءل كيف يكون الخير في حرمانه من الشهوات أكلا وشرابا و وقاعا؟ ومتى كان الخير في الحرمان ؟ ومباشرة بعد ذكر خيرية الصيام يقول الله عز وجل : (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان )) فكأن كلام الله عز وجل هذا يجيب ضمنيا عن تساءل الإنسان عن طبيعة الخير في عبادة الصيام حيث تتزامن هذه الطاعة مع نعمة كبرى وهي نعمة القرآن الكريم المتضمن لهداية البشر.

وهكذا تكون نعمة عبادة الصوم بمثابة شكر لنعمة القرآن. والقرآن نفسه يكشف عن خيرية نعمة الصوم  في قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ))  فكلمة لعل حرف مشبه بالفعل يستخدم للدلالة على رجاء المحبوب أو الاشفاق من المكروه، فالصوم يرجى منه تقوى الله وفي هذا خير كثير. كما يقول الله عز وجل في سياق الحديث عن نعمة الصيام : ((  ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون )) فهنا  جاء التنصيص على شكر نعمة القرآن واضحا  حيث يرجى من إكمال عدة الصوم شكر الله عز وجل على نعمة القرآن، وفي هذا خير أيضا. ومن خيرية نعمة الصيام أن جائزته عند الله عز وجل هي مغفرة ما تقدم من ذنب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من صام رمضان  إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ”  وقوله أيضا: ” من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ” ومعلوم أن الإنسان يقترف من الذنوب الشيء الكثير طيلة حول كامل لأنه في الغالب لا يلقي بالا لهذه الذنوب التي تجتمع عليه كما يجمع الحاطب الحطب، وهذا ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ذات يوم أصحابه أن يحتطبوا له، ففعلوا وجمعوا كومة من حطب فسألهم: ” أتدرون ما هذا؟ ” فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: ” هكذا تجتمع الذنوب أو المعاصي على العبد ” أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

فالإنسان يقع في المعاصي يوميا بكل حواسه  حتى أنه يفوه بالكلمة من سخط الله تهوي به سبعين خريفا في جهنم، أو يفوه بالكلمة من رضوان الله ترفعه عند الله درجات كما جاء في الأثر. والإنسان في الغالب لا يقدر حجم ذنوبه لأنه لا يملك المثقال الصحيح الذي يزنها به كما هو شأن خالقه سبحانه. ففي حساب البشر على سبيل المثال أن سجن هرة  عمل بسيط مع العلم أنه في حساب الله عز وجل الذي يزن بمثقال الذرة عمل يستوجب دخول جهنم، كما أن  سقاية كلب عطشان قد لا يلقي لها الإنسان بالا مع أنها عمل يدخل صاحبه الجنة.

فكم من أعمال يقترفها الإنسان في حجم سجن الهرة، وهو لا يلقي لها بالا؟ ولهذا من خيرية الصيام أنه يأتي على كومة المعاصي فيذيبها وفي ذلك خير كثير. ومن خيرية الصيام أيضا أن الإنسان يستعيد به آدميته المكرمة حيث يتمكن من التحكم في شهوتي البطن والفرج، وهو ما لا يستطيعه غيره من البهائم والأنعام التي تشاركه هاتين الشهوتين. فالتكريم الذي حظي به الإنسان مع أنه حيوان بحكم شهوتي البطن والفرج هو العقل الذي يجعله يتحكم في الشهوتين .

وبتحكم الإنسان من خلال عبادة الصيام في شهوتيه، فإنه يغلب صفة الخير المتأصلة فيه على صفة الشر الطارئة عليه، لهذا جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ”  وبيان هذا الحديث أن نقط ضعف الإنسان تكمن في شهوتي البطن والفرج، لهذا يؤتى من قبل الشيطان من هاتين الشهوتين.

ولما كانت عبادة الصوم تقوم على أساس تحكم الإنسان  في هاتين الشهوتين، فإن الشيطان عدو الإنسان يعدم استغلال نقط ضعفه، ويكون في حالة المصفد، كما أن تحكم الإنسان في شهوتيه يجعله يستعيد طبيعته الخيرة والمطيعة لخالقه، فتكون الجنة أقرب إليه من النار. ولو تأمل الإنسان كل الجرائم التي يقترفها من قتل وسرقة وسطو ورشوة وظلم إلى غير ذلك من الشرور لوجدها متعلقة بقضية إشباع  شهوتي البطن والفرج، حيث لا يقتل القاتل إلا من أجل طعام أو شراب أو وقاع في الغالب، كما أنه لا يرتكب غير ذلك من جرائم إلا لنفس السبب.

وفي تحكم الإنسان في شهوتيه عن طريق طاعة الصيام خير كثير. في الأخير لا بد من الإشارة إلى كيفية شكر نعمتي الصيام والقرآن. أما شكر نعمة الصيام فيكون بحسن التصرف فيها، وحسن التصرف فيها هو ترك ما يفسد الصيام لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه ” فالزور هو كل باطل مهما كان، فالأصل في الصوم أن يجعل الإنسان خيرا كما خلق، فإن لم يتحقق هذا الهدف فإن صيامه مجرد جوع وعطش بلا فائدة.

وأما شكر نعمة القرآن  فيكون عن طريق صلاة القيام في ليالي رمضان من أجل استعراض القرآن الكريم، وذلك لقياس الإنسان المسافة التي تفصله عن أخلاق القرآن. فالمعلوم أن القرآن الكريم بهدايته وتوجيهاته يجعل الإنسان على خلق عظيم كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحقيق درجة الخلق العظيم تقتضي الالتزام الكامل بأوامر ونواهي هذا القرآن .

وشكر نعمة القرآن إنما هي هذا الالتزام الكامل وإلا كان الحال بالنسبة لمن لا يشكر نعمة القرآن كحال من لا يشكر نعمة الصيام، ذلك أن الذي لا يدع قول الزور والعمل به جاحد لنعمة الصيام، كما أن الذي لا يلتزم بأخلاق القرآن جاحد لنعمة القرآن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رب تال للقرآن والقرآن يلعنه ”  حيث يكون القرآن حجة على الذي  يقرؤه ويستعرض أوامر ونواهيه فلا يأتمر ولا ينتهي. والخسارة كل الخسارة أن يمر شهر الصوم بطاعة الصيام   وطاعة القيام، فيضيع الإنسان ما فيه من خير، وعلى رأس الخير جائزة المغفرة والعتق من النار.

ومما جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمن يوما ثلاثا وجبريل عليه السلام يدعو، فلما سئل عن تأمينه أجاب: ” قال جبريل من حج ولم يغفر له فلا غفر الله له، فقلت آمين، ومن أدرك أحد والديه ولم يغفر له فلا غفر الله له، فقلت آمين، ومن أدركه رمضان ولم يغفر له، فلا غفر الله له، فقلت آمين “. نسأل الله عز وجل الذي بلغنا رمضان ألا يحرمنا من جائزة المغفرة كما نسأله وهو الذي لم يقنطنا من رحمته بقوله: (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم  )) أن يغفر ما تقدم وما تأخر من ذنبنا  فلا نلقاه إلا وقد طهرنا من ذنوبنا كما يطهر الثوب الأبيض من الدنس، وأن يغسلنا  منها بماء وثلج وبرد. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سلسلة الدروس الرمضانية لهذه السنة الحلقة الأولى " خيرية  عبادة الصيام " الحلقة الأولى
سلسلة الدروس الرمضانية لهذه السنة الحلقة الأولى ” خيرية عبادة الصيام ” الحلقة الأولى

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz