سلاحف المجالس العلمية وأرانب داعش / رمضان مصباح الإدريسي

364946 مشاهدة

 وجدة البوابة: رمضان مصباح الادريسي/سلاحف المجالس العلمية وأرانب داعش 

إن حضور قرابة الألفي مغربي ضمن مقاتلي داعش ،في العراق وسوريا،يطرح على المجالس العلمية المغربية سؤال فعالية التأطيرالديني التربوي ،الذي أوكل إليها ؛باعتبارها أذرعا معرفية شرعية لإمارة المؤمنين ،السنية الأشعرية عقيدة،المالكية مذهبا فقهيا ،الجنيدية تصوفا.

ثالوث ديني صهره التاريخ المغربي ،في تفاعل مع جغرافية الثغر الغربي ؛ اللصيق بالعالم المسيحي،في التصنيف القديم ؛والاتحاد الأوروبي الحداثي ،كما يصنف اليوم.

المفروض في هذا الظرف الدولي الحرج ،الذي لم يعد فيه هامش للصبر على صولة الإرهاب ،العابر للأوطان،والمؤسس لكيان نشاز خارج المنظومة الدولية ،وخارج التاريخ؛ألا يشتغل،تأطيريا ،ضمن حدود إمارة المؤمنين غير هذا الثالوث.

حينما يكون الأمن الروحي للمواطنين مهددا؛وحينما تترى البراهين التي تؤكد أن للتيارات التكفيرية المقاتلة ،مرجعيات عقيدية وفكرية محددة ،يعتمدونها بوثوقية تامة ؛ وهي مرجعيات مدعمة ماليا وإعلاميا ؛لا مجال للحِجاج المستند إلى الحق في حرية المعتقد والتعبير، المكفولين دوليا.إن الأسبقية للحق في الحياة والأمن الروحي،كما تُعَرفه الدولة.

واعتبارا لنفس الظرف ،وصدا لكل الطموح الإرهابي – الداعشي بالخصوص- و الذي علَّلْتُهُ في مواضيع سابقة ؛يجب أن تنكب المجالس العلمية باستعجال – مؤطرة بالمجلس العلمي الأعلى- على نموذج للاشتغال التربوي ،يحقق المسافة الصفر بينها وبين الشباب المغربي،بالخصوص. نموذج يعزز التصور المغربي المتكامل لتجفيف منابع الإرهاب الدولي ؛والذي عُرض أخيرا على اللجنة الأممية المختصة؛بعد أن قطعت الدولة شوطا مهما في تبيئته مغربيا وإفريقيا.

ليس في نيتي الانتقاص من الدور الحالي للمجالس العلمية –وهي غير منتخبة ديمقراطيا ،وهذا من عللها البنيوية- لكنني أراه دورا خاملا،بطيئا، لخمول الشريحة العمرية المُسنة التي تنشط وسطها. طبعا من حق هذه الفئة من المواطنين أن تستفيد من الخدمات التأطيرية لهذه المجالس ،كما تستفيد من خدمات طب الشيخوخة ؛لكن الإرهاب شابّ مفتولُ العضلات والتكفير،شاكي السلاح،وحتى خريج نوادي في شتى رياضات المصارعة.

هذه الكتائب المغربية الموجودة حاليا في الخطوط الأمامية للقتال ،في العراق وسوريا،لم تولد داعشية ،وإنما دُعِّشت في غفلة من مجالسنا العلمية الرسمية ،وعلمائنا ،وفقهائنا ،و حتى أساتذتنا ؛في الوطن كما في المهجر.

يقوم هذا دليلا على أن الإرهاب الأسود لا يسلك،مُستقطبا، نفس السبل التي يسلكها العلماء البيض (ذوو الجلابيب البيض).إن أمراض الشيخوخة- خصوصا شح التستوستيرون والأدرنالين- ومتطلباتها الروحية ،في خريف العمر، لاتهمه إطلاقا.أغلب نشاط مجالسنا العلمية يقع في زوايا الشق الثاني ؛حيث لا يوجد خطر أصلا .

يبحث الإرهاب عن فرسان حسان بن ثابت:

يُبارِينَ الأسِنةَ مُصغِيات *** على أكتافها الأسَلُ الضِّماءُ

ضماء الى كل ما حُرموا منه في أوطانهم ؛بما في ذلك التنشئة الاجتماعية السليمة والمتكاملة؛وليس الدينية فقط؛كما تتوهم مجالسنا العلمية ،فتخطئ الطريق إلى الهدف الذي من أجله تستهلك نصيبها من المال العام.

قرأت أخيرا كلاما دالا لأحد خطباء وكتاب وجدة ،القريبين من مجلسها العلمي؛يقارن فيه بين مكان المصلى بالمدينة ،يوم العيد ،وقد ضاق بحشود المصلين ؛وبين المكان إياه ،حينما كان ،ولأيام،ركحا لأغاني “الراي” وجلبةَ ورقصَ الغاوين.

طبعا لا ينتظر من الخطيب الكاتب– سيرا على نهج مجالسنا العلمية- أن يبحث له عن مسلك- عدا التقريع- الى عقول شباب الراي ؛ليطمئنوا إليه،ولا ضرر حتى في مراقصتهم،تأليفا لقلوبهم ؛على النهج التربوي للكثير من الأئمة و السلف الصالح. ليس المطلوب هنا ثنيهم عن “الراي”،إذ لم يحرمه نص،وإنما إزاحة الوهم المعشش في العقول ،والذي يجعل من المسلم الملتزم إنسانا متجهما بالضرورة ،مكفرا للمجتمع؛وكل همه تصيد الزلات ليرتاح لاختياره.

لقد سبق أن ذكرت أن قتل عمر الكافر ،كان سَيُخْسِر الأمة في عمر الصحابي والخليفة. ومن هنا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالهداية لأحد العمرين.وسبق أن فاتحت فقيها في قبيلتي متسائلا:لماذا يتجهم القرويون في حضورك؛وهم أهل نكتة وضحك؟لو كان يستطيع أن يجيب لما هجر المرح أماكن تواجده.إن ثنائية المقدس والمدنس ،كما تبرز في مثال المصلى،هي الضابط أوالمعيار الذي يحكم أداء كل المجالس العلمية.

لا تعنيها مساحة “المدنس”،كما تفهمه؛وتسعى جاهدة لكي تلازم المقدس لا تبرحه.

هنا بالضبط تبرز الحدود الفاصلة بين منهجيتين متباينتين:منهجية الاستقطاب الإرهابي الأسود ،ومنهجية الاستقطاب الأبيض.

تشتغل داعش ،حاليا، ضمن مساحة المدنس ،حيث لا تواجد للمجالس العلمية.تبحث عن شباب وليس عن شيوخ.عن متذمرين من أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية،وليس عن فئة المتقاعدين مثلي،المرتاحين والهادئين.

تبحث عن الطبع الدموي الثاوي في النفسوس ،وعن أحلام البطولة،والأقدام الخشنة ،المستعدة للمشي فوق الجماجم.ثم تبحث عن احتياطي التيستوستيرون، الذي يفهم جيدا ماذا يعني سبي العذارى ،وزيجات الليلة الواحدة،وحتى الثلاثين دقيقة.

لا شك أن كل هذا لا يقع خارج مساحة المدنس ،حيث لايوجد غير علماء،كلما أنهوا نقاشا فقهيا ،ودونوه ،رجعوا بالعداد الى الصفر ،لمعاودة نفس الرحلة الى نفس الهدف،أو اللاهدف. (نقاش الإرث في زمن الغنيمة والسبي).ونقاش المساواة في زمن الاسترقاق والبيع.

خرج من فوهة البركان الشرقي ديناصور “الخلافة”،ومجالسنا لم تبرح بعد نقاش البدايات ،في كل مجالات الشريعة ؛وكأن المغاربة ينسون اسلامهم نياما ،ليستيقظوا على اعتناق جديد ،وفتاوى جديدة.

بقدرما أرتاح،كغيري من المواطنين، لجهود الأجهزة الأمنية المختصة في إسقاط شبكات الاستقطاب، التي تخدم أجندة إرهابية خارجية ؛بقدر ما أتمنى أن يكون هذا الإسقاط بمدلول معرفي تربوي،تقوم به –مع غيرها- مجالسنا العلمية.

ليتحقق هذا الأداء لا بد من إعادة النظر في بنية ومنهجية هذه المجالس؛حتى تؤدي دورها في تجفيف منابع الإرهاب ،وتفكيك حواضنه الاجتماعية.

لايمكن لهذه المجالس أن تحيط بالظاهرة الاجتماعية –وليس الدينية فقط- وتفهم الدينامية المتحكمة فيها ؛و أغلب زادها معرفة شرعية تكاد لا تُصنف زمنيا.إننا بحاجة إلى مجالس للتأطير الاجتماعي ،والمواطنة،وليس،فقط، إلى مجالس علمية ،بالمفهوم الذي يعطى للعلم فيها.لم يعد المجتمع بحاجة الى العالم النحرير،وإنما الى فكر التنوير والتحرير.

إن التشكيلة الحالية لهذه المجالس لا يحضر فيها المواطن الشاب، غير العالم،والطبيب ،المهندس ،الفنان،رجل الأمن ،المحامي،الأستاذ، وغيرهم من الفاعلين المخالطين للمجتمع.

إن المجالس العلمية غير حاضرة في أنشطة الشباب ،غير الدينية؛ومن هنا التشرنق والانكفاء على الذات ،واعتبار أن لكل فئة مساحتها التي لا تتجاوزها. تتطور هذه القطيعة وتفضي الى تكون فئات مجتمعية بمطالب خاصة ،تبدوا خارج كل الجزر الدينية.وكأن تعالي الخطاب الديني الرسمي يستدعي خطابا شبابيا منفلتا وصادما.(الافطار،المثلية،القبل الساخنة علانية،وحتى “ياك ديالي”.

لاضرر هنا من الاستفادة من مناهج المبشرين المسيحيين،الذين لايجدون لرسالتهم معنى، خارج الشرائح الاجتماعية الأكثر حاجة؛وصولا الى الأدغال ومحاجز الجذام.

لقد رأينا كيف شاركت راهبة شابة في برنامج تلفزيوني اطالي للرقص.لقد انبهر الجميع لأدائها ،وكان البابا من المباركين المهنئين.

ويحضرني هنا مثال مشابه،من الوطن، لأستاذ للتربية الإسلامية،كان يترأس فرقة مشهورة ل “أحدوس” ؛ورغم بعض الاحتجاجات المتهافتة على الدين ،لم أجد مبررا لتقييمه خارج أدائه التربوي بالمؤسسة.اليوم درس وغدا رقص.

إن مجالسنا العلمية لا توجد حيث توجد الحاجة.لايجد المواطن العالم حيث يرغب أن يكون. المواطنون ،وخصوصا الشباب،متروكون لمعاناتهم اليومية ،التي لايفهم فيها العالم؛وان فهم لا يقربها،إذ لا ترخيص ولا حظوة تعطاه ليرتبط به الناس . قارنوا مع القس “جاكار” في فرنسا ،حينما أقام الدنيا،منذ سنين، لأن الدولة فرطت في المتشردين ذات شتاء قارس؛وكانت النتيجة إيواؤهم على حساب بلدية باريس.

علماؤنا يوجدون حيث الوفرة والدعة والسكينة.

وعلى النقيض من هذا يوجد الاستقطاب الإرهابي حيث يوجد الفراغ؛وحيث تستقيل الدولة ،بجميع مجالسها ،وليس العلمية فقط.

حينما استمعت الى نقاش “كوطة العلماء” في البرلمان ،ألحت علي فكرة أكثر غرابة من هذه الكوطة الريعية،لهيئة لم تقو على مواجهة الاستقطاب الإرهابي:نعم لكن شريطة أن يرحل العالم، الراغب في البرلمان، الى داعش، ليعيد الى بيت الطاعة عشرة من شبابنا المغرر بهم يحاول ريعا أو يموت فيعذرا.في قصص الحيوان تسبق السلحفاة ،ولا أظن حكمتها تنفع مع أرانب داعش النزقة.

ramdanemesbah@yahoo.frramdane3.ahlablog.com

 

اترك تعليق

1 تعليق على "سلاحف المجالس العلمية وأرانب داعش / رمضان مصباح الإدريسي"

نبّهني عن
avatar
متتبع
ضيف
عجابا من الكاتب هل هوخريج القرويين أم خريج الكنيسة ؟ يدعو إلى الاستفادة من مناهج وطرق المبشرين المسيحيين ويضرب لنا بما يعتقد أنه المثل الأعلى في الدعوة بالراهبة التي شاركت فيبرنامج تلفيزيوني اطالي للرقص وكيف أن البابا الرجل التقي النقي بارط فعلها كاتبنا نسي دروس التربية الإسلامية لأنه كان يرتزق منها ، واليوم يريد أن يرتزق من الكنيسة ، وغدا ربما طلب الرزق من البعة وما هذا ببعيد عن من يقول : “” لاضرر هنا من الاستفادة من مناهج المبشرين المسيحيين،الذين لايجدون لرسالتهم معنى، خارج الشرائح الاجتماعية الأكثر حاجة؛وصولا الى الأدغال ومحاجز الجذام. لقد رأينا كيف شاركت راهبة شابة في… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz