رمضان أفضل فرصة لتقوى الله عز وجل (الحلقة الثانية من السلسلة الرمضانية)/ وجدة: محمد شركي

71867 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 25 يوليوز 2013، ندب الله عز وجل عبادة الصيام التي تعبد بها عباده المؤمنين لغاية كشف عنها في قوله جل من قائل : (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات )) . فمن خلال هذه الآية الكريمة يتبين أن ما يرجى وما يتوقع من عبادة الصيام هي تقوى الله تعالى ، وقد دل على ذلك استعمال “لعل” الحرف المشبه بالفعل المختص بالتوقع سواء تعلق برجاء المحبوب أو تعلق بالإشفاق من المكروه. والتقوى لغة من فعل اتقى المزيد الذي أصله الفعل المجرد وقى يقي وقاية ووقيا وواقية ، إذا صان وستر . والتقوى تقوم على أساس خوف من الخالق سبحانه تترتب عنه طاعته ، وهو ما يؤكده قوله تعالى : (( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون )) ،ففي هذا النص القرآني نجد التقوى مسبوقة بالطاعة المقترنة بالخشية . وتقوى الله عز وجل مرتبطة بضمير المخلوقات وبباطنهم ، ولا يفيد معها تظاهر أو ادعاء لهذا قال الله تعالى : (( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى )). ويقرن الله تعالى بين التقوى وبين خصال وسجايا حميدة منها الإيمان والإحسان والصلاح والصبر … فهو سبحانه القائل : (( وإن تؤمنوا وتتقوا )) ، (( وإن تحسنوا وتتقوا )) ، (( وإن تصلحوا وتتقوا )) ، (( وإن تصبروا وتتقوا )) ، ففي هذه النصوص تأتي التقوى بعد سجايا حميدة. ولقد سمى الله تعالى التقوى زادا في قوله تعالى : (( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب )) ، ففي هذا النص القرآني تكون السجايا كالإيمان والإحسان والصلاح والصبر عبارة عن زاد يتزود به الإنسان . وجعل الله تعالى التقوى خير لباس يستر الخلق، فقال جل من قائل : (( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ))، فكما أن الخلق بدون اللباس المادي يكون مكشوفا ومتهتكا ، فإنه دون الخوف من الله عز وجل ودون طاعته يكون أيضا كذلك ، لهذا كان لباس التقوى خير لباس . والتقوى تمكن الخلق من نعمة معية الخالق سبحانه لقوله تعالى : (( إن الله مع الذين اتقوا )) ، ومن كانت معه معية الله عز وجل فاز فوزا عظيما . والتقوى التي تحصل عن طريق العبادات تؤثر في معاملات الناس حيث يذكر الله تعالى بعض المعاملات مقترنة بالتقوى كقوله جل وعلا : (( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وآتوا البيوت من أبوابها ))، فالتقوى هي التي تجعل إتيان الأمور من حيث يجب أن تؤتى كما هو الحال بالنسبة لإتيان البيوت. ومن ذلك قوله تعالى : (( فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه )) ، فالتقوى هي التي تقف وراء أداء الأمانات على اختلاف أنواعها . ومن ذلك قوله تعالى : (( فليتقوا الله وليقول قولا سديدا )) فالتقوى هي التي تسدد الأقوال . ومن ذلك قوله تعالى : ((ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا )) فالتقوى هي التي تجعل الأيمان بارة وصادقة . وكل المعاملات سواء كانت أفعالا وأحوالا أو أقوالا تتوقف على التقوى التي هي وازع يوجهها الوجهة الصحيحة . وعندما تطلب التقوى عن طريق عبادة الصيام ، وهي عبارة عن عبادة باطن لا عبادة ظاهر، تحصل الاستقامة في السلوك والمعاملة . فإذا كانت التقوى الحاصلة بعبادة الصلاة ناهية عن فاحش الأمور ومنكرها لقوله تعالى : (( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ))، فالتقوى المرجوة من عبادة الصيام لها نفس التأثير بل أكثر لأنها عبادة باطن لا يلابسها رياء وليست عبادة ظاهرة كالصلاة والحج والزاكاة التي قد يبطلها الرياء . ونصادف في كتاب الله عز وجل أن دعوات الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانت تنشد تقوى الله لقوله تعالى حكاية عن الأمم الغابرة : (( إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون )) ، ونفس الدعوة تكررت مع هود ، وصالح ،ولوط ،وشعيب وبنفس الصيغة . ودعوات الرسل والأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم إنما كانت تتوخى إصلاح البشر من خلال توفير زاد التقوى لديهم وهو الوازع لاستقامتهم في الحياة . ويتحدث القرآن الكريم عن فوائد التقوى التي تعود على أصحابها بالنفع ، ومن ذلك قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم )) والفرقان هو كل ما يفرق به بين الحق والباطل ، والمتزود بزاد التقوى يحصل على هذه الملكة، فيستطيع أن يميز بين الحق والباطل ، ولا يلتبسان عنده أبدا . والفرقان يطلق على النور أيضا لأنه يطرد الظلام ، لهذا صاحب التقوى يكون متنور أو ذا نور يوجهه في حياته . والفرقان يطلق أيضا على البرهان ، لهذا صاحب التقوى يكون صاحب برهان وحجة وبينة على غيره . والفرقان يطلق أيضا على النصر ، لهذا فصاحب التقوى يكون منصورا على من عاداه. والفرقان يطلق أيضا على النجاة ، لهذا فصاحب التقوى ناج من كل الأخطار. وصاحب التقوى مكفر الذنب ، ومغفور له لقوله تعالى أيضا : (( ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا )) ، وهذا يتجلى في تقوى عبادة الصيام حيث جاء في الأثر أنه : ” من صام رمضان إيمان واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ” فالصائم يصوم رجاء التقوى ، فإذا اتقى كفر الله عز وجل عنه سيئاته ، وأكثر من ذلك أعظم له الأجر . وهل يوجد أعظم من أجل خص به الله تعالى عبادة الصيام حيث تحتسب كل فريضة تؤدى في زمن الصيام بسبعين فريضة في زمن سواه ، وجعل الله تعالى ليلة القدر، وهي من ليالي الصيام خيرا من ألف شهر أجرا ، وهذا هو الأجر العظيم الذي وعد المتقون . وللتقوى فوائد جمة أخرى منها الخلاص من الضيق والشدة والعسر لقوله تعالى : (( ومن يتق الله يجعل له مخرجا )) ، فالمخرج يكون من كل ضيق ، وقوله تعالى : (( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا )) ، واليسر يكون من كل عسر . وفي الأثر وردت قصة نفر ثلاثة كانوا في سفر، فأمطرت السماء ، فأووا إلى مغارة ،فجرف السيل صخرة عظيمة سدت عليهم باب المغارة ، فلم يجدوا مخرجا إلا بالرجوع إلى زادهم من التقوى وإلى رصيد كل واحد منهم من هذا الزاد الذي ينفع عند الشدة والحاجة ، فكان زاد الأول من التقوى البر بوالديه الشيخين ، وزاد الثاني العزوف عن الاعتداء عن شرف بنت عم له عند اقتداره عليها ، وزاد الثالث صيانة أجر أجيرغائب واستثماره . وعند استعراض زاد هؤلاء النفر كان المخرج من ضيق المغارة بسبب زاد الثالث منهم . ولهذا فالإنسان المؤمن الذي يحفظ الله عز وجل في الرخاء ، يحفظه الله عز وجل في الشدة. وعماد حفظ الله عز وجل تقواه وهي خوف منه تترتب عنه طاعته فيما أمر ونهى . ويغفل كثير من الخلق عن علاقة التقوى بأرزاقهم ، ويعولون على أسباب طلبها ، ولا يذكرون علاقتها بتقوى الله عز وجل مع أنه سبحانه يقول في محكم التنزيل : (( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض )) . وكثير من الخلق يطرد بركات السماء والأرض بالتفريط في زاد التقوى ،علما بأن هذه البركات تكون على قدر زاد التقوى . والله تعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

رمضان أفضل فرصة لتقوى الله عز وجل (الحلقة الثانية من السلسلة الرمضانية)/ وجدة: محمد شركي
رمضان أفضل فرصة لتقوى الله عز وجل (الحلقة الثانية من السلسلة الرمضانية)/ وجدة: محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz