رئاسيات الجزائر: المنفذ إلى حقل الألغام (2)/ بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

171101 مشاهدة

“رمضان مصباح اللإدريسي/ وجدة البوابة:  إن الشباب الجزائري الذي خُدع طويلا بخطاب اشتراكي يعده بالحرية،المساواة،ومكان تحت الشمس،رأى حلمه يذبل ويذوب رويدا رويدا.وحينما اجتاح هؤلاء الشباب الشوارع في 5أكتوبر1988،ليصرخوا عاليا ،معبرين عن عدم رضاهم ،وانهالت عليهم العصي لإسكاتهم،انحلت ، والى الأبد،  الروابط  القليلة المتبقية التي كانت تشدهم إلى قيم الجمهورية.”

مترجم عن تقرير أكاديمي ليوسف معشب:جامعة قسنطينة   (عن جريدة الوطن الجزائرية)

الألغام السياسية:

ان الفصل بين الألغام الاقتصادية –موضوع الحلقة الأولى من هذا المقال- والألغام السياسية ،شكلي لا غير ،إذ السياسي  حاضر في الاقتصادي والعكس صحيح ؛خصوصا في حالة دولة الجزائر الجالسة على كرسي بثلاث قوائم:البترول ، الغاز والجيش.الرئيس مقرفص كبوذا حجري بين هذه القوائم.

ويمكن النظر إلى الألغام الاقتصادية على أنها انشطارية ؛سرعان ما تتطاير شراراتها إلى حقل السياسة وتشعل فتائلها المتشابكة.

وعليه فلولا وجود جماعة متورطة في تبديد 700مليار دولار –إضافة إلى ما خفي- على مدى عهدات الرئيس بوتفليقة الثلاث ؛وشعورها بأنها يجب أن تظل في قيادة  السفينة حتى لاتغرق ،بما فيها،لما رأيناها اليوم تتمسك بظل الربان ؛كلما حاولت التستر على عجزه الذهني إلا  وفضحها لأنه لم يعد يعلم – بعد علم- شيئا . ولله الأمر.

إن العهدة الرابعة التي فرضت فرضا على بوتفليقة ،بصريح عبارته ؛وان كاذبا بخصوص الجهة الفارضة- إذ شُبه له بأنها الشعب الجزائري- لا ترتد إلى  وجود برنامج عمل قائم، لم يكمل الرئيس انجازه – وان كان بلخادم صرح بهذا أخيرا في عين مليلة-أو البرنامج الثوري الجديد،والضخم المعلن عنه  بدون خجل ؛بل إلى اللوبي الكبير المتورط في استنزاف ثروة الشعب الفقير،والذي لا يمكن أن يُمَكِّن هذا الشعبَ من رقبته ليشنقها؛ولو بحرب إبادة على الطريقة البعثية السورية.

ليس صدفة أن تكون الجزائر العسكرية هي كل ما تبقى إلى جانب بشار الأسد من دول عربية؛وليس صدفة أيضا أن تكون قد  ظلت راكبة  لنفس السفينة مع العقيد الليبي ،حتى وهي تراها تغرق.

وليس الإقبال الهستيري على التسلح، تحسبا –فقط- لدرء عدوان خارجي ؛بل لاقتناع بأن كل شروط اندلاع ثورة شعبية ربيعية -على غرار ما حصل سنة 1988 وما أعقبه من انقلاب  عسكري انتخابي و اقتتال- باتت قائمة .

ولاقتناع أيضا بأن المجتمع الدولي النافذ لا يمكن أن يكرر نفس التردد والتذبذب الملاحظ عليه في سوريا ،لأن الجزائر دولة بترول وغاز؛وهي  بحمل غير شرعي في جنوبها (بوليساريو)وصولا إلى شمال مالي  ،حيث مجمع الإرهاب  العابر للقارات.

مجمع إرهاب أصبح ،ولأول مرة- كما لاحظ ذلك طلحة جبريل-يتمدد عبر الصحراء الجنوبية كلها وصولا إلى سيناء؛وضمن أسلحته الثقيلة دبابات ليبية،وربما  حتى طائرات .فعلا لقد نفذ ألقذافي تهديده بتسليح القاعدة، قبل أن يندحر.

وقد جربت الجزائر العسكرية- في عشرية الدم- مدى تأثير الحصار الدولي ،في مجال التسلح،على قدراتها القتالية.

إن الفساد المالي المتراكم –منذ تأسيس صوناطراك ،كما أوضحت في الشطر الأول من هذا المقال- هو الذي أنتج كل هذا الفساد  السياسي الانتخابي . ومباشرة بعد 17 أبريل ستدخل الجزائر منعطفا حاسما ؛لأن ما بني على الباطل باطل .

لنقارب هذا الغد المتفجر و المؤلم في الجزائر، من أهم جوانبه – حتى نحدد جغرافية الألغام- علينا أن نُنَشِّط ونوسع خيالنا السياسي؛خصوصا و قد عشنا طيلة أيام الحملة الانتخابية على إيقاع سريالية  “ديموقراطية” ؛ملكيتها الفكرية خالصة للجزائر.

 سريالية حتمية،بمعنى أن التفاعل بين بنية الدولة الجزائرية ومضمونها  واشتغالها،كان لا بد أن يفضي إلى الوضعية التي عشناها ،ونحن نرى رئيسا مريضا يقاد الى المجلس الدستوري للترشح، وبين يديه أربعة ملايين استمارة تزكية.

لقد طحنت رحى النظام ما شاء لها  القادة العسكريون أن  تطحن من هامات و عظام وقيم ثورية -على مدى نصف قرن- وحينما خلا جوفها طحنت الهباء وعلا الصرير،ثم أسلمت الروح .

فهل شباب الجزائر مستعدون ليدخلوا مرة أخرى جوف هذه الآلة المرعبة؟

لنتصور الأوضاع الأربعة الآتية:

*صبيحة يوم 18أبريل يقف بوتفليقة الفائز ،سالما معافى،كَفُنيق انبعث من رماده شابا . يختار من رجال الدولة في الجزائر أشدهم وطأة على الفساد.ينادى بكل الرؤوس التي أينعت لقطعها ،وبكل الملايير التي أخرجت أعناقها ليعيدها إلى بيت الطاعة،لتبدأ جمهورية ثانية ،كما وعد.  هذا مستحيل.

*يظل مريضا كما هو ،وتتصدى جماعته للحكم محله ،مطبقة نفس الصرامة إزاء الفساد ،لبناء جمهورية ثانية على أسس ديمقراطية جديدة.  هذا مستحيل أيضا.

*يظل كما هو مقعدا يترأس اجتماعات الحكومة ،يهم بالكلام، ويهم به الكلام، فلا ينشط أحدهما للآخر.ينفض الجمع ليلتئم في يوم آخر، يقرر فيه لسان الرئيس أن يُبين ويُفصح . ثالث المستحيلات.

*تحكم الجماعة في غيابه التام –ولو بموت حقيقي مكتوم- تتفق وتختلف وتتصارع أجنحتها، الى أن يصل الأمر العسكري ،ليقول كل طرف للآخر:ألم أقل لك انك لن تستطيع معهم حكما؟

 ثم تمضي الجزائر ،كما كانت دائما ،بأحذية ثقيلة تدوس على أقدام الشعب الحافية.لم يعد هذا ممكنا لأن آلة طحن العظام ،لصناعة أحذية العسكر ،لفظت كل أنفاسها.

لم يبق إذن إلا أن تنطلق ،متلاحقة،انفجارات الألغام حسب سلم الأقدمية في التربة الجزائرية ؛في احتفالية جنائزية مرعبة ؛توالى الادخار لها والاستثمار فيها منذ انقلاب جيش الحدود(جماعة وجدة) على القادة التاريخيين للثورة الجزائرية.

وحتى حينما اضطرت الجماعة العسكرية المستبدة إلى الاستنجاد بمن تبقى من هؤلاء القادة (المرحوم بوضياف) لتصحيح الاختلالات الخطيرة -في أوج “الحرب الأهلية”- سرعان ما نكصت على عقبيها – حينما تأكدت بأن التنور فار وطوفان الحساب آت – لتقرر اغتياله للمرة الثانية .

لم يبق إذن إلا أن تنفجر الألغام  مطوحة بأشلاء قتلة الشرعية ،وبرنامجي محمد بوضياف ،ومن كانوا وراء إقالة واستقالة الشاذلي بن جديد وليمين زروال. هؤلاء الذين صنعوا بوتفليقة،وقرروا أن يتمسكوا به ولو ميتا، جعلوا منه أيضا لغم البداية في مسلسل الانفجارات.”ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين”.

اللغم الأول:  تم زرعه يوم قرر الانقلابيون  ،وهم جزائريون طبعا،أن يحكموا الجزائر – المحررة بخرط القتاد-  بعقلية

المستعمر.

اللغم الثاني: وقد أنزرع في الوجدان الجزائري،وتربة الجزائر،حينما أدرك الشعب أن قادته الجدد شرعوا في هدم

 هذا الوجدان  حتى تموت كل قيم الثورة.

اللغم الثالث:  وضع خفية في التراب حينما أدركت ساكنة الريف الجزائري ،بالخصوص،بأن الكلام الجديد الذي أصبحت تسمعه في خطابات هواري بومدين الشهيرة،لا ينبت قمحا ولا شعيرا ولا فولا ؛ولا يطعم شاة ولا بقرة ولا بغلا ولا طيرا.

أما حينما جاعت فقد بحثت عن اللغم ليلا ،و جثت على رُكبها ورجته ألا يخيب أملها حينما يحين الوقت.

اللغم الرابع:د سه الشعب الجزائري حيث يجب؛حينما قيل له انك ثري ،ويكفي أن نقول لك هذا لتشبع وتتباهى.

ومع ارتفاع أسعار البترول قيل له :احذر جيرانك  الاستعماريين ولا تفكر في بطنك حتى تشحذ كامل سلاحك.

اللغم الخامس: تربية الشباب على الكراهية  وعسكرتهم ؛في انتظار عدوان أيقنوا أخيرا أنه لا يأتيهم الا من الداخل،فقالوا :كفى لا يمكن للاستغباء أن يمضي هكذا إلى ما لانهاية.

 لا يمكن لجماعة من العجزة والشيوخ ،مجانين الحكم ،أن تواصل العبث بأبناء المجاهدين.

وكما يقول الأكاديمي الجزائري:  “انهالت العصي ،لكن آخر الروابط التي كانت تشد الشباب إلى قيم الجمهورية،انحلت والى الأبد.”

وعسى أن تنبعث  غدا ،ومن الرماد ،جزائر أخرى حلمنا بها هنا في المغرب ؛جزائر تقطع مع الكراهية والغرور العسكري الموظفين  بكل الخبث المعروف للمستعمر.   لا أشد على الشعب من قادة وطنيين يتصرفون كمستعمرين.

ولا أقسى ممن هو مقتنع بأنه عابر في كلام عابر ..

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz