رجال وجدوا أنفسهم في خطاب الملك

533285 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: رجال وجدوا أنفسهم في خطاب الملك

ارتقى الخطاب الملكي السامي ،بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لميلاد موسوعة المغاربة الكبرى في الوطنية ، والتي عنوانها المسيرة الخضراء،الى مستوى الطبعة الثانية ،  وهي مقَوِّمة ،مزيدة ومنقحة؛ليس عن هوى، وإنما انطلاقا من استثمار القراءات المتعددة ،المغربية والأجنبية،التي تعاورت المتن الأول.

وكما انكتبت الطبعة الأولى ،عبر أربعين عاما من الابداع السياسي، التنموي والمعماري،ومواويل سُمار الليل،رعاة القمر والإبل في البيداء؛انطلاقا من فاتحتي الشرعية القضائية الدولية،و  “صوت الحسن ينادي..”،ومرورا بمعارك رمال أخرى ،لم يفلح فيها الجار اللدود في ايقاف نمو النص الصحراوي، لأن التاريخ فحل ،وصنديد ،ولا يتصور منه التفريط في حبيبته الجغرافية؛ستظل الطبعة الثانية (وكيبيديا) الصحراء، منفتحة على كل القراءات والكتابات ،الى أن يُسكت شهرزاد الصباح فتتسلل،كغزال فُك أسره، الى قومها وعشيرتها ؛هروبا من شهريار الجزائري ؛وتنتهي الألف ليلة وليلة ؛بكل دسائسها و سحرتها وعفاريتها .

يتوقف خطاب المكاشفة عند رجال- وحتى نساء- الحديث والحدث الوطني عموما،و الصحراوي خصوصا،ليصنفهم الى :

*رجال لم يستحضروا لحمة الوطن والوطنية ،في قراءة “الجهوية المتقدمة”.ربما لأن شعار الجهوية –وهو طاعن في السن،مغربيا- ظل مجرد ثرثرة فوق الوطن؛لا يصدقه حتى مطلقوه الرسميون؛ومن هنا ضعف الحرص على تفكيك كل مفردات الجهوية المتقدمة ،بالنظر اليها كمجرد حلقة أخرى من هذه الثرثرة.

حتى في مناقشة المشروع ،سياسيا وإعلاميا،لايحضر البعد الوطني ،كمعيار للنقد:بمعنى الأفيد للوطن- تنمويا – هل يكمن في تبعية هذا المكون الجهوي لهذه الجهة أو تلك؟ غالبا ما يتم تحكيم الجوار القبلي القديم ،والخريطة الجهوية المعتمدة حاليا؛وفي هذا جمود يضرب كل غايات المشروع.

يطمح الخطاب الى توجيه نقاش الجهوية المتقدمة صوب المكون الاقتصادي التنموي؛بدل استثماره سياسيا لتحقيق مكاسب انتخابية ليس الا.

*رجال تطرفوا في نقاش الهوية ؛بعيدا عن روح خطاب أجدير،والقانون الأساسي المنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وتطرفوا كثيرا في فهم دسترة الأمازيغية؛في سكوت بئيس عن المكونات الثقافية المغربية الأخرى ،وعن الارتقاء بالقضية من كونها أمازيغة فقط،الى كونها قضية كل المغاربة .هذا الانتقال من “الدعوة” الى “الدولة” لم يفهمه جيدا نشطاء الأمازيغ الذين أبلوا البلاء الحسن في نضالهم،عبر عشرات السنين.

أمَّا حينما نصل – بعيدا عن الموضوعية الأكاديمية ،ومناهجها في  دراسة هويات الشعوب – الى الطعن في التاريخ ،والأنساب،والسعي الى اظهار بعض المغاربة  كمشككين في القضية الفلسطينية،كما ظهرت وتطورت،فهنا نصل الى الكلام الذي “لايسمن ولا يغني من جوع” كما عبر الملك.

أربأ بكل مغربي،بله النشطاء والكتاب،أن يفقد صوابه و ينحدر بكلامه الى مستوى الهباء.  و”على نفسها جنت براقش” في هذا الحصر الذي تمارسه الدولة على الدعوة.

*رجال شهداء،عسكريون ومدنيون، صدقوا ما عاهدوا الله عليه ،ليس في حب الوطن فقط ،وإنما وصولا الى التضحية بالأرواح من أجله. يوجدون الآن بيننا ،عبر أسرهم التي حرمت منهم ؛وعبر الموسوعة الوطنية الكبرى التي ساهموا في كتابتها.

توقف الخطاب هنا ليس للترحم فقط ؛وإنما “دسترة” للغة الاستشهاد من أجل الوطن؛ التي يجيد المغاربة التحدث بها ،حينما يدعوا  الداعي ،ويحل أوان الشد.   لغة  الاستشهاد ذات أبجدية روحية؛لا هي عربية ولا هي أمازيغية.

أقول هذا للمولعين بالسؤال –والجواب في نفس الوقت- عن لغة المغاربة الأولى ؛ماهي؟.

وصولا الى هنا يكون الخطاب قد حقق ثلاث غايات:تقويم نقاش الجهوية المتقدمة،وتوجيه نقاش الهوية ،و”دسترة” لغة الاستشهاد،التي قد يدفع المغاربة دفعا الى النطق بها ،أسوة برصيدنا الروحي المفتوح، من شهداء الوطن.

ها أنتم ترون ألا سكونية ولا قبورية حتى في ترحم الملك على جواهر الوطن التي ترصع تاجه.

لم يفهم قادة الجزائر بعد ماذا يعني أن تكون الصحراء قضية وجود بالنسبة للمغاربة.لو كانت قضية حدود لهانت ؛وقد رأينا كيف لم يتوقف المرحوم الحسن الثاني طويلا ،عند مسألة الحدود الشرقية؛ذات هبة للمرحوم هواري بومدين صوب تفعيل الجوار الحسن.ولم يتوقف طويلا كذلك عند الحلم الجزائري الكبير؛المتمثل في الوصول الى مياه المحيط الأطلسي.   لكن أن يقال لنا ما قاله معاوية –بكل شبقية- لزوج امرأة في غاية الحسن:

       طلقها فلست لها بكفء   ***   وإلا يعل مفرقك الحسام

فهذا لا يطيقه غير الجبناء؛وفي الموسوعة المغربية لاورود لكلمة جبن.

ورغم كل الدبلوماسية المعروفة عن الملك محمد السادس ،فانه أسمع الجزائر هذه المرة لغة ذات جرس خاص ونذر:

لا حل أمميا  إلا بإدانتكم.  هكذا دفعة واحدة بكل رسوخ وبأس ملكي.  لايحتاج الأمر الى عميق تفكير لترتيب الخلاصة الآتية:  اذا لم تتم ادانتكم ،أمميا،فنحن قادرون على ذلك ؛وسيكون سلاحنا –كما في كل حروبنا معكم- الشرعية التاريخية.شرعية لا رائحة للبترول فيها.

رجال،فقراء وأغنياء ، لم تجبن جيوبهم ،حينما قيل لهم أنفقوا ؛فهؤلاء أبناؤنا عيال علينا،عاث فيهم المستعمر فقرا؛من شدة بخله الذي يعرفه مغاربة الشمال كثيرا.   وكما للحرب لغة فلها أعصاب كذلك ،هي الموارد؛والشعب الذي يجود بدمائه من أجل قضاياه الوجودية ،لايمكن أن يتصور منه البخل بأمواله.

ولا بد من التوقف هنا –على ضوء الخطاب دائما- عند حقيقة يغفلها المجتمع الدولي ،ولا تعيرها الأمم المتحدة أي أهمية:فمنذ الوقت الذي خرجت جبهة “بوليساريو” والجيش الشعبي الجزائري، من كماشة الجيش الملكي المغربي في “تفاريتي”،بوساطة من المرحوم  أنور السادات؛اصطحبت معها- ارغاما وكرها- دروعا بشرية من المواطنين الصحراويين ؛لتشكل النواة الأولى، لما تسميه الشعب الصحراوي، في مخيمات لحمادة؛منذ ذلك التاريخ والمساعدات المادية الدولية ،والجمعوية ،تتقاطر عليها ،حتى بدت دولة ماركتينغ مربح ،أكثر مما هي جبهة انفصالية.

من هنا ثراء قياداتها ،وانغماسهم في الثروة ،تاركين حلم الدولة لجنرالات الجزائر ،يتدبرون به حضورهم ضمن الأمم ،وثراءهم الشخصي أيضا.

ورغم أن حق  المغاربة الصحراويين الوحدويين ثابت في ما يخص دعم صناديق الأمم المتحدة ؛باعتبارهم ضحايا اقتتال فرض عليهم ،معطلا اقتصادهم ومشتتا لأسرهم،فان المغرب ترفع عن  المطالبة بهذا الحق ،وانصرف الى بناء الصحراء الخلاء ؛حتى غدت بحواضر تضاهي مدن الشمال.  بل لم تعد الصحراء التي تطالب بها الجبهة موجودة إلا في قصائد التيه الأولى.

يحدثنا الخطاب عن ضآلة الدرهم ،المد خول،ضمن السبعة المصروفة في تنمية الصحراء؛ولنا أن نتساءل عن الانفصالي الواحد ،كم يدر على قادته من دولارات؛وعلى الجزائر الرسمية من ثروة مادية ولامادية؛اذ لا وجود للجزائر في المحافل الدولية ،الا كمناوئة للمغرب؛وقد سبق أن تساءلت في موضوع سابق:هذه الجزائر المغربية ،فأين الجزائر الجزائرية.

على الأمم المتحدة أن تتساءل :اذا كانت السبعة دراهم –مصاريف- قائمة وثابتة بالبراهين ؛فأين مئات الملايير من الدولارات،المحسوبة انفاقا من الجزائر على الجبهة؟وأين مثيلها من المساعدات الأممية والجمعوية؟

 ليس في “لحمادة” غير الخيام ،وغير بيوت من تراب،مبنية كما اتفق.  من هنا البداية في النقاش الذي سيقود حتما الى الفضح والإدانة.

*وفي خطاب الملك رجال صدقوا في ما وعدوا جيوبهم به؛ولو أدى بهم الأمر الى بيع الوطن مثنى وثلاث ورباع.رجال

يفسرون سخاء الوطن على أنه رشوة لشراء سكوتهم عن حق ترابي مزعوم فقط. هؤلاء أغبياء في التاريخ والجغرافية معا ؛لكنهم تمرسوا في الابتزاز؛لا يشبعون حتى وهم يرون الوطن يغالب الصعاب التنموية شمالا ،ويواجه ،مكرها، خريجيه من الطالبة ،وهو يعلم أن مطالبهم مشروعة؛اذ الشباب لايجتمع له شمل مع البطالة.

هؤلاء الرجال – جنسا وليس رجولة- أشرقت عليهم الشمس ،في الخطاب،بنعت الخيانة؛والوعد بتصحيح وضعيتهم ،وكل الوضعيات الريعية  الموغلة في الأنانية.  ان الطبعة الثانية من موسوعة الصحراء الوطنية ستقطع مع كل

أساليب تأليف القلوب التي ختم الله عليها باليَبَس والانتهازية.وكما قال الفاروق عمر لأحد المؤلفة قلوبهم-وهو جاثم على صدره كالناقة-ان الله أعز الاسلام بدونك.  

*ورجال بدا لهم أن يركبوا ناقة حقوق الانسان لحشد النفير الدولي عساه يهب معهم بطائراته ودباباته ،ويقيم لهم مناطق عازلة،يرحل اليها الانفصاليون في ضواحي المدن ؛على غرار سيء الذكر “كديم ازك”.  رجال غُفل لم ينتبهوا الى أنهم يعيثون فسادا ،وتطفيفا حقوقيا،داخل المغرب؛دون أن يعترض عليهم أحد .وقد برهن قادة الجبهة أخيرا على مدى تنكيلهم بأبسط أبجديات هذه  الحقوق.  تروح أمينتو حيدر وتغتدي ،كناقة طرفة ،دون أن يقف في طريقها أحد.أيوجد برهان أكثر من هذا على الوفرة الحقوقية – اضافة الى المادية- في الصحراء؟ 

أكل هذا يتوفر لكم بدرهم مداخيل؟   أية مرجعية نحكم في قياس ما تتمتعون به من حقوق؟ مرجعية الجزائر أم الجبهة.

هؤلاء بعض رجال الخطاب؛وقد عرف كل واحد موقعه ضمنهم .

طبعا يزول الرجال ،و قد يبدلون ،لكن الوطن ثابت وصلب؛ ولا يلين الا للذين يعضون عليه بالنواجذ.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz