رجل من الزمن الذي مضى من سره زمن ساءته أزمان

211446 مشاهدة

رجل من الزمن الذي مضى من سره زمن ساءته أزمان

وجدة البوابة: صايم نورالدين

كان لي شرف اللقاء مع التاجر البسيط الذي ملأ مكانه التجاري بعينات من الزمن الذي مضى. أشياء كان يستعملها إنسان المغارة عندنا. وهي من أدوات الطبخ و التدفئة و الإنارة.حتى الراديو في دكانه ينتمي إلى حقبة مضت و لن تعود.راديو لا يزال يؤثث فضاء البقال،و ينقل الأغاني و الأخبار و الحوارات عن كل شيء إلا شيئا اسمه السياسة لارتباطها بحقول الألغام و أسلحة الدمار الشامل .فهي حرفة لا يمارسها إلا من كان في الدهاليز المظلمة…. قلت في عفوية و براءة ،التجارة الآن تمارس بعلم و دراسة.وهناك معاهد متخصصة و جامعات تدرس البيع و الشراء و تسيير المحلات التجارية- بلغة البسطاء- .أجاب بدون تردد :”مستواي الدراسي التحضيري.بالكاد اعرف الحساب كتابة. و هذه الدراسات التي تتكلم عنها أيها الفاضل لم تكن في وقتنا.لم نكن نعرف في بيتنا إلا أربعة أشياء، تعد من الضروريات و إن حضرت في المنزل فأنت من أسعد الناس.الخبز و الشاي و السكر و شمعة تضيء المكان المظلم.” النعناع اعتبر من الكماليات ،فحضوره في البراد غير مهم ،مادام الشاي هو صاحب النكهة الخاصة. فهو يعدل المزاج،و دواء لوجع الرأس ومنبه على الثرثرة…. كانت الحياة بسيطة.لم يكن الناس يهتمون بالسياسة و السياسيين.إن للسياسيين عالمهم الخاص بهم، و لعامة الناس- خاصة من البسطاء- عالمها الخاص بها.الشاي هو المشروب الوحيد الذي يوجد في كل مكان و كل منزل.المسيحي الأوروبي لا يخلو منزله من الخمور،بل انه يجعل منزله القديم مستودعا يخمر فيه العنب في براميل،و بين الحين و الآخر،يتذوق النبيذ (هل استوى أم لا)كما تفعل الأمهات التقليديات مع الزيتون في موسم قطافه.و الأسر البسيطة لا يخلو منزلها من قوالب السكر الذي يحمل صورة النمر و كتبت على طابعه الأحمر عبارة” سكر أحلى من العسل”،و من لا يشرب الشاي فليس مغربيا نقيا في جوهره. ودعت البقال و في رأسي أسئلة تتكاثر بمتوالية هندسية،أن عامة الناس كانت تعيش هكذا بالخبز و الشاي و السكر و الشمع… إلا الأسر التي كانت عميلة و خادمة للمستعمر، فكان لها شان اجتماعي آخر. كانت الحياة بسيطة و السياسة بسيطة أيضا، وهي تعني أن تحكم و تتحكم في الرقاب و العباد و بالعصا الغليظة تنزل على الرؤوس الساخنة…وكان السذج من النساء يلبسن(ألثمة من لثام بلون بنفسجي أو وردي) وهن ينحدرن من أحياء أعياها الفقر و البؤس و الجهل.و هن يشققن الطرقات بأهازيج و طبل وغناء وزغاريد.و حين يلتقي الجمعان، تعلن الحرب.فيبدأ العراك على أشده و السب و الشتم و الضرب و الجرح. رغم يقيني أن هؤلاء النسوة لن ينلن من السياسة إلا كيسا من الدقيق و قنينة زيت لا غير .و من أجل هذا الفتات، يقمن حروب التتر و المغول و يقاتلن في جيوش الكسندر الكبير و جانكيس خان. الفرجة أنهن خرجن من المنزل و يعبرن الطرقات و هن يتغنين بالفارس السياسي من هنا و هناك.هم يربحون المناصب، و النسوة يربحن التجوال في الطرقات و كأنهن من يفوز بالمناصب. الآن لم يعد بعض الفقراء- الذين أدركوا أن ركوب قوارب السياسة هو الطريق الوحيد الموصل إلى الجاه و السلطة و القيمة و النفوذ باستعمال أدوات السياسة بالمفهوم الشعبي و ليس الأكاديمي- من المتفرجين و المزمرين و المطبلين لانتصارات الآخرين،بل اقتحموا المجال السياسي و أصبحوا من السادة تحت الأضواء الساطعة للشمس بعد أن كانوا تحت الظلال.وأبانوا عن نواياهم التي كانت تحت الستار .و لبسوا لبوسا عدة كاليسار الوسط وأنصار الديمقراطية و العلمانية و حقوق الإنسان و توسيع مجال الحريات و أشياء أخرى…و غاب الحديث عن المهمشين و و المساكين والبؤساء و الفقراء و العاطلين و المرضى و…و…و. قلت لصديقي إنها السياسة ألا تتذكر؟ إنها امرأة عاهرة متمكنة محترفة لعملها، تغدر بكل من اقترب منها، و لا ترى فيه إلا الضحية و كبش الفداء، تتسلى به حينا من الدهر، في انتظار كبش فداء آخر. و قلت لصديقي: هل تتذكر ما قاله الباحث المغربي المحترم المرحوم المهدي المنجرة الذي لم ينجر إلى السياسة و السياسيين،حين قال:”أنا لا أقوم بهذا العمل،و السبب أن السياسة تدفع بك نحو الدفاع عن الخطأ.و بذلك تبتعد عن الحق و الحقيقة…الاحترام هو الرصيد الذي أملكه و الذي ظللت أبنيه طيلة حياتي،و يجب أن أحرص عليه وأفتخر به” و أقنعت نفسي بما قاله إنسان آخر أتى من عالم النسيان “ليست البطولة في هذا الزمان أن يحمل الإنسان سيفا و لكن البطولة الحقيقية أن يحمل الإنسان ضميرا”….

انتاج :صايم نورالدين

2016-02-03 2016-02-03
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير