رمضان الفريضة، والمصدر للوحدة، والطفرة للتغيير

16518 مشاهدة

منهج المسلم يتكشف عن مراحل يجب أن تتبع في أي عطاء إنساني كيفما كان، ولعل الترتيب القرآني الذي بين من خلال آيات سورة المدثر “إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ..” أي فكر و قدر ثم نظر.

وعليه فقد فكرت ثم قدرت ثم نظرت فتبين لي كما تبين للناس كافة أن رمضان أحد أركان الإسلام وشهر الصيام وأجوره التي لا يعلمها إلا الله، وفوائده الصحية الكثيرة، فهو شهر النصر وشهر القرآن وشهر القيام وشهر الإمساك، بالإضافة أنه شهر الجهاد والتعلم والتدرب، فهو كذلك شهر التربية، تربية النفس والجسد على الجوع والعطش. كما أنه شهر التدبر والتفكر والتأمل، وشهر يتطلب فيه التهذيب والتخلق والبذل والتضحية ثم الصبر. رمضان هذا الصبغة التي تفسر الركن والفلسفة والرمز والشعيرة، ثم أن رمضان في عمقه يعبر عن البعد والقيمة والمعتقد والمصلحة والتمكين…بالطبع، فإن شهر رمضان لم يفرض ليفرض، أو يكون ركنا ليكون. فلكل فرض من الفرائض، بل لكل فرع من الفروع، ولكل جزئية من جزيئات الدين المتعلقة بالأحكام والأفعال والتصورات لها من المقاصد ما لها، تتحقق أساسا في تنفيذها، فمن جهلها جهل الصيام، ومن جهل الشيء عاداه وضيعه، فأضحى رمضان مضيعة وضياعا لجهلنا بمقاصده.فإذا كان المقاصدة يعتبرون رمضان سببا للتقوى والطهر لقوله تعالى: “كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”، وأن المقصد منه الوقاية كالقول في الحديث”الصوم جُنَّة”، ثم أن مجرد الصوم يضع المرء في مسار الصابرين وقد أكده حديث النبي ” الصوم نصف الصبر” ، وقد فسر البعض قوله تعالى “واستعينوا بالصبر والصلاة” ، أي أن الصبر يقصد به الصوم.. بهذا تكون مقاصد رمضان عديدة إلى جنب مقاصد أخرى من قبيل أن شهر رمضان هو شهر الجود والتصدق والإحسان، وشهر القرآن، وشهر الإحساس بالزمان والمكان باعتبار المسلم يحسب أيام وليال رمضان بالساعات إن لم نقل بالدقائق.. إلخ من المقاصد التكليفية التي وجب أن تتحقق أثناء وبعد أيِّ صيام منه.لكن المقاصد هاته سواء اكتفينا بها، أو ما قد استفاض فيه العلماء من أهداف وغايات، هي كافية لكي تحقق صيام ذا جدوى حقيقي له معاني ومغازي، أي أن الاقتصار على المقاصد هاته كفيلة بقطف الثمار، وكفيلة بالاستفادة منه وكفيلة بالعتق من النار في الآخرة ثم كفيلة للصلاح في الدنيا. ومع ذلك قد يتملك المتدبر في رمضان وصيامه أبعاد تتجاوز الشعيرة وتتجاوز العبادة والخشوع وتتجاوز الجوع والعطش. تسمو بنا لفكرة أعمق وأعم وأضخم، متمثلة في أن رمضان فرض لا لشيء إلا لبناء الحضارة ، وأنه الكلية للاستقواء، وأنه المدرسة للتحرر من طبيعة النظام الغذائي لطبيعة تخرق هذا النظام.رمضان الذي يتجاوز الفردية إلى عالم الكونية، لأن كل مسلم بالبسيطة أنى كان فهو صائم، وفي آن واحد كل المسلمين صيام، تعبيرا عن الالتحام والوحدة والتكامل. فرمضان هو الدلالة عن الطفرة السنوية في شتى مفاهيمها باعتباره المحطة الروحية للتزود وشحن الأنفس، إذ الفترة التي يتوقف فيها المسلم ليجدد الانطلاق من أجل البناء، رمضان في سحره وأسراره الذي يضاهي القنبلة والانفجار الكبير.عادة ما نعتبر رمضان عبادة ثم عادة، فرب صائم ليس له إلا الجوع والعطش كما جاء في الحديث، لأننا لم نستحضر رمضان الوقت والظرف الذي نتغير فيه من حال لحال، رمضان هذا الذي نصومه هو رؤية مغايرة للحياة المادية، فهو الرؤية الغيبية والروحية. إن رمضان في قالبه وجوهره وفلسفته مصدر قوة روحية ومبعث للتحول الإبستمولوجي الذي يتجاوز المرحلة الرمضانية في تأهيل الناس إلى مرحلة التأسيس والتشييد وبعدها يأتي الإثبات تأكيدا على مرحلة الشهود وانبثاق الحضارة.

اترك تعليق

2 تعليقات على "رمضان الفريضة، والمصدر للوحدة، والطفرة للتغيير"

نبّهني عن
avatar
flihi abderrachid
ضيف

إن هذا المقال يبين لنا مكانة وقداسة هذا الشهر الكريم في نفوس المسلمين كافة

samm
ضيف

machkor 3la alma9al aljamil

‫wpDiscuz