سقوط أقنعة النخب المحسوبة على الفكر والثقافة والفن وتهافت آرائهم فيما يحدث بدول الربيع العربي

32871 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: جرت العادة أن تكون النخب المحسوبة على الفكر والثقافة والفن هي طليعة المجتمعات ، وهي محرارها الذي يقيس درجات حرارتها أو بالأحرى هي سلم ريخترها الذي يقيس هزاتها . وجرت العادة أيضا أن تعتبر الشعوب هذه النخب مرجعها الأول الذي ترجع إليه لتتحسس مواقفها في الأمور العظام ،وعلى رأسها الثورات التي تغير من واقعها . وما حصل في العالم العربي بعد ربيعه الذي أزهر في أقطار ، ولم يزهر في أخرى لعدة اعتبارات منها الوصاية الأطلسية خصوصا في المناطق الغنية بالثروات التي تعد ترياق الحياة الأطلسية ،هو سقوط أقنعة النخب المحسوبة على الفكر والثقافة والفن ، وانكشاف عوراتها أمام شعوب هذا الربيع مع استثناء قلة قليلة حافظت على لونها أو صباغتها كما يقول المثل العامي . ومشكلة هذه النخب هو تعصبها الإيديولوجي الذي أصمها وأعمى بصرها حتى صارت ترى الأمور مقلوبة. فالمعروف عن هذه النخب المحسوبة على الوعي هي أنها أول من يثور ضد الانقلابات العسكرية حتى في البلاد التي كانت لا تشم فيها رائحة الديمقراطية ، وكانت أول من يبادر إلى إدانة وشجب الانقلابات البيضاء والحمراء على حد سواء. أما حاليا فالنخب العربية المحسوبة على الفكر والثقافة والفن ـ يا حسرتاه ـ قد باركت الانقلاب العسكري بمصر في ظل تجربة ديمقراطية فتية ورائدة لم تعرف مصر ولا العالم العربي من قبل مثلها . وإذا كان الرعاع والسوقة والعوام تحكمهم عقلية القطيع ، وهي عقلية اندفاع وتبعية قد خدهم متزعم الانقلاب ، فلا عذر لمن يحسبون أنفسهم نخبا مثقفة . ومن يتابع هذه النخب عبر وسائل الإعلام يصاب بالدهشة حين يراها تتهافت على تأييد الانقلاب أكثر من تأييد العوام له . وإذا كان الجاهل يفعل بنفسه ما يفعل العاقل بعدوه ، فالغريب أن يفعل المحسوب على التعقل فعل المحسوب على الجهالة . وقع المحسوبون على الفكر والثقافة والفن والأدب عرائض لتأييد الانقلاب والاستبداد ، وأعلنوا ذلك بشكل انتهازي بطرق مخزية . ومارسوا النفاق على الطريقة السلولية ـ نسبة لعبد الله ابن سلول شيخ المنافقين في يثرب زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ـ حيث صارت فوضى الفلول والبلطجية المدعومة بعناصر الجيش والشرطة التي أمرت بخلع زيها العسكري والمشاركة فيها عبارة عن ثورة عند النخب المثقفة ، وغاب من قاموسها لأول مرة مصطلح ثورة مضادة . وباعتبار هذه النخب الفوضى المسيرة عمدا وعن قصد ضد العملية الديمقراطية بعد ثورة حقيقية ثورة أيضا يسقط قناعها ، وينكشف تهافت رأيها . فثورة يناير المصرية التي تبناها الربيع المصري كانت ثورة بالمعنى الحقيقي ، ولم يسجل فيها انقسام المجتمع المصري إلى فئتين كما حدث في فوضى حزيران يونيو . وحتى الجاهل الذي لا نصيب له من العلم يستطيع بفطرته أن يميز بين الثورة الحقيقية والفوضى الحقيقية ، وهو أمر لم ترد النخب المثقفة أن تقر به . وصار الانقلاب العسكري الواضح واضحة النهار عند النخب المثقفة استجابة للفوضى مشروعا ، و كما صار الانقلاب العسكري وهو جريمة في كل الأعراف الدولية خصوصا عندما يكون ضد الشرعية مبررا عندها ، بل باعت ضمائرها وأعلنت تأييدها المطلق له. والسر وراء ذلك التأييد هو أن هذه النخب وظفت سمعتها الفكرية والثقافية والفنية لخدمة إيديولوجيتها ، لأن الجهة صاحبة الشرعية لها إيديولوجية مخالفة لها . فالنخب التي وقعت العرائض لدعم فوضى ساحة التحرير وجريمة الانقلاب العسكري هي نخب ليبرالية أو علمانية الهوى ، وقد خسرت رهان اللعبة الديمقراطية أمام الإسلاميين ، ولم تستطع استساغة الهزيمة ، وانطلقت من أول يوم ظهرت فيه نتائج لعبة صناديق الاقتراع تسفه الديمقراطية التي كانت من أقدس مقدساتها . ولأول مرة في تاريخ البشرية سجل العالم كفر الليبراليين والعلمانيين في دول الربيع العربي بالديمقراطية التي تعطي الفوز للأحزاب الإسلامية . وطالما اتهمت النخب المثقفة الليبرالية والعلمانية في العالم العربي الإسلاميين أحزابا وجماعات بأنهم أعداء الديمقراطية . ولما دخلت الأحزاب الإسلامية اللعبة الديمقراطية معهم بشروطها ، وفازت صارت الديمقراطية عند المتشدقين بها باطلة لأنها لم تعطهم الفوز . وهذا منتهى الانحطاط الفكري عند النخب المثقفة . ولا يسجل مثل هذا الموقف المثير للسخرية إلا عند العوام والرعاع والسوقة . وعندما يصير موقف النخب المثقفة لا يختلف عن موقف العوام والرعاع والسوقة ، فذلك مؤشر على التخلف والتردي في وحله . وعندما نتابع التصريحات المخجلة للنخب المثقفة العربية مصرية وغير مصرية في وسائل الإعلام نصاب بالذهول . أسماء وألقاب ذات إشعاع فكري تصير مجرد دمى في يد عسكر تضيق آفاقه الفكرية بسبب طبيعة حياته العسكرية التي هي عبارة عن أوامر تصدر من الأعلى إلى الأسفل ، وتنفذ دون علم بخلفياتها أو دوافعها الخارجية والداخلية . وما علمنا للعسكر من فكر حتى في أرقى الدول وأكثرها تحضرا بله في دول التخلف الحضاري كدول الربيع العربي . كنا ننتظر من النخب المفكرة والمثقفة أن تظل وفية لفكرها وثقافتها ، وتشهد شهادة حق في طرف تختلف معه إيديولوجيا عوض أن تتخذ موقفا انتهازيا مكشوفا فتقف إلى جانب الانقلاب من أجل الانتصار لإيديولوجيتها . فالمفكر الحقيقي هو الذي ينتصر للحق ولو كان ضد هواه . ولو قالت النخب المثقفة إنها لا تتفق مع حكم الإسلاميين لأن منطلقاتها ليبرالية وعلمانية مخالفة للمنطلقات الإسلامية ، ولكنها تعتبر الانقلاب على الإسلاميين الفائزين في لعبة ديمقراطية ظلما لقبل منها موقفها ،وكان محل احترام وتقدير ، ولكنها مع شديد الأسف زورت الحقائق ، وقلبت الموازين من أجل الانتصار لإيديولوجيتها ،فصارت الفوضى في قاموسها ثورة ، وصار الانقلاب على الشرعية مشروعا ، وصار القتل والإرهاب مبررا ، فئس الفكر فكر النخب العربية المحسوبة على الفكر والثقافة والفن . ولقد سجل التاريخ هذا الموقف المخزي لهذه النخب مع استثناء الشرفاء الذين فضلوا الثبات على المواقف ، ولم يميلوا مع الهوى الإيديولوجي . ولم يقتصر سقوط قناع النخب المحسوبة على الوعي ـ ياحسرتاه ـ في بلد واحد من بلدان الربيع العربي ، بل سقط قناعهم من محيط الوطن العربي إلى خليجه ، فصاروا يغردون بلحن واحد قوامه الشماتة في الإسلاميين في كل قطر عربي . ومن الأمور المثيرة للسخرية والضحك أن تربص النخب الليبرالية والعلمانية بالإسلاميين قصد النيل منهم جعلتهم يغتنمون فرصة انقلاب العسكر في مصر من أجل الاقتداء بالفوضى التي ركبها هذا العسكر لتبرير انقلابه على الشرعية . وهكذا صرنا نسمع بحركات ما يسمى ” التمرد ” في أقطار عربية أخرى. بل من المضحك أن بعض هذه الحركات حاولت أن يتزامن تحركها مع تحرك الانقلاب العسكري في مصر طمعا في فوز لم يتحقق عبر اللعبة الديمقراطية ، وكان حالها كحال الديكة التي تؤلمها مؤخراتها عندما يبيض الدجاج . والتعصب للهوى الإيديولوجي جعل الحدود والخصائص والمميزات الفارقة بين دول الربيع تزول عند النخب المثقفة المتربصة بالإسلاميين . وهكذا صارت تونس والمغرب في حكم مصر عند هذه النخب المنساقة مع أهوائها الإيديولوجية . والمثير للضحك حقا عندنا في المغرب أن ربيعنا لم يكن ربيعا بالمعنى الحقيقي ، حيث يمكن تشبيهه بمحاكاة الصغار في لعبهم للكبار. وكعادتنا بررنا اختلاف ربيعنا عن ربيع غيرنا بالسلم ، وقلنا : الله يبارك ما شي مشكل ـ ما دامت نتائج الربيع المختلف واحدة ، وما يأتي بالعنف يأتي بالسلم إلا أن تشنج النخب الليبرالية والعلمانية ضد الإسلاميين تشنج واحد بالرغم من اختلاف شكل ربيعنا عن أشكال الربيع الأخرى. فمنذ أول يوم فاز فيه حزب العدالة والتنمية عندنا بالأغلبية لم يهدأ لليبراليين والعلمانيين بال ، ولم يستسيغوا فوزه ولا هزيمتهم . وبدأ التشكيك في قدرات هذا الحزب منذ أول ساعة فاز فيها ، وتوالى هذا التشكيك وتطور حتى صار عبارة عن اتهامات وتجريحات قصد تبرير إسقاطه ومصادرة حقه في الحكم مدته القانونية . ومعلوم أن سبب الربيع المغربي هو غضب الشعب من استشراء الفساد الذي ولد وترعرع في ظل حكم الليبراليين والعلمانيين لعقود متتالية ، إلا أن هؤلاء تنكروا لمسؤوليتهم عن الفساد عندما صار الأمر إلى حزب إسلامي ورث بلدا ينخره الفساد ، ومع ذلك قال المسؤولون عن الفساد لمن ورثه عنهم أنى لك هذا ولماذا وجد الفساد ؟ والكل يعرف المسرحية الهزلية التي عمدت إليها الأحزاب التي كانت تحكم الوطن قبل ربيعه حيث اقسمت إلى معارضة من خارج الحكومة ، وأخرى من داخلها من أجل الإجهاز على الحزب الإسلامي الفائز بالأغلبية عن طريق مؤامرة مكشوفة . ونفس الأحزاب التي كانت تحكم البلاد ، والتي أوصلت البلاد إلى هاوية الفساد، صارت أحزاب معارضة تندد بفسادها ، وتحمل مسؤوليته لحزب كل ما قدمه لهذا الشعب هو كشفه عن الوضعية الحقيقية للوطن ، وهي وضعية كان من قبله يسترها ويخفيها ، ويسوق للأحلام الكاذبة ، ويذر الرماد في العيون . وهكذا طبخت مسرحية مكشوفة قوامها اشتراك أحزاب من الحكومات السابقة في حكومة الإسلاميين لممارسة المعارضة من الداخل بغرض إسقاط الحزب الإسلامي وهي تقليعة غير مألوفة من قبل عند أمم الأرض قاطبة ، مقابل ممارسة أحزاب أخرى من الحكومات السابقة المعارضة من الخارج لنفس الغرض ، وهو إسقاط الحزب الإسلامي . وهكذا بدلت أحزاب الحكومات السابقة قيادتها ، واستبدلت حمائمها بصقورها من أجل تسخين الطرح كما يقول المثل الشعبي المغربي . ولم تكد هذه القيادات تتغير حتى بدأ الحديث عن انسحاب المعارضة من داخل الحكومة والالتحاق بالمعارضة خارجها من أجل خلق حالة الشرود للحزب الإسلامي ، وتسريع وتيرة انتخابات جديدة تجرب فيها أحزاب الحكومات السابقة حظها من جديد عسى أن تكون حيل التخلص من مسؤولية إفسادها للوطن قد انطلت على شعب من أذكى الشعوب يظن به المغفلون الغفلة . وتراهن أحزاب الحكومات الفاسدة السابقة على إلصاق مسؤولية إفسادها للوطن للحزب الإسلامي الذي كشف فسادها للشعب ،ووضعه أمام الأمر الواقع الذي كانت أحزاب الفساد تخفيه . ومن المثير للسخرية أن تراهن أحزاب الحكومات السابقة على الترهات من قبيل طريقة رئيس الحكومة في الحديث وما شابه ذلك من توافه الأمور التي لا تمس صميم مشكل الفساد الموروث عن فترات تلك الحكومات . وعوض أن تفكر تلك الأحزاب المسؤولة عن الفساد بشهادة شعب غضب وثار عليها ، وكاد أن يجعل ربيعه على غرار ربيع غيره ساخنا لولا سرعة الاستجابة لغضبه من خلال الإعلان عن دستور جديد واستحقاقات انتخابية في تغيير عقلياتها وتسريح قياداتها الشائخة والفاشلة والمسؤولة عن الفساد ،فقد فكرت في استبدال حمائمها بصقورها من أجل تصعيد الصراع مع الحزب الإسلامي . والمثير للسخرية أن تسخر بعض النخب المحسوبة على الفكر والثقافة عندنا أقلامها من أجل التمويه على مناورات أحزاب الحكومات السابقة قصد صرف الأنظار عن مسؤوليتها على الفساد أدبيا وتاريخيا . وتتفنن هذه النخب في تدبيج المقالات وبكثير من التقعر والتكلف من أجل إعطاء انطباع بأنها تحلل التحليلات العميقة ، وما هي سوى سخافات تعكس الأهواء الإيديولوجية المنفلتة من الهو بشكل فاضح في ظل فتور الأنا الأعلى بسبب ظروف الربيع المصري الذي أسقط كل الأقنعة في الداخل والخارج . ولمثل هذه النخب يقال : كان عليكم أن تختصروا على أنفسكم الطريق ، وتوفروا عليها الجهد والعناء ، وعوض التظاهر بعمق التحليلات عليكم القول ببساطة : ” لا نريد حكومات أحزاب إسلامية ” ولن نستغرب مثل هذا التصريح ممن خلفيته لا علاقة لها بالإسلام مع أنه يصر على نصيبه في الريع الإسلامي دون أن يستفيد الإسلام شيئا منه ، وما أكثر نسل ابن سلول في زماننا .

سقوط أقنعة النخب المحسوبة على الفكر والثقافة والفن وتهافت آرائهم فيما يحدث بدول الربيع العربي
سقوط أقنعة النخب المحسوبة على الفكر والثقافة والفن وتهافت آرائهم فيما يحدث بدول الربيع العربي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz