سبتة – مليلية: اعلان الولاء للمملكة المغربية

17759 مشاهدة

عبد الرحيم أريري / وجدة البوابة : رغم الفاجعة التي عاشها المغاربة بسبب أحداث العيون يوم 8 نونبر 2010، فإن هذه الأحداث تمثل امتحانا لعلماء السياسة ولعلماء الاجتماع ولعلماء النفس للجواب عن السؤال التالي: لماذا يخوض مغاربة سبتة ومليلية معارك ضارية لإعلان ولائهم للمغرب رغم أنهم في وضعية احتلال بينما يتجرأ بعض مغاربة الصحراء على إشهار ولائهم للجزائر ولا يترددون في المطالبة بالانفصال عن المغرب، علما بأنهم يعيشون في تراب محرر من الاستعمار وأغلبهم يتقاضى أجرته من الخزينة العامة؟!

فهل إصرار المغربي في مليلية وسبتة على التشبث بمغربيته راجع إلى رغبته في فرض هويته بحكم أن الإسباني المحتل يحتقره دوما ولو كان يحمل جنسية مزدوجة، في حين أن المغربي بالصحراء الذي يشهر الانفصال لم “يتكرفس” على الجنسية المغربية ولم يناضل من أجلها بحكم أن الدولة ظلت “تدلعه” منذ 1975 إلى اليوم؟ أم أن الأمر مرتبط بإيمان المغربي في سبتة ومليلية بأنه في أرضه (chez lui) وفي أرض أجداده بينما الإسباني هو مجرد محتل للمنطقة منذ القرن 15 ميلادي، وبالمقابل يشعر المغربي بالصحراء الذي لا يتردد في إعلان الانفصال بأنه متحلل من الولاء للمغرب بحكم أن المغرب هو الذي بحث عنه وأعطاه المال و”فششه”؟ سؤال لا يمكن الجواب عنه إلا إذا تبنت الدولة شعار: “لا بزولة بعد اليوم”.

فمن يعتز بمغربيته فأهلا وسهلا به، ومن يحتقر شعور المغاربة ويتنكر للمغرب فما على الدولة إلا ترحيله إلى خارج الحدود، إذ لا توجد دولة في العالم (بما فيها الجزائر وإسبانيا) تقبل بأن يبقى على ترابها من يدعو لتفتيت ترابها.

فالصحراويون الذي اختاروا المغرب عن قناعة واقتناع معروفون، والصحراويون الذين راجعوا قناعاتهم وعادوا من تندوف معروفون، ومن واجب المغرب – في إطار تكافل الأمة – أن تضمن لكل واحد من هؤلاء ظروف عيش كريمة تحترم آدميتهم، خاصة وأن هناك من الصحراويين من هو أكثر استعدادا للقتال من أجل المصلحة العليا للبلد مقارنة مع مسؤولين أغرتهم مكيفات الهواء في مكاتبهم في الرباط.

أما أن نترك المغرب رهينة حفنة من الأشخاص – قالت البلاغات الرسمية بأنهم مجندون من طرف المخابرات الجزائرية – فهذا ما يعتبر أكبر إهانة لنضج المغاربة.

إذ ما دور البوليس والمخابرات المدنية والمخابرات العسكرية والاستعلامات وأقسام الشؤون الداخلية وأجهزة الدرك التي تركت المغرب مثل جدار مثقوب يتسلل منه الموالون للجزائر لتهييج العيون؟

ما جدوى المجهود المالي الذي يتحمله المغاربة منذ 1975 لشراء السلاح وتمويل الاستخبار والتجسس إذا كان في استطاعة الجزائر أن تهدم في رمشة عين ما حققه المغاربة طوال عشرة أعوام من إشراقات (عدة دول سحبت اعترافها بالبوليزاريو، عودة مكثفة للصحراويين من تندوف، حصول المغرب على الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوربي، تحسن ترتيب البلد في سلم التنمية عالميا من 126 إلى 114، اعتراف دولي بحسنات طي صفحة الماضي رغم بعض التعثرات العالقة، قبول المغرب عضوا ملاحظا في الحلف الأطلسي وعقد هذا الأخير لأول دورة له خارج أوربا بالمغرب، ملاءمة قوانين المغرب مع التشريع الدولي، التزام المغرب رسميا بتحقيق أهداف الألفية بحلول عام 2015، توجيه المال العام للمشاريع المهيكلة الكبرى بدل بناء السجون السرية والمعتقلات الخفية كما كان في العهد السابق…).

إن ما حدث في العيون يذكرنا بما حدث في برشيد عام 1963 غداة ميلاد الفديك (جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية)، إذ عقب المواجهة الدموية بين اليسار آنذاك وأنصار رضا كديرة زعيم الفديك، اضطر باشا أولاد حريز ببرشيد آنذاك المرحوم الطاهر العلوي الاستعانة بالمخازنية والدرك والمقدمين والشيوخ لإخماد “الحرب” بين اليسار والفديك، فاختلط الحابل بالنابل وأصيبت قوات الأمن بجروح وإصابات عديدة دون أن تتوفق في تهدئة عاصمة أولاد حريز، فما كان من الباشا الطاهر العلوي إلا أن صاح غاضبا في المخازنية والدرك: “واش هادوك مكاحل (أي بندقيات) أو طعارج!؟”.

وهذا بالضبط ما ينطبق على فاجعة العيون التي أودت بحياة 11 فردا من قوات الأمن، حيث أن السلطات عوض أن تخجل بقيت تمطرنا بـ “تسونامي” من التصريحات المتباهية بعدم إطلاق الرصاص بالعيون على من كانت كاميرات الهيلوكبتر تصورهم يذبحون أفراد قوات الأمن، وكأن إطلاق قوات الأمن للرصاص مباح فقط لإخماد احتجاجات تلاميذ الدارالبيضاء ومراكش والريف وفاس، وكأن ثكنات الوقاية المدنية معدة فقط لتتحول إلى مقابر مجهولة لضحايا الناضور والبيضاء، في حين يتحول أفرادها إلى أكباش فداء أمام حفنة من عناصر البوليزاريو المدربة على يد الجزائر!!

فعلى من سنعتمد غدا لحماية المؤسسات العمومية بالصحراء، وعلى من سنعتمد لحماية أرواح المغاربة وممتلكاتهم هناك إذا كانت الدولة تتفرج أمام من وصفتهم بأنهم عملاء للجزائر؟ لدرجة أن الوضع إذا بقي على ما هو عليه من تراخ للسلطة العمومية في ضمان أمن أرواح المغاربة وممتلكاتهم، فإن الصحراويين المغاربة سيقومون بهجرة مضادة نحو الشمال بحثا عن الأمن!

فالعيون – التي توصف بكونها بيروت إفريقيا لكثرة الجواسيس والعملاء المنتشرين فيها والمنتمين لكل الدول المعنية بالصراع – كشفت عن حقيقة مؤلمة ألا وهي أن المغاربة متعطشون لاتخاذ قرار حاسم يقضي بقطع العلاقة مع الجزائر.

فعلى امتداد المغرب المستقل لم تأتنا من الشرق سوى السموم والقلاقل والأوجاع والإرهاب والحركات المسلحة، وفي الوقت الذي كان المغاربة يحصون موتاهم في العيون كان الوزير الأول واليازغي “يقرقبان الناب” مع السفير الجديد للجزائر أحمد بن يمنية، ويخصصانه بحفل استقبال رسمي بمناسبة تسلمه لمهامه كسفير جديد خلفا للجنيرال بلخير. وكأن هناك قوتان في هذا البلد: قوة مشحونة بالرغبة في بناء جدار عازل مع الجزائر التي لم نستفد منها بأي شيء، وقوة تبيع الوهم للمغاربة وتنعش اللوبي الجزائري بالمغرب.

الأستاذ محمد الغماري، الخبير في الدراسات العسكرية والأستاذ بجامعة الحسن الثاني، كان واضحا في موقفه بالقول إن عداء عسكر الجزائر للمغرب متجذر منذ نشأة هذه الدولة الحديثة (ولدت الجزائر عام 1962 بشكل جعل جنيرالاتها يحسون بالدونية أمام المغرب الذي ولد قبل 1400 سنة)، وحان الوقت لاتخاذ موقف مغربي صارم بقطع العلاقة مع الجزائر الرسمية. ومن يدري فقد تكون تلك الصرامة ذات مردودية، لأنها ستظهر أين المنفعة وأين الضرر بدل أن يبقى المغاربة رهائن سياسة الغموض والتذبذب مع جنيرالات الجزائر.

*مدير نشر أسبوعية “الوطن الآن”

سبتة - مليلية: اعلان الولاء للمملكة المغربية
سبتة - مليلية: اعلان الولاء للمملكة المغربية

اترك تعليق

1 تعليق على "سبتة – مليلية: اعلان الولاء للمملكة المغربية"

نبّهني عن
avatar
Marocain
ضيف

شكرا جزيلا على هذا المقال الذي يعبر عن مشاعر كل المغاربة الذين يتمنون قطع كل العلاقات مع الجزائر وبناء جدار بيننا وبينهم لأنه لا تأتينا من جهتهم إلا الويلات والخراب وكل أنواع المشاكل ٠إن الجزائر بمثابة سرطان يجب التصدي له قبل أن ينتشر

‫wpDiscuz