دلالة ثقافة ارتياد المقاهي في مجتمعنا المغربي

289046 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: قدمت قناة الجزيرة  القطرية استطلاعا  لمقهى  شهير في السودان يعتبر مقصد شرائح اجتماعية متنوعة  ، وجاء في  التعليق  على  الاستطلاع أن هذا المقهى  صار  بمثابة برلمان شعبي  لتداول  مختلف القضايا السياسية  والفكرية والاجتماعية والاقتصادية … وتناولت القناة  بعد ذلك  موضوع دور  المقاهي  في حياة  الناس  خصوصا  في  العالم  العربي . وهذه الفقرة  جعلتني  أفكر في  تتناول موضوع  دلالة  ثقافة  المقاهي عندنا . وفي البداية  لا بد  من التذكير  بأن اسم  المقهى  ارتبط بمكان شرب القهوة ، ويسمى أيضا  القهوة  وجمعها قهوات  ، وهو مجاز  كإطلاق  النار على جهنم . والقهوة  في الأصل  تطلق  على  الخمر ، وقيل  أنها  سميت كذلك لأن  شاربها  يقهى  عن الطعام  أي  تقل  شهوته  له . ولا غرابة  أن  يطلق  لفظ  قهوة  على  شراب  البن ، فهو  يشبه  بعض أنواع  الخمر في  اللون ، ويحاكيها  في  التأثير  على  الدماغ ، ويمكن  اعتبار شراب  القهوة  من  المنشطات  لأن  البعض  يشربها  من أجل  السهر أو تجديد النشاط  بعد التعب  أو يشربها  بعد  الشبع  أو يشربها نشوة مع شرب الدخان ، وهي بهذا المعنى  تقهي  عن  الطعام  أي  تقلل من  اشتهائه بعد شبع  . وإذا كان شراب  البن  قد استعار  من  الخمر اسم القهوة  ، فإنه  لم  يستعر  لمكان شربه  اسم  الحانوت  أو  الخمارة  بل  يسمى  المكان شربه قهوة  أومقهى .  ولما  كان  الحانوت  أو  الخمارة  وهما مكان  معاقرة  الخمر من أجل  السهر والسمر ، فإن مكان احتساء  شراب  البن  أو  القهوة  يحاكي مكان معاقرة الخمر من حيث  طلب  السهر  والسمر . والغالب  على  ارتياد المقاهي  أن يكون  نهارا وزلفا  من الليل  خلاف  الحوانيت  أو  الخمارات  التي   تسهر  الليالي  وإن كانت  لا تغلق  أبوابها نهارا  أيضا . ومن المقاهي  من  يصل  النهار بالليل  خصوصا  في  الحواضر  الكبرى  الحديثة . وتكاد تكون ثقافة  ارتياد المقاهي واحدة  بالنسبة  لمختلف  شعوب  العالم  إلا  أنها  تتمايز  فيما  بينها في أمور  خاصة بها . فالمتأمل  لارتياد المقاهي  في ثقافتنا  المغربية  يلاحظ أن روادها عبارة عن  شرائح  مختلفة  من حيث  الأعمار والأوضاع الاجتماعية . وهذه الاختلافات تجعل  الأغراض من  ارتياد  المقاهي  مختلفة أيضا  . فالانتماءات  الاجتماعية  تجعل  رواد  المقاهي يشكلون  شرائح  ذات  هموم  مشتركة ، وهي هموم  تتحكم  في  نوع  التواصل  والخطاب  الدائر  في المقاهي . ومعلوم أن كل  شريحة  يجمعها   هم  مشترك  أو  مهمة  مشتركة  أو وظيفة   يتميز ارتيادها للمقاهي   بهيمنة  مشاغلها  على  أحاديثها أثناء ارتيادها  لهذه  المقاهي. فمن رواد المقاهي  مفكرون  وأدباء  ، وأطباء ، ومهندسون ، و موظفون من مختلف  القطاعات عسكريون  ومدنيون ، وحرفيون  ، و تجار ، وصناع  ومقاولون ، وأجراء ،  وعاطلون  وسماسرة  ولصوص  ونشالون ومنحرفون…. وغيرهم .  ومن ارتياد المقاهي  ما هو في حكم الإدمان ، ومنه  ما يكون  بين  الحين والآخر فقط دون إدمان .  ولا يقتصر  ارتياد  المقاهي  على  احتساء المشروبات  المختلفة  وأشهرها   مشروب  القهوة  بل  يصاحب  ذلك  شرب  الدخان  خصوصا  عند  غالبية  عشاق  شراب  القهوة . وقد  يصاحب  شرب  الدخان  تعاطي  المخدرات  في بعض  أنواع  المقاهي  المشهورة بهذه الآفة . ولا تخلو كل طاولة في  المقاهي من مرمدة الشيء الذي يعني  أن  التدخين أصبح ملازما لها . ومن السلوكات المشهورة في المقاهي قراءة  الصحف  والجرائد اليومية  ، ومتابعة  الأخبار  والبرامج  التلفزية  التي تبثها  مختلف  الفضائيات . ومما   انتشر في المقاهي  من  العادات  تعبئة  ما يسمى  الشبكات  التي تنشرها  الجرائد  . وعلى غرار  ترويج  السجائر  في  المقاهي بالتقسيط  أصبحت  الشبكات تروج  بالتقسيط  أيضا  حيث  تستنسخ من  الجرائد، وتباع  لعشاقها  أو  المولعين  بها حتى  لا نقول  المدمنين . ومن  الظواهر  المنتشرة  حديثا  أيضا  انتشار التغريد  والتواصل عبر الشبكات  العنكبوتية لوجود مقاه  تتوفر على  الربط  المعلوماتي . ومن المقاهي  ما  يشتهر  كأندية أدبية  ويكون روادها  من  الأدباء والشعراء  والمفكرين  الذين  يتقارضون  الشعر  ويتبادلون  الآراء الفكرية  والنقدية . ومن  المقاهي  ما يرتاده الجنس اللطيف  ، ويكون غالبا  مصحوبا  بالعشاق  و الأخدان ، ويكون في  مقصورات خاصة  أو في  شرفات  أو  حدائق  أوما شابه ذلك . ومن  المقاهي  ما  يكون  مجال  تجسس  وعبارة  عن  مصائد  وشراك  لإيقاع  نوع  من  الناس  يكونون  محل  رصد ومتابعة ممن يخشى  بأسهم . ومن  المقاهي  ما  يوفر للعاطلين  الملاجىء لقتل الوقت ، وبث  الشكوى والتذمر . ومنها  ما يلعب دور الماخور. ومن  المقاهي أيضا ما يتحول إلى محاكم  تبث  في النزاعات  ، وتسعى  في الصلح  بين  المتخاصمين  ،  ومنها ما يتحول إلى ما يشبه  مقر  النقابات لممارسة  النضال  والعمل  النقابي  ، ومنها  ما يتحول  إلى ما يشبه مقر الأحزاب لممارسة العمل السياسي . وفي الغالب  تتحول  المقاهي  إلى  ملاعب  مصغرة  لكرة  القدم  حيث   يحج إليها  عشاق هذه الرياضة  خصوصا وقد صارت  اللعبة  شبيهة  بلعبة  سباق  الخيل  أو قمار  الخيل  حيث  تتنافس  الأندية  الكروية  في العالم  ، ويتبارى  الناس  على  تنافسها  كما  يتنافس  المراهنون  على سباق  الخيل . ومن  المقاهي  ما يشتهر  بالقمار  ويرتادها  المقامرون  الذين  يقضون  سحابة  يومهم  في تصفح  أوراق وجرائد ومجلات القمار من أجل  تعبئة أوراق  الرهان  وبئس  الرهان ، ومنها ما يخصص  للعب الورق  والشطرنج  والبليار  وما شابه . ومن المقاهي  ما  تمارس  فيها  الصفقات  والسمسرة بكل أنواعها  فيما حل وما  حرم …. وكل المقاهي  فضاءات   تستعمل للكدية  والاستجداء . ومن  المظاهر  السلبية  التي  صارت تحارب  مؤخرا استخدام  الشيشة  في بعض  المقاهي ، وقد  وفدت  علينا  من المشرق  العربي عن طريق  التقليد الأعمى أو  ما يسمى  الحذو حذو  الضب  وولوج  جحره  المنتن . ولا يخلو رواد  المقاهي  من شرائح  محترمة   ترتادها  لأمور  ذات شأن ، وتتداول  فيها  مختلف  المعارف  والعلوم  كما أنها لا تخلو من  شرائح  وضيعة  تمارس فيها ما لا يليق من  أفعال مشينة  من  اغتياب وقذف  وبهتان . ومن  المقاهي  من  تسعى  لجلب  الزبناء عن طريق منع  الملوثات مثل التدخين  . ومن المقاهي من صار  يتولى  توفير  طعام  الفطور لشرائح  مختلفة من  الناس  الذين  لا تسعفهم ظروف عملهم  لتناول  هذه  الوجبة  في  منازلهم بين أهليهم وذويهم . وربما   اعتاد  البعض  على هذا الإفطار ، وصار  عندهