ديمقراطية السيد بنكيران

73174 مشاهدة

وجدة: نور الدين زاوش/ وجدة البوابة: وجدة في 10 غشت 2013، كثير من سياسيينا المحنكين يعتقدون حزب العدالة والتنمية مثالا رائدا في الديمقراطية الداخلية، وكثير منهم تخذله الجرأة في فتح هذا الملف الشائك، أو تعوزه الحجة والمعرفة، لكن من تبحر في فهم الظاهرة الإسلامية في بلدنا الحبيب، واعتكف على دراستها سنين عدة، بعدما عاش في كنفها أكثر من ربع قرن، يقسم جازما أن حزبنا الإسلامي من أسوأ الهيئات السياسية تفاعلا مع الديمقراطية واحتراما لها، ومن أكثر الأحزاب كفرا بالرأي الآخر، حتى وإن كان رأيَ واحد من قياديينا المرموقين، لأنه، في الحقيقة، ليس لدينا إلا قيادي واحد وأوحد، هو السيد بنكيران عظم الله سره.

لا أحد يجادل في دور السيد بنكيران في ما وصل إليه حزبه العريق، ولا أحد يستهين بمجهوداته وملكاته، فنظرياته المحبوكة في التغزل بالسلطة، بسبب وبدون سبب، وكذا تصديه، الفريد من نوعه، لشباب 20 فبراير، قد جعلا منه بطلا في نظر مناضليه ومعجبيه، فأحكم بذلك سيطرته عليهم، وفرض هيبته في قلوبهم، وجعل لا كلام يعلو فوق كلامه، ولا رأي يتصدى لرأيه أو موقفه.

إن التجربة الطويلة للسيد بنكيران في حقل الدعوة، وفي الاشتغال مع أناس من طينة “الإخوان”، جعلته يراكم من الخبرات ما مكنه من قيادة الجميع إلى حيث يشاء، بدون عناء أو نصب، ودون أن يخطر ببال مناضليه أنه قد زُج بهم في دائرة محكمة الإغلاق، لا يستطيعون الخروج منها، أو حتى النظر إلى خارجها، فضلا على أن يثوروا أو ينتقدوا أو يحتجوا، وهم لا يفطنون أصلا إلى أنهم صاروا مسلوبي الإرادة، مشلولي الحركة، ممسوحي الذاكرة، يُقَلِّبون وجوههم حيث وردتهم الأوامر بذلك.

لقد فطن السيد بنكيران إلى أن الخبرة والحنكة لا يكفيان وحدهما لتحقيق المقاصد أو بلوغ المرام، مما جعله في حاجة لابتكار آليات تنظيمية جديدة، تُحَصن نظرية التحكم من الانحراف، وتجعلها في منأى عن العشوائية أو الصدف السيئة، ومن بين هذه الآليات أن يكون طاقم اشتغاله في الأمانة العامة حصريا على من يدينون له بالطاعة الكاملة والولاء التام، فيكونوا بين يديه مثلما يكون الميت بين يدي غاسله.

منذ عقد من الزمن، وفي اجتماع نقابي، بمقر حركة التوحيد والإصلاح، كنا نهيئ الشعارات لمظاهرة نعتزم القيام بها، فاقترح السيد “خالد الرحموني” شعارا من أجل إدراجه في اللائحة، فاعترضتُ عليه بدعوى أنه لا يليق، فرد علي قائلا بأن هذا الشعار قد رفعه في حضرة الأستاذ بنكيران ولم يُعلق، فرددتُ عليه غاضبا: “من هو بنكيران؟ هل هو نبي الشعارات؟”.

حينما تجد شخصا يفكر بهذه الطريقة الغريبة، وتجده يجعل من السيد بنكيران حجة في حركاته وسكناته، وكأنه نبي يُحتذى بقوله، أو رسول يقتدى بفعله، فاعلم يقينا أنه يصلح للاشتغال مع القوات الخاصة التابعة لبنكيران، هذا وحده ما يفسر ترقيته إلى أعلى المراتب، وإلحاق بنكيران له بالأمانة العامة، حيث غرفة عمليات الحزب الإسلامي الأصيل، مما سهل عليه، قبل أسابيع قليلة، التربع على عرش “الطالع” على موقع هسبرس، وفي الوقت ذاته يوضح عدم جدواي في هكذا حزب، مما حذا بي، فيما بعد، للاستقالة منه وأنا أشغل منصب كاتبه الإقليمي.

لقد اخترع السيد بنكيران آلة عجيبة، تلفظ المخالفين والمشوشين والمفكرين، ولا تبق إلا على من يسمع ويطيع، دونما جدل أو وجل، فكان أول من تخلصَت منه بكل احترافية ومهنية، هو السيد المقرئ أبو زيد الإدريسي، الذي تصدى بكل حزم وعزم للسيد بنكيران، حينما أصر هذا الأخير الدخول إلى حكومة “اليوسفي” من أول انتخابات تشريعية شارك فيها الحزب سنة 1997م، ومن ثم وعى السيد بنكيران مبكرا بضرورة اشتغال الآلة السحرية، التي اشتغلت بالفعل، وانتهت بتقديم المقرئ استقالته من مركز القيادة، ولم يقترحه السيد بنكيران في أمانته العامة بعدها قط، رغم أنه اقترح أناسا لا يَصِلون حتى عُشَر معشار فكره أو نزاهته أو ثقافته، لكنها نظرية الولاء العمياء، التي لا تعرف صديقا أو حبيبا أو مفكرا.

لم يكن الدكتور العالم فريد الأنصاري، رحمه الله تعالى، أوفر حظا من سابقه، فالآلة السحرية لا تبق ولا تذر، حتى استقال “الأنصاري” من حركة التوحيد والإصلاح، وكتب كتابه القيم: “الأخطاء الستة للحركة الإسلامية”، فبين اعوجاج العمل الإسلامي، وقوّم عمل الحركة الإسلامية، ورصد مكامن الداء واقترح الدواء، لكن، للأسف الشديد، فالسيد بنكيران لم يقرأ الكتاب، حسبما صرّح به للسيد مصطفى العلوي في برنامج حوار.

ليس كل من تخلص منهم بنكيران يُؤسف عليهم، كأمثال السيد أفتاتي الذي أتى على جميع أوراقه باستعدائه الجميع، حتى اتهمه أكثر من واحد بمرض نفساني مزمن، لم يعد بعدها موضع خلاف في كونه لا يصلح “للقيادة”، لكنه يصلح لكي يطل على العوام والدهماء كل يوم، ليطمئنهم من أن مشروعنا الإسلامي ما زال بألف خير، بتصريحاته الأشبه ما تكون بهذيان الحمقى والمجانين.

المُلفت في هذه الآلة السحرية العجيبة، أنها مثلما هي قادرة على أن تبعد بعض “المشوشين”، فهي قادرة أيضا على أن تقرب البعض الآخر من أجل الاستيعاب والاحتواء، وهذا ما فَعَلَتْه بالسيد نجيب بوليف حينما كان ينشر غسيل الحزب على صفحات جريدة “الأيام”، فأُلحق بكتائب بنكيران، فأراح واستراح، وأعطى الأمان وناله.

إننا نشتغل في الحزب الإسلامي على أن نكون فريقا واحدا، متجانسا، منضبطا، واعيا بمتطلبات المرحلة، وهذا لا يتأتى إلا بوحدة القيادة، فالسيد بنكيران أقحمنا في العمل السياسي، بعدما كنا لا نرى جدوى من ورائه، وجعلنا نفوز بمقاعد عدة في البرلمان، بعدما اعتقدنا سنين طويلة، بأن من دخل البرلمان فقد صبأ، وجعلنا نتربع على عرش رئاسة الحكومة، وقد كنا، من ذي قبل، نجزم يقينا، بأن الأمل في بلوغ هذه المرتبة ضرب من الجنون، أو علامة من علامات الساعة العظام.

لقد أخرجنا السيد بنكيران من الظلمة إلى النور، ومن العدم إلى الوجود، ومن اقتناء سيارات متواضعة، إلى سيارات لا يعلم أغلب الشعب أسماءها أو أثمانها، ومن بيوت تستر الحال، إلى فيلات فارهة يعجز اللصوص اقتحام أسوارها، ومن نكرات إلى شخصيات عالمية، تتسابق أشهر القنوات التلفزية لتأخذ تصريحاتها، فلا ضير بعد هذا كله، أن نُسَلِّم له أمرنا عُميانا، ونفوض له مصيرنا عرفانا، بعدما برهن على أنه أحدُّنا بصرا، وأرجحُنا عقلا، وأصفانا ذهنا، حتى ولو أننا في كثير من الأحيان لا نفهم مواقفه، ولا نستوعب آراءه، ولا نقتنع بأطروحاته.

لقد جاء في الصفحة 191 من كتاب “الجالية اليسارية المقيمة بحزب العدالة والتنمية” الذي ألفته قبل 6 سنوات، وقبل أن يخطر ببال أحد، أنه سيأتي يوم يعتلي فيه “الإسلاميون” سدة الحُكم:

“إننا اليوم في عهد برلماني “إسلامي”، وغدا سنكون أمام وزير “إسلامي”، وبعد غد أمام وزير أول من طينة “الإسلاميين”، لكن حالة الإسلام ستبقى على حالها مثلما وجدناها أول يوم، وربما ستصير أفظع، فعلى “الإسلاميين” أن لا يفرحوا حينها بترقيهم في المجتمع، مادام الإسلام لم يترق بعد”. انتهى ما جاء في كتاب ” الجالية اليسارية”.

نورالدين زاوش

ديمقراطية السيد بنكيران
ديمقراطية السيد بنكيران

Zaouch.nor@gmail.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz