دور الأسرة في إعادة إدماج الحدث

269076 مشاهدة

حميد الحمداني، باحث في القانون الخاص/ وجدة البوابة

“لا يمكن أن نربي أطفالنا دون أن نحبهم ودون أن نؤثر فيهم ونصل إلى قلوبهم، ولا يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في سلوكهم ما لم نستطع التأثير فيهم.”

Julian Van Acker – –

المقدمة:

       على الرغم من الوظيفة التي أصبحت تحتلها مؤسسة المدرسة، باكتساحها لمجال شاسع داخل حياة الناشئة، فان دور الأسرة بقي أساسيا ومصيريا في تحديد شخصية الطفل من جهة، وتشكيل سحنة المجتمع من جهة أخرى. ذلك إن مسالة التطور و الإصلاح  و التحديث..

            وغير ذلك من المقاصد الداعية إلى التغيير و التنمية؛ فإنها كلها، تتركز في واقع الأمر، داخل بؤرة الوظيفة التربوية للأسرة؛ على اعتبار أن هذه الخلية الاجتماعية، تشكل المجال الطبيعي الأول الذي تتفق داخله شخصية الطفل وفق النموذج المؤطر لها داخل الأسرة و المحدد لقاعدتها الرئيسية. ومن هذا المنطلق يمكن التسليم بان سلامة  المجتمع، تتحدد من خلال سلامة الأسرة المشكلة لبنيته.

       وتحتل الأسرة دورا كبيرا في الوقاية من الجريمة، خصوصا جرائم الأحداث. كما إن مختلف التشريعات الجنائية الحديثة، وخاصة الدولية منها، تدعوا إلى اعتماد الأسرة في الوقاية من الجريمة. واستنادا إلى ذلك، فقد عمد المشرع المغربي إلى إعطاء أهمية كبرى للأسرة من خلال احتلالها للأولوية ضمن أوراش الإصلاح المجتمعي الشامل الذي شهدها المغرب منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وذلك من منطلق اليقين بان إصلاح المجتمع وحمايته من الاضطراب، يمر حتما عبر حماية وتقوية الأسرة، ولعل الإصلاحات التي عرفتها القوانين ذات العلاقة بالأسرة لدليل واضح على ذلك.

         ولكن عندما نتحدث عن الأسرة، فهل نحن أمام نموذج واحد من الأسرة، يتيح لنا أن نعمم أحكامنا بشأنه؟ بطبيعة الحال لا يمكن ذلك.

       في سياق المتغيرات الدولية الراهنة وتحت تأثير اكراهات العولمة، مر المغرب في العقود الأخيرة بتحولات بنيوية عميقة أثرت بشكل كبير على مختلف مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية داخله وألقت بتداعياتها على الأسرة التي عرفت مجموعة من التحولات انعكست على بنيتها فأدت إلى بروز نماذج أسرية مختلفة كما أثرت على استقرارها وطبيعة وظائفها.

         فالأسرة المغربية تتنوع وتتعدد بحسب المكان و الزمان. وتتميز بتركيبة مختلفة من حيث البنية. فهي إما أسرة نووية أو ممتدة، وإما أسرة تقليدية أو حديثة، وإما أسرة قروية أو حضرية، وإما كذلك أسرة أصيلة أو بديلة وهذا النوع الأخير هو ما يهم موضوعنا بكثرة.

         و الأسرة الأصيلة غنية عن التعريف، ولا بأس من أحاطتها ببعض التعريفات: يطلق على الأسرة في الاصطلاح” الدرع الحصينة، وأهل العشيرة، والجماعة التي يربطها أمر مشترك. والأسرة من حيث مفهومها القانوني، تعرف حسب مدونة الأسرة من خلال تعريف الزواج.

       ويعرفها بعض الفقه بأنها “جماعة من الأفراد تربط بينهم رابطة القرابة الشرعية، ويعيشون في منزل مستقل، ويتواصلون مع بعضهم البعض عبر تفاعل مستمر، كما يؤدون أدوارا اجتماعية خاصة بكل واحد منهم..”

       بينما يرجع أصل الاشتقاق اللغوي للفظ الأسرة في اللسان العربي إلى مصدره “الأسر” بمعنى القيد، ويقال أسره أي قيده. ومن هذا المعنى يدخل مفهوم مراكز حماية الطفولة. والتي تعتبر أسرة بديلة. وتعتبر هاته الأخيرة تعويضا عن الأسرة الأصيلة التي فقدها الطفل لسبب من الأسباب، فقد تتخذ شكل أسرة كافلة، حاضنة أو متبنية، وقد تتخذ شكل مؤسسة، مثل مؤسسات حماية الطفولة بفاس: كمؤسسة الزيات للفتيات و مؤسسة عبد العزيز ابن إدريس للذكور. وذلك بهدف إعادة إدماج الإحداث الجانحين بهذين المركزين.

         لذلك، فان التجربة المغربية في معالجة مجال جنوح الأحداث، تتميز بالنهج التربوي و الإصلاحي الذي يقوم على حماية الحدث الجانح وضمان شروط تأهيله و تقويم سلوكه وإدماجه من جديد في المجتمع، بعيدا عن أي تدبير عقابي.

         فخلافا للعديد من البلدان التي تنص قوانينها بتجريم الحدث وبضرورة اللجوء إلى إيداع الحدث الجانح بالمؤسسات السجنية المغلقة، من اجل عزله وحرمانه من الحرية، مستندة في ذلك إلى أن الحدث يتوفر على الأهلية الكاملة مثل باقي الأفراد الراشدين، وبضرورة محاربة آفة جنوح الأحداث بواسطة تدابير قضائية زجرية؛ فقد اقر المشرع المغربي نظاما خاصا يعنى بالحدث الجانح، وينطلق من أن مكافحة الجنوح ينبغي أن ترتكز على إحالة الحدث الجانح على مؤسسة تربوية خاصة، توفر له أجواء الاطمئنان النفسي المطلوبة، وتعمل على تامين شروط الرعاية التربوية الكفيلة بإصلاح الحدث وتقويم سلوكه وتأهيله للاندماج الاجتماعي.

        إن هذا النهج يستهدف الحد من آفة جنوح الأحداث وذلك عبر احتضان الحدث الجانح وتوفير الخدمات والمساعدات النفسية والتربوية والاجتماعية التي تجعله عنصرا ايجابيا في المجتمع.

       وفي هذا الإطار أناط المشرع وزارة الشبيبة والرياضة بالإشراف على مجال رعاية الأحداث الجانحين، انطلاقا من أهمية العمل الموكول لهذا القطاع، ودوره المتمثل أساسا في تقديم الخدمات التربوية والاجتماعية لفئات الطفولة والشباب من اجل وقايتهم من الانحراف وتوفير الوسائل المساعدة على تنمية قدراتهم الذاتية وتكوينهم واندماجهم اجتماعيا. ولذلك، فمن النتائج المباشرة لتطوير الفكر الجنائي، الاقتناع بان مكافحة الجريمة شأن مجتمعي، يجب أن تتظافر فيه جهود جميع فعاليات المجتمع بداية من الأسرة (الأصيلة والبديلة) والمدرسة والمجتمع المدني..إلى الشارع وعدم جعل ذلك حكرا على الدولة وحدها. وتأكد هذا الاقتناع بعد ثبوت فشل الدولة بأنظمتها القانونية، ومؤسساتها القضائية والعقابية في القضاء على الجريمة.

        وفي هذا الصدد فقد أعطى المشرع المغربي الأسرة أهمية كبرى من خلال مرحلة الحكم الجنائي، إيمانا منه، كباقي التشريعات المعاصرة، بدور هذه المؤسسة الاجتماعية في إعادة إدماج الحدث الجانح أثناء هذه المرحلة التي يوصم فيها الحدث اجتماعيا وجنائيا بعد مروره بمختلف مراحل الدعوى الجنائية، وما تخلفه لديه من اضطرابات نفسية مما يؤدي إلى صعوبة إعادة إدماجه في المجتمع من جديد.

         وتبرز هذه الأهمية من خلال المقتضيات الخاصة بالأحداث، والمضمنة بالمسطرة الجنائية والتي تعطي بعدا حقيقيا للدور التشاركي للأسرة في تربية الحدث وإعادة تأهيله، حيث نجد انه من بين التدابير التي يمكن اتخاذها في حق الأحداث الجانحين، تدبير التسليم للأسرة باعتبارها المؤسسة الاجتماعية الأنسب والأصلح لإعادة التأهيل، كما أعطى نفس القانون الأسرة حق الطعن في التدابير التي تقضي بإيداع الحدث خارج محيطه الطبيعي.

  1. 1.     تسليم الحدث الجانح للأسرة:

         نص المشرع المغربي على تدبير تسليم الحدث الجانح لأسرته، بناءا على الخلاصات التي انتهت إليها الدراسات الاجتماعية والنفسية المتعلقة بالطفولة والتي أكدت على عدم وجود فضاء تربوي سليم ومتكامل لتنشئة الطفل  إلى جانب الأسرة، حيث ينعم بالاستقرار اللازم لتطوير شخصيته في المنحى الايجابي، ويتجنب مساوئ مراكز حماية الطفولة لما تتميز به من مخاطر الاختلاط بالأحداث الجانحين وخاصة المتمرنين على أصول الإجرام منهم.

ويتم إيداع الحدث بوسطه الطبيعي إما في إطار التسليم كتدبير مستقل أو في إطار نظام الحرية المحروسة.

أ‌.        التسليم للأسرة كتدبير مستقل.  

         يقصد بتسليم الحدث الجانح لأسرته، إبقاؤه ببيئته الأصلية لأنه ثبت علميا انه ليس هناك أحسن ولا أفضل من تربية الحدث في أحضان والديه أو في جو اسري له نفس مكونات الأسرة الطبيعية إذا كان في مقدور هذا الجو أن يهيئ كل أسباب مراقبة الحدث والحيلولة دون عودته إلى الإجرام.

         وفي هذا الإطار، فقد أعطى المشرع المغربي تدبير التسليم للأسرة سواء كانت أصلية أو بديلة، أولوية خاصة مقارنة مع التدابير الأخرى، حيث نجد الفصل 481 من ق م ج ينص على انه “يمكن لغرفة الأحداث أن تتخذ في شان الحدث، واحد أو أكثر من تدابير الحماية والتهذيب التالية:

–         تسليم الحدث إلى أبويه والوصي عليه أو المقدم عليه، أو كافله، أو حاضنه، أو شخص جدير بالثقة…”.

          والعلة في إدراج المشرع للأشخاص الذين يمكن لهم أن يتسلموا الحدث على هذا النحو، هو أن الميل الطبيعي اتجاه الحدث والحرص على مصلحته يتدرج لدى هؤلاء الأشخاص وفق الترتيب الذي حدده المشرع.

          وجاء توجه المشرع المغربي هذا تماشيا مع توجه اغلب التشريعات المقارنة، ومنها التشريع الفرنسي الذي اعتبر تسليم الحدث لأسرته له دلالة رمزية يهدف إلى تذكيرها بأنها هي المسؤولة الأولى عن تصرفات أبنائها وبأنه من واجبها ممارسة رقابة فعالة من اجل منعهم من العودة إلى الانحراف.

         ويتم تسليم الحدث الجانح مبدئيا لأسرته الأصلية، غير انه في كثير من الحالات قد لا توجد هذه الأسرة، أو على الأقل لا تتوفر على الشروط التي تسمح لها بتحسين سلوك الحدث، لذلك يسلم لأسرة بديلة والمتمثلة في شخص مؤتمن يتعهد بتربيته وحسن سيرته أو  إلى الأسرة موثوق بها يتعهد عائلها بذلك.

         و يعتبر تدبير التسليم للأسرة من أهم الوسائل القانونية لإصلاح الحدث وتهذيبه، وأشدها أثرا في نفسيته خاصة في حالة ملائمة بيئته، أو إذا كانت الجريمة المرتكبة من الجرائم العارضة البسيطة التي تدل على ميول إجرامية تأصلت في نفسه.

        ويترتب عن تسليم الحدث مسؤوليات متعددة على عاتق المتسلم، سواء كانت أسرة أصيلة أو بديلة، ومن بين هذه المسؤوليات، مسؤولية الإنفاق ومسؤولية الرعاية والتوجيه

ب‌.    تسليم الحدث لأسرته تحت نظام الحرية المحروسة.  

       يختلف تسليم الحدث لأسرته تحت نظام الحرية المحروسة على التسليم كتدبير مستقل، فإذا كان هذا الأخير يخول الأسرة دورا رئيسيا في تقويم سلوك الحدث وإعادة إدماجه بصفة مستقلة وحرة، فان حرية الأسرة في إطار نظام الحرية المحروسة تكون مقيدة حيث يكون عملها تكامليا مع عمل مندوب الحرية المحروسة الذي يعمل على توجيهها والتعامل معها لإعادة تأهيل الحدث الجانح.

       إلا أن اتخاذ تدبير التسليم تحت هذا النظام، يبقى مرتبط بمدى الاستعداد الذي تبديه الأسرة في تسلم الحدث وفي التعاون الذي تقوم به في علاقتها مع مندوب الحرية المحروسة.

       فإذا كانت الأسرة ايجابية ومتعاونة فان النتائج تكون ايجابية، أما إذا كانت سلبية، فان إخضاع الحدث لنظام الحرية المحروسة مع إبقائه بوسطه الأسري يكون خطا من البداية… لذلك فعلى القاضي مراقبة طبيعة الأسرة قبل الحكم على الحدث.

      وبقراءتنا للفصل 500 من ق م ج الذي ينص على انه “…إذا كشفت حادثة ما عن إهمال واضح لمراقبة الحدث من طرف الأشخاص المذكورين في الفقرة الأولى من هذه المادة، أو عراقيل متكررة تحول دون قيام المندوب بمهمته فللقاضي أو للهيئة القضائية التي أمرت بإخضاع الحدث لنظام الحرية المحروسة أيا كان المقرر المتخذ في شان الحدث، أن يحكم على هؤلاء الأشخاص بغرامة مالية بين 200 و1200 درهم”، نستشف على أن دور الأسرة في تفعيل الحرية المحروسة للحدث بهدف إعادة إدماجه، يعتبر واجبا قانونيا تترتب عنه المساءلة المدنية، وذلك في حالة ما إذا كشفت الوقائع عن إهمالها في القيام بواجبها في هذا الإطار.

        ولكي تتحلل أسرة الحدث الجانح من هذه المساءلة فانه يجب عليها أن تقوم بإعلام الجهات المختصة سواء مندوب الحرية المحروسة أو قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث، بكل المشاكل التي تعترضها والتي لها علاقة بسلوك الحدث وتصرفاته، لان عملية إعادة الإدماج تأخذ أهميتها من مدى فعالية العمل التشاركي والتكاملي للأسرة مع هذه الجهات.

  1. 2.     دور الأسرة في ادماج الحدث من خلال الطعن في التدابير المتخذة

        إن القرارات التي يتخذها القاضي أو المستشار المكلف بالأحداث بشأن تقرير أحد تدابير الحماية أو التهذيب،في حق الحدث الجانح، ليست قرارات غير قابلة للطعن، بل يمكن لأسرة الحدث طلب إعادة النظر في التدبير المتخذ، للمساهمة في اختيار أفضل التدابير القادرة على إدماجه، و إرجاعه إلى وسطه الطبيعي، إذا كان ذلك يحافظ على مصلحته الفضلى، و يعيد تأهيله من جديد.

        و بالرجوع للمادة 502 من قانون المسطرة الجنائية، نجدها تقرر هذا الطعن في المقرر القاضي بإيداع الحدث الجانح خارج أسرته أو فيما يخص طلب إرجاع الحدث إلى أسرته.

أ‌.        الطعن في المقرر القاضي بايداع الحدث الجانح خارج أسرته

        إذا ارتأى القاضي أو المستشار المكلف بالأحداث، أن شخصية الحدث تستوجب إيداعه في إحدى المؤسسات البديلة للأسرة، على اعتبار أن هذه الأخيرة كانت سببا في جنوحه، أو لا يمكنها أن تعيد إدماجه في وسطه الطبيعي، فقد منح القانون للأسرة ( أبويه …) الحق في الطعن بالاستئناف في هذا المقرر القضائي بعد مرور أجل 10 أيام من تاريخ صدوره.

         و يرى بعض الباحثين أن يتم التمييز بين التدابير المؤقتة و التي تقبل الاستئناف سواء وردت في المادتين 471 أو 481 من ق م ج ، و بين التدابير غير المؤقتة و هي تدابير الحماية و التهذيب و التي لا تقبل هذا النوع من الطعن إذا كان الحكم نهائيا.

        لكن نرى أنه يمكن لأسرة الحدث الاستعاضة عن الطعن، بوسيلة الطلب، و الذي يمكن تقديمه في أي مرحلة من مراحل الحكم، و أمام أي جهة قضائية كانت ( مادة 501 ق م ج)، و ذلك من طرف قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث، سواء صدر عن غرفة الأحداث لدى المحكمة الابتدائية أو الغرفة الجنحية للأحداث لدى محكمة الاستئناف، أو غرفة الجنح الاستئنافية للأحداث، أو غرفة الجنايات للأحداث الابتدائية و الاستئنافية( في حدود ما قضت به من تدابير الحماية أو التهذيب).

       وهذا يعزز دور الأسرة في مناقشة وسائل اقتناع الهيئة القضائية في جدوى التدبير المتخذ، سواء كان مؤقتا أو نهائيا، و ما دام القضاء المكلف بالأحداث على وعي بصعوبة إدماج الأحداث في مؤسسات خارج إطار الأسرة، في ظل الواقع الذي تعيشه مراكز التربية  و مراكز الإصلاح و التهذيب، و التي تعجز عن تعويض دور الأسرة كوحدة متكاملة و قادرة على توفير كل وسائل الإدماج و العيش الطبيعي، في سن لا يأبى فيه الحدث أن يكون خارجها.

        و مع ذلك فإننا نعتقد أن الأسرة إذا لم تتوفر لها المؤهلات المادية و المعنوية الكفيلة بإدماج الحدث، فان الطعن في قرار غير تدبير التسليم، يعتبر من قبيل الزج بالحدث في براثن الانحراف و الإجرام، إذا كان محيطه و علاقته بأسرته سببا في جنوحه.

               فلا نتصور إمكانية لإدماج الحدث من طرف أسرته، دون تحملها للحد الأدنى من المسؤولية في التربية و المراقبة المستمرة لأبنائها، و أن ثنائية العلاقة بين الأسرة و الأجهزة الرسمية أي القضاء، يجب أن تبنى على أساس الالتزام بمسؤولية محددة من جانب الأسرة، و مراعاة التطور و قابلية الأسرة لاحتضان الحدث و إدماجه من جهة ثانية.

ب‌.    طلب إرجاع الحدث إلى أسرته    

         أجازت المادة 502 من ق م ج لمجموعة من الأشخاص طلب إرجاع الحدث إليهم، أو تحت حضانتهم، و هم بالإضافة للأبوين هناك الوصي عليه و المقدم عليه، أو حاضنه أو كافله، و هؤلاء كما يستخلص من المادة السابقة يحق لهم تقديم هذا الطلب في حالة فقد الأبوين، و قد أعطى البعضلمفهوم الأبوين معنى واسعا يشمل الأخ و الجد و العم … في حين أن النص قيد هذا الطلب بالأشخاص المذكورين، و هذا لا يمنع في نظرنا أن مصلحة الحدث الفضلى، تقتضي أن تساهم الأسرة بكل أفرادها في طلب إعادة الحدث للعيش في وسطها، شرط أن يثبتوا أهليتهم لتربية الطفل، و تحسن سيرة الحدث تحسنا كافيا، و هذا هو الشرط الجوهري للقدرة على إدماج الحدث في بيئته الأسرية، فتقدير الأهلية ترجع إلى السلطة القضائية، و تشمل في اعتقادنا الأهلية المادية، أي القدرة على توفير كل الضروريات المادية اللازمة للعيش الكريم    ( مأكل و ملبس  و تطبيب و تعليم..) و أهلية معنوية تتجسد في الرعاية النفسية و حسن التربية و المعاملة الحسنة.

         لكن نتساءل عما قصده المشرع بتحسن سيرة الحدث تحسنا كافيا، و ما هي الجهة القادرة على تقييم هذا التحسن، خصوصا أن القضاء المكلف بالأحداث، ليس له إلماما بالتطور السيكولوجي و النفسي للحدث الجانح، و هو ما يجعله يستعين بإجراء فحص طبي نفسي على الحدث لقياس هذا التحسن، ثم إن تقييد تقديم هذا الطلب بمرور ثلاثة أشهر على تنفيذ المقرر بإيداع الحدث خارج أسرته، ليس له أي مبرر في إرجاع الحدث إلى أسرته، فقد يكون جنوح الحدث عارضا، و أن القضاء لم يقدر ظروف الحدث الاجتماعية أو النفسية، و قرر إيداع الحدث خارج أسرته لتحسين سلوكه، حيث تحرم هذه الأخيرة من حقها في تربية أطفالها، و انتظار المدة المحددة قانونا.

         وقد أحسن المشرع حينما سمح لأسرة الحدث بإعادة تقديم طلب إرجاع الحدث إليها، بالرغم من رفضه، و ذلك في أي وقت ( المادة 502/ ف 3).

        ويتعين على قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث، البت في الطلب المقدم إليه، بمقتضى مقرر بالقبول أو الرفض، يكون في الحالة الأولى قابلا للطعن فيه بالاستئناف من طرف النيابة العامة داخل أجل عشرة أيام، ابتداء من تاريخ صدوره، و في الحالة الثانية(أي في حالة الرفض) يكون قابلا للطعن فيه بالاستئناف داخل نفس الأجل، من طرف الحدث أو والديه أو الوصي أو المقدم أو الحاضن أو كافله.

و يرفع الاستئناف أمام الغرفة الجنحية للأحداث بمحكمة الاستئناف.

        و نرى أن إدماج الحدث من خلال أسرته لا يجب أن يتحدد بعد صدور القرار،  و إنما يجب إعادة تموقع الأسرة في المحاكمة الجنائية للحدث، و ذلك بأخذ رأيها منذ افتتاح أول جلسة للمحاكمة، من أجل وضع تصور شامل أمام قاضي أو مستشار الأحداث، و اعتبار أن نصف الحلول توجد بالأسرة و ليس خارجها، و أن المعالجة في الوسط الأسري أفضل من الإدماج في المؤسسات القضائية أو القانونية الأخرى.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz