رمضان شهر التغيير : الأستاذ سعيد بنعالية يختم في آخر خطبة جمعة لشهر رمضان سلسلته الرمضانية “رمضان غيرني” ببرنامج عملي للاستمرار على التغيير لما بعد رمضان

60651 مشاهدة

عبد الناصر بلبشير – وجدة البوابة: وجدة في 30 رمضان 1433 هجرية الموافق ل 19 غشت 2012 ميلادية ، في آخر خطبة جمعة من شهر رمضان العظيم لهذه السنة، أعد فضيلة العلامة الأستاذ سعيد بنعالية الحلقة الخامسة والأخيرة  ضمن سلسلته الرمضانية “رمضان غيرني” ورمضان فرصة للتغيير وهي السلسلة التي استحسنها عدد كبير من القراء والمتتبعين لحلقاتها في كل خطبة جمعة طيلة الشهر الفضيل بمسجد الغفران بمدينة وجدة والتي أعدها إمام الجمعة الأستاذ الفاضل سعيد بنعالية أنفعنا الله ببركته وبعلمه. وقد أعد الخطيب بنعالية في خطبتي يوم الجمعة 28 رمضان 1433هجرية الموافق ل 17 غشت 2012 ميلادية ، برنامجا عمليا للاستمرار على التغيير لما بعد رمضان

وحتى تعم المنفعة ارتأينا في منبر شبكة الأخبار “وجدة البوابة” أن ننشر الخطبة كاملة لما تتضمنه من فوائد … 

افتتح الخطيب خطبته ب “الحمد لله العزيز الغفور، الحليم الشكور، نحمد ربنا ونشكره، ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، العليم بذات الصدور، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وأسوتنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بعثه الله بالهدى والنور، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آله وصحبه المُسارعين إلى كل عملٍ مبرور، وعلى من سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم البعث والنشور. اللهم إنه لا سهل إلا ما جعلته سهلا، إنك تجعل الحزْن إن شئت سهلا”  فخاطب الناس قائلا:

“أحبتي في الله،

فهاهو رمضان يوشك أن يفارقنا بعد أن حل ضيفا عزيزا غاليا علينا لمدة، ولكن هل تركنا رمضان وهو راض عنا أم رحل وهو يبكي حسرة علينا وعلى أحوالنا … نسأل الله أن يتقبل منا رمضان كما بلغنا رمضان  ووفقنا لصيامه وقيامه وتلاوة القرآن أناء ليله وأطراف نهاره. نسأل الله الصدق والإخلاص والقبول في القول والعمل.. هذه قصة تغيير مع النفس..وقصة نجاح مع الله..نعم نجاح مع الله..

 أحبابي الكرام، هذه الخطبة آخر الخطب، وهو اللقاء الخامس، من السلسلة الرمضانية المباركة : ” رمضان غيّرني”، هي آخر الخطب ترتيبا، وهي الخطوة الأولى للمحافظة على التغيير الذي بدأناه قبل رمضان وما زلنا مستمرين عليه، وهذه الخطبة هي بداية التغيير الحقيقي بعد رمضان، وعنوانها : البرنامج العملي للاستمرار على التغيير لما بعد رمضان” أذكر محاورها إجمالاً، ثم أفصل فيها على قدر المستطاع:

1)   ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا .

2)   احذر الشيطان .

3)   إياك وهبوط العزيمة( مس أشياء تساعدك على تثبيت مستواك الايماني)

وتفصيلها على النحو الآتي :

أولا ً : ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ): قال تعالى في سورة النحل: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [النحل:92].من هي تلك المرأة؟ وما قصتها؟ وما علة هذا التمثيل القرآني؟

المرأة المقصودة في الآية الكريمة هي امرأة[1] عاشت في زمن ما قبل الإسلام (الجاهلية)،  ويضرب بها المثل في الحمق، فما قصة حمقها؟

لقد كانت هذه المرأة تجتمع كل يوم، هي ومجموعة من الجواري والعاملات لديها، فتأمرهن بالعمل على غزل ونسج الصوف والشعر ونحوهما، ثم إذا انتصف النهار وانتهين من أداء عملهن في الغزل؛ أمرتهن بنقضه، أي إفساد ما غزلنه وإرجاعه أنكاثاً، بمعنى أنقاضاً أو خيوطاً، وذلك بإعادة تقطيع الغزل إلى قطع صغيرة، ثم تنكث خيوطها المبرومة، فتُخلط بالصوف أو الشعر الجديد وتنشب به، ثم تضرب بالمطارق أو ما شابه، على أن يقمن بغزله مجدداً في اليوم التالي….. وهكذا، تجهد هذه المرأة نفسها وعاملاتها بالعمل ثم تفسده بحمقها.

لو عدنا للآيتين السابقتين لهذه الآية، لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى يأمر ببعض الأشياء وينهى عن أخرى، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل:90-91].

إنه أمر من الله جل جلاله بأن يلتزم الإنسان العدل والإحسان ومساندة وإيتاء ذي القربى حقوقهم، ونهي منه تعالى بأن يجتنب المرء الفحشاء والمنكر والبغي، بمعنى اجتناب الذنوب والتجاوزات الظالمة على اختلاف حجمها وسعتها، ما بطن منها وما ظهر.

إن علة هذا المثل القرآني تكمن في أن نلتفت إلى بعض أسباب سقوط الشخصية وانحطاط مقامها ومنزلتها، وهو أن نقض العهود والأيمان والمواثيق يحط من مكانة الإنسان ويسخفه في نظر الآخرين من أبناء مجتمعه.

كل هذا كان في رمضان، ويأتي بعد ذلك نقض للعهد..هذا المثل يمثل حال بعضنا فبمجرد انتهاء شهر رمضان سرعان ما يعود إلى المعاصي والذنوب فهو طوال الشهر في صلاة وصيام وقيام وخشوع وبكاء ودعاء وتضرع وهو بهذا قد أحسن غزل عباداته… لدرجة أن أحدنا يتمنى أن يقبضه الله على تلك الحالة التي هو فيها من كثرة ما يجد  من لذة العبادة والطاعة ولكنه ينقض كل هذ الغزل بعد مغرب أخر يوم في رمضان … والكثير يسأل نفسه لماذا فعلت هذا ويستغرب والإجابة على هذا السؤال توضحه المحاور الآتية ، ومنها :

[1] واسمها رابطة أو رايطة أو ريطة من بني تميم، وإلى جانب ذلك كانت تسمى بخرقاء مكة.

 ثانياً :  ( احذر الشيطان ) :  عدو يغفل عنه الكثير ولا يعمل له حساب إلا من رحم ربي رغم علمنا بعداوته لنا وماذا يريد منا، وكلمة أوجهها لنفسي ولكم : أليس عيباً أن يتقن الشيطان فن التخطيط وصناعة الأهداف والإصرار عليها ونجهلها نحن.. الشيطان عنده رسالة وهي أن يدخلك النار وعنده أهداف واضحة لتلك الرسالة وهي أن يجعلك تقع في المعاصي والذنوب التي تكون سببا في دخولك النار، ونحن ما هي رسالتنا في الحياة ؟ ما هي أهدافنا؟ ما واجبنا تجاه ديننا؟ أم أننا نعيش لنأكل ونشرب ونتزوج.

الشيطان حبس عنا شهرا كاملا وهو سيخرج ويفك أسره، ومازال مصراً على تحقيق هدفه وهو إيقاعك في المعاصي، فأول شيء يفعله معك في أول يوم بعد رمضان هو الوقوع في معصية ومعصية ليست سهلة كي تهدم كل ما فعلته في رمضان من طاعات فهل سنكون مستسلمين له؟ أم أننا سنخطط كما يخطط هو ..

وهنا نقطة وتنبية أحب أن أشير إليهما وهي أن الشيطان له معك خطتان واحدة قبل رمضان، والثانية بعده فالتي قبل رمضان تكون في شهر شعبان والثانية تكون في شهر شوال فهو في شهر شعبان يحاول جاهدا أن يجعلك ترتكب أكبر كمية من المعاصي والمشاكل والخلافات العائلية  قبل الدخول على رمضان، ليأتي الشهر وأنت في معصية كبيرة تؤثر عليك طوال الشهر أو مازالت بعض المشاكل لم تحل، حتى ما إذا أفقت منها دخل شهر شوال فقابلك بمعصية أخرى وهكذا.. ولنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة للخلاص من خطة الشيطان هذه فقد نبهنا الرسول الكريم وحثنا على الاهتمام بشهر شعبان فقال: ”  ذاك شهر يغفل عنه كثير من الناس” وأمرنا بصيام أيام منه لنستعد لرمضان ونتذكر فضل الصوم وتعتاد النفس عليه ونكون في مأمن من خطة الشيطان التي قبل رمضان، ثم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصيام أيام من شوال وأعطى حافزا وجائزة لمن صام وهو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ”[1]… لمَ كل هذا يا رسول الله؟ أولا لتثبت على الطاعة، ثانيا لتكون في مواجهة خطة الشيطان وخاصة في هذا الشهر من بعد رمضان .

[1] رواه مسلم.

سيحاول أن يوقعك في معاصي زنا أو مشاكل أسرية أو مشاكل مع الأصدقاء أو ترك للطاعات ومشاهدة الأفلام المهم أي شيء يخرجك من جو الطاعة لتكون صيد سهل له … لأنه في لحظة خروجه يخرج هائجا مغتاظا فكل ما فعله معك طوال العام وما أوقعك فيه من معاصي قد غفر لك في شهر ( انظر إلى الإصرار منه على دخولك النار) فهو يريد أن يضيع عليك ما كسبته من اجر في هذا الشهر في يوم واحد ليثبت لك أن لا فائدة منك وانك مهما كنت طائعا فمن السهل أن تقع في المعصية.

وعلاج هذه النقطة هو الثبات على الطاعة لمدة أسبوع بعد رمضان لتجبر الشيطان على تغيير خطته معك ولتأكد له انك فعلا قد تغيرت للأحسن، ولكي نفهم ذلك ننتقل للنقطة الثالثة فهي توضح ذلك .

 ثالثاً:  إياك وهبوط العزيمة(خمس أشياء تساعدك على تثبيت مستواك الإيماني ):

  1)   المحافظة على الصلوات الخمس جماعة وخصوصا صلاة الفجر:

فنحن أثبتنا لأنفسنا في رمضان أننا قادرون على أداء صلاة الجماعة في المسجد، وقادرون على صلاة الفجر يوميا فلنحافظ بعد رمضان على الصلوات في المسجد قدر استطاعنا، فان لم نستطع، حاول ألا تؤخرها لا تدع فرصة للشيطان..اثبت على ذلك لمدة أسبوع

2) القرآن : حاول أن تجعل لنفسك ورداً يومياً ثابتأ من القرآن ولو صفحة واحدة يوميا ( اثبت للشيطان أنك فعلا  قد تغيرت )

3)ذكر الله :  اجتهد بعد رمضان على أن تحافظ على أذكار الصباح والمساء أذكار النوم ، أذكار الخروج من المنزل، استغل وقت فراعك في العمل أو ذهابك إليه بذكر الله.

4)الصحبة الصالحة : اختر من يعينك على طاعة الله فالمرء على دين خليله والأخلاء بعضهم يومئذ لبعض عدو إلا المتقين ، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فاختر صاحبا إذا رأى منك معصية حذرك ودلك على طريق الخير ، وكما تريد أنت صديق حسن الخلق فصديقك يريد أيضا صاحب يشد على يديه، فانوِ الخير في نفسك لتنال ما تريد. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ”[1]، وفي رواية  “مَنْ يُخَالِطُ”.

[1] رواه أحمد.

) الدعاء : ]وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[( البقرة : 186) ، ]وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ[ ( غافر : 60)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ”[1] فاحرص بعد رمضان على الدعاء ، أم ليس لك عند الله حاجة بعد رمضان ؟ فكلنا فقراء إلى الله وهو الغني الحميد..المهم أن لا يمر يوم دون أن تدعوَ وتسأل الله أن يثبتك على الطاعة .

 رمضان محطة للتزود بالتقوى، وبعد أن ملأتَ خزان التقوى بالتقوى، انطلق..ولا تتردد..ولا تبق في مكانك..فأنت ما ملأت خزّان التقوى إلا للانطلاق..انطلق ..واستفد من التغيير الذي حققته في شهر الصيام.

 وآخر كلامي لك، أخي الفاضل أختي الفاضلة،  خلاصةً للموضوع ّ: اختر لنفسك ما تستطيع فعله من الطاعات المهم أن تحدث تغييرا في حياتك بعد رمضان إلى الأحسن وانتصر على نفسك وشيطانك. شهر رمضان فرصة للتغيير ، فرصه لكسب  المزيد من المهارات ، رمضان نقطة بداية وليس نقطة نهاية.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.وتقبل منا رمضان وأعنا على الطاعة بعده .

 وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

[1] رواه الترمذي في كتاب الدعوات عن رسول الله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”

وابتهل الخطيب الأستاذ سعيد بنعالية في الختام إلى الله عز وجل بأن يجعلنا جميعا من عتقاء رمضان من النار، وأن ينصر أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين٬ صاحب الجلالة الملك محمد السادس٬ نصرا عزيزا يعز به الدين٬ ويجمع به كلمة المسلمين٬ وبأن يتقبل أعماله الجليلة ببركة هذا الشهر الفضيل وببركة ما قريء من القرآن الكريم في مساجد المملكة التي يرعاها جلالته ويرعى القيمين بها٬ وبأن يجعل كل مبادراته أعمال خير وبركة على البلاد والعباد٬ ويقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن٬ ويشد عضد جلالته بشقيقه صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد وكافة أفراد الأسرة الملكية الشريفة.

كما تضرع بنعالية إلى العلي القدير بأن يشمل بواسع عفوه وجميل فضله الملكين المجاهدين جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني ويكرم مثواهما ويطيب ثراهما.

رمضان شهر التغيير : الأستاذ سعيد بنعالية يختم في آخر خطبة جمعة لشهر رمضان سلسلته الرمضانية "رمضان غيرني" ببرنامج عملي للاستمرار على التغيير لما بعد رمضان
رمضان شهر التغيير : الأستاذ سعيد بنعالية يختم في آخر خطبة جمعة لشهر رمضان سلسلته الرمضانية “رمضان غيرني” ببرنامج عملي للاستمرار على التغيير لما بعد رمضان

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz