سبب الخلاف بين أطر التفتيش على اختلاف تخصصاتهم وبين الوزارة

33609 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: بداية لا بد من التذكير بأن منصب وزير التربية الوطنية منصب سياسي ناتج عن حسابات حزبية في إطار لعبة سياسية وحزبية بين حزب أعوزته نتيجته الانتخابية إلى الائتلاف مع غيره من أجل الوصول إلى مركز القرار ،فإن لم يكن هذا الغير زيد فهو عمرو بطبيعة الحال حسب الطيف الحزبي القابل للائتلاف مع الحزب الراغب في الحكم . وعندما يكون المؤتلف معه زيدا أو عمروا هو وزير التربية الوطنية ، فهذا لا يعني أنه خبير بالضرورة بالمنظومة التربوية التي تتطلب كفاءات وخبرات واختصاصات ، وهي أمور بدونها لا يستطيع الوزير معرفة كوع هذه المنظومة من بوعها . وجرت العادة أن الطاقم المركزي في وزارة التربية الوطنية يتلون بشكل حربائي مع وصول كل وزير جديد من أجل المحافظة على امتيازاته . ويتهافت المسؤولون المركزيون على الوزير الجديد من أجل إبداء حنة أيديهم كما يقال ، وقد يغير هؤلاء من مواقفهم 180 درجة من أجل مسايرة أهواء الوزير الجديد . وقد ينكب الوزير الجديد بعض العناصر في الطاقم المركزي نكبة الرشيد للبرامكة ،فيقرب منهم فريقا ويقصي آخر . هذه أمور مألوفة ومعروفة في وزارة التربية عندنا ، وكلما تولى وزير لعن من كان قبله ، وزعم أنه جاء لإصلاح ما أفسده سلفه ، وواقع الحال أن المنظومة التربوية كانت دائما وفي فترة وزارة كل من تناوب عليها وهي التعيسة في أسوأ حال . والوزير الحالي الذي حصل على منصبه بسبب ائتلاف حزبه مع الحزب الفائز بالأغلبية التي لم تمكنه من تكوين حكومة دون ائتلاف وزيرغريب عن قطاع التربية كغيره من الوزراء السابقين ، ولهذا لا مندوحة له عن الاستعانة بالطاقم المركزي الذي يقدم له دروسا في أبجديات المنظومة التربوية ، وفي نفس الوقت يتقرب منه ويتزلف من أجل الظفر بثقته حفاظا على امتيازاته . وهكذا تصيد بعض هؤلاء الوزير الحالي بعد التأكد من اندفاعه في اتجاه تغيير سياسة من كان قبله بدوافع حزبية وسياسية لا غير. ويبدو من قرارات الوزير الحالي أن هاجسه هو الهاجس المادي الذي يؤرق الحكومة، لهذا ظن أن الإصلاح إنما يكون من الجوانب المادية خصوصا وأن مشكلة الوطن هو الفساد الذي ثار بسببه الشعب ،والذي كان وراء تغيير الدستور، وكان مطلب الشعب هو محاربة الفساد وما صوت على الحزب الذي وصل إلى مركز صنع القرار إلا بسبب وعد من هذا الأخير بمحاربة الفساد الذي هو مطلب شعبي ملح . والفساد عام يشمل كل القطاعات منها قطاع التربية . وسياسة الحكومة لحد الآن هي التلويح بمحاربة الفساد ،لهذا انطلق وزير التربية من هذا المعطى ، فظن ظن السوء بكل من في قطاع التربية ، وصار الجميع فاسدا في نظره ، ولهذا أطلق يده في كل هياكل المنظومة التربوية بذريعة محاربة الفساد ، فخلط بين موضوع الأشباح ، وموضوع السكن الإداري ، وموضوع اعتماد بيداغوجيا الإدماج ، وموضوع مؤسسات التميز ،وموضوع التعليم الخصوصي ، وموضوع المراقبة المستمرة …وهلم جرا ، وصار كل شيء في نظره يكلف الوزارة خسائر مادية . وفضلا عن كونه يزايد ويتاجر ببعض الملفات إعلاميا من قبيل ملف الأشباح، وملف السكن الوظيفي مع أنه بيده قرار الحسم في الملفين عوض عرضه فلكلوريا في البرلمان، وحتى أمام الجهات الخارجية التي لا علاقة لها بالموضوع ، فإنه نقل حربه الدونكيشوتية إلى أجهزة المنظومة التربوية من أجل إعطاء انطباع للرأي العام بأنه قد كشف ما يشبه ملف الأشباح، وملف السكن الوظيفي في هياكل بعض الأجهزة. ومن بين الأجهزة التي استهدفها ، جهاز التفتيش الذي أراد إفراغه من محتواه بسبب ما يهمس به في إذنه من يسمى المفتش العام الإداري الذي ليس بينه وبين التفتيش إلا الخير والإحسان كما يقال ، ولكنه عندما وجد نفسه مفتشا عاما بقدرة قادر لا بد أن يظهر حنة يده للوزير، ويبدو ناصحا له ومؤيدا لتوجهاته من أجل المحافظة على امتيازاته على حساب جهاز التفتيش .وهذا المفتش بين قوسين كبيرين يفيدان أقصى درجات الشك في حاجة المنظومة التربوية إليه يريد الإجهاز على جهاز التفتيش من خلال تقسيمه إلى منطقتي نفوذ واحدة تحت إمرته، والأخرى تحت نصرف زميله التربوي الذي لا نشك في خبرته التربوية عكس زميله المتطفل على التفتيش . وهكذا اقترح أن يجعل رهن إشارته التفتيش المختص بالجوانب المادية والمالية والتخطيط ، ويترك لزميله التفتيش المختص بالجوانب التربوية والتوجيهية لأن المادة هي هاجس الحكومة وهاجس وزيرها في التربية ، وأما التربية فلا تعني شيئا أمام المادة حسب هذا التوجه المتخلف بكل المعايير . ومعلوم أن أجهزة المنظومة التربوية ومن ضمنها جهاز التفتيش يتبع بالضرورة هيكلة المنظومة التربوية . فالمنظومة التربوية المغربية ككل منظومات العالم التربوية تتحدد هيكلتها حسب أعمار المتعلمين ، وعلى ضوء هذه الهيكلة تأتي هيكلة كل الأجهزة ، فهيكلة المنظومة عندنا إلى تعليم أولي وابتدائي ، وتعليم ثانوي اعدادي وتأهيلي تجعل هيكلة الأجهزة تابعة لها بالضرورة ،حيث توجد أجهزة التدبير ، وهي الأجهزة الإدارية ، وأجهزة المراقبة وهي أجهزة التفتيش . وبما أن التعليم في المنظومة التربوية يتدرج حسب أعمار المتعلمين نحو التعقيد ، فإن الأجهزة المشرفة عليه تدبيرا ومراقبة تسايره . وهكذا تفرض هيكلة التفتيش في منظومتنا التربوية انقسامه إلى تفتيش تربوي وآخر مختص بالتوجيه ، وثالث مختص بالتخطيط ، ورابع مختص بالشأن المادي والمالي . ولما كانت هيكلة التعليم تنقسم إلى ابتدائي وثانوي فإن التفتيش التربوي ينقسم إلى ابتدائي لا يتجاوز تخصصين اثنين يتعلقان باللغتين العربية والفرنسية ،وتنضوي تحتهما بعض المواد التي لا تتجاوز المبادىء العامة ، وثانوي متعدد التخصصات والمواد المستقلة عن بعضها البعض . وتعمل إلى جانب التفتيش التربوي الأنواع الأخرى من التفتيش من تخطيط وتوجيه ومصالح مادية ومالية حسب متطلبات أسلاك التعليم في المنظومة التربوية ، ولا وجود لتفتيش إداري حيث يعتبر التفتيش التربوي هو قطب الرحى وحوله تدور أنواع التفتيش الأخرى من أجل تحقيق ما هو تربوي بالأساس، لأن الوزارة في نهاية كل موسم دراسي تستعرض النتائج التربوية ، ولا تستعرض معها الفواتير المادية والمالية ، ولا نتائج التخطيط ولا نتائج التوجيه ، لأن جوانب التخطيط والتوجيه والمال إنما وجدت لخدمة ما هو تربوي . ولا يمكن المزايدة على جهاز التفتيش من خلال الحديث عن إشراكه في التدبير لأن التفتيش تفتيش والتدبير تدبير وبينهما برزخ لا يبغيان كما بين الشام والعراق من فرق . فالمفتش عراقي والمدبر شامي . وعمل المفتش هو مراقبة وتقويم تدبير المدبر. ولما كانت هيكلة المنظومة التربوية تتضمن هيئة التدريس وهيئة الإدارة وهما هيئتان للتدبير ،فإنها تتضمن أيضا هيئة التفتيش التي تختص بمراقبتهما سواء تعلق الأمر بما هو تربوي محض أو ما هو إداري محض أو ما هو مشترك بينهما . ولهذا لا بد أن ينتصب جهاز المراقبة محليا وجهويا إلى جانب أجهزة التدبير تماما كما تنتصب المفتشية العامة مركزيا أمام مديريات التدبير لتراقبها . ولهذا لا بد لجهاز التفتيش من استقلالية تعني بالضرورة الفصل بين مجالي التدبير والتفتيش بحيث لا يعقل أن يتبع التفتيش على المستوى المحلي والجهوي لمن اختصاصهم التدبير والذين تشملهم المراقبة أيضا فالنواب ومديرو الأكاديميات يشرفون على الذين يدبرون شؤون المؤسسات التربوية ، وهم بذلك مدبرون أيضا ، ولا بد لتدبيرهم من مراقبة . فلا يعقل أن تراقب المفتشية العامة المديريات المركزية المكلفة بالتدبير ، ولا يراقب جهاز التفتيش محليا ومركزيا من ينزل منزلة هذه المديريات المركزية محليا وجهويا . وكل إجهاز على دور المراقبة والتفتيش محليا وجهويا من خلال وضع جهاز المراقبة تحت رقابة أجهزة التدبير يعتبر محاولة مكشوفة للتملص من تعقب التفتيش للاختلالات سواء كانت تربوية أم معلقة بالتوجيه والتخطيط أم متعلقة بما هو مادي ومالي . وعندما يحاول من يسمى المفتش العام الإداري وضع تفتيش التخطيط والمصالح المادية والمالية رهن إشارته، فهو يريد الانفراد بالصفقات التي هي من اختصاص هذين النوعين من التفتيش ، وهي موضوع فساد المنظومة التربوية ، والتي هي أيضا سبب تهافت الراغبين في التدبير عليه ، ولو نزعت صفة الآمر بالصرف من أصحاب التدبير لزهد الجميع في هذا التدبير، ولكن الطمع في التدبير سببه الصفقات التي تسيل اللعاب وهو أمر معروف كما يعرف عواء الذئب الذي لا يعوي لوجه الله . وقد يدغدغ عرض من يسمى المفتش الإداري مشاعر بعض أطر تفتيش التخطيط والمصالح المادية والمالية، فيميلون معه ليجعل منهم بطانة يركبها من أجل المحافظة على منصبه وامتيازاته ،وهو أبعد ما يكون عن تخصص التفتيش أصلا . ومعلوم أن جهاز التفتيش المتعدد الاختصاصات عبارة عن نظام يعمل بشكل بنيوي حيث توجد علاقة جدلية بين تخصصاته ، وكل تغيير في أحد التخصصات يؤثر في النظام برمته كما هو حال تغيير قطع لعبة الشطرنج . فالتدبير قد يعرف اختلالات تربوية يراقبها التفتيش التربوي ، وقد تكون هذه الاختلالات راجعة إلى أسباب متعلقة بالتوجيه أو التخطيط أو المادة والمال يراقبها التفتيش المعني مباشرة. وعندما توفد لجان المراقبة والافتحاص، فهي تتكامل من أجل رصد الاختلالات وتصحيحها باعتماد مختلف الاختصاصات . فعلى سبيل المثال لا الحصر حدث في نيابة جرادة خلال هذا الموسم رصد خلل في تدبير المبادرة الملكية مليون محفظة عن طريق التفتيش التربوي الذي استعان فيما بعد بتفتيش المصالح المادية والمالية ، وانتهى الأمر إلى إيفاد لجان افتحاص مركزية لا شك أنها استعانت بأنواع أخرى من التفتيش من أجل تصحيح تدبير فاشل ووضع حد له . فعلى هذا المثال تقاس أمثلة التفتيش بكل تخصصاته، لا معنى للمزايدة على مهام التفتيش حسب الاختصاصات . فالتفتيش التربوي على سبيل المثال لا الحصر أيضا يراقب سير الدراسة في المؤسسات التربوية من خلال عدة إجراءات وعمليات ، منها استخدام أطر التدريس على الوجه الأكمل ، ومراقبة توزيع الحصص ، وتوزيع الأقسام ، ومراقبة الخزانات المدرسية، وقاعات الدرس، والمخابر، والأجهزة، والوسائل، والأدوات التعليمية المختلفة ، ويراقب تطبيق المناهج والبرامج والطرائق وأساليب التقويم . وتأتي المراقبة بعد عمليات التكوين والتنشيط والبحث حيث تقدم مساعدات وإرشادات وتوجيهات لهيئة التدريس، وهيئة الإدارة التربوية على حد سواء في شكل دروس تجريبية وتطبيقية ، وفي شكل ندوات وعروض ومحاضرات ،وحلقات تكوين سواء تعلق الأمر بتقنيات التدريس أو الإدارة أو بالوثائق على اختلاف أنواعها التي تدخل في عمل التدريس أو عمل الإدارة . ولا يمكن أن توجد مراقبة وتفتيش دون تقويم أو تقييم لقياس المردودية ، ولا بد لهذا القياس من جانب كمي وكيفي ، وهو ما يحاول الوزير الحالي مصادرته من خلال إبطال مفعول نقط التفتيش نزولا عند رغبة الذين يحاولون الإفلات من الرقابة والتقويم. ولست أدري كيف يستقيم أمر ترك التقويم لمن هم مستهدفين بالمراقبة والتفتيش لتنقيط أنفسهم بأنفسهم ، وهل يعقل أن ينقط الإنسان نفسه بموضوعية وتجرد خصوصا عندما يتعلق الأمر بالترقيات التي جعلها الوزراء المتعاقبون على قطاع التربية في حكم السائبة تحت ضغط لوبيات النقابات حتى صار انتقال موظفي هذا القطاع بشكل عبثي من إطار إلى آخر، وتلاحقت أعداد هائلة من الأطر الصورية والوهمية في مختلف مرافق هذا القطاع دون الخضوع لمباريات حقيقية أومراكز تكوين أوعدة تكوين أو زاد وظيفي حقيقي أو تخصص حقيقي، وصار الكثير منهم يفخر الفخر الفارغ بأطر ليس بينها وبينهم إلا الخير والإحسان وكل ذلك على حساب المال العام . ولو تمت مراجعة من غيروا الإطار في قطاع التربية دون وجه حق لكان الأمر شبيها بملف الأشباح الذي يلوح به الوزير ، وبملف السكن الوظيفي المحتل . فعلى الحكومة الحالية أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية لمنع عبث وزيرها العابث بالمنظومة التربوية من خلال العبث بأجهزتها وعلى رأسها جهاز المراقبة الذي إذا فقد صلاحياته كانت هذه المنظومة عرضة للضياع لأنه صمام أمانها وحارسها . وعلى رجال ونساء هيئة التفتيش التعبئة الكاملة من أجل إفشال المشاريع المطبوخة لإفراغ التفتيش من محتواه . وعلى من يسمى المفتش العام الإداري أن يفكر في الرحيل عن المنظومة التربوية لأنه هو اللحن الناشز فيها .

سبب الخلاف بين أطر التفتيش على اختلاف تخصصاتهم وبين الوزارة
سبب الخلاف بين أطر التفتيش على اختلاف تخصصاتهم وبين الوزارة

اترك تعليق

1 تعليق على "سبب الخلاف بين أطر التفتيش على اختلاف تخصصاتهم وبين الوزارة"

نبّهني عن
avatar
عبد السلام
ضيف
اقرؤوا هذا المقتطف من المقال وتعمل إلى جانب التفتيش التربوي الأنواع الأخرى من التفتيش من تخطيط وتوجيه ومصالح مادية ومالية حسب متطلبات أسلاك التعليم في المنظومة التربوية ، ولا وجود لتفتيش إداري حيث يعتبر التفتيش التربوي هو قطب الرحى وحوله تدور أنواع التفتيش الأخرى من أجل تحقيق ما هو تربوي بالأساس، لأن الوزارة في نهاية كل موسم دراسي تستعرض النتائج التربوية ، ولا تستعرض معها الفواتير المادية والمالية ، ولا نتائج التخطيط ولا نتائج التوجيه ، لأن جوانب التخطيط والتوجيه والمال إنما وجدت لخدمة ما هو تربوي . تعليقي هو التالي: تحليل غير مهني ومنحاز ويخلط بين المفتش التربوي والمفتش… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz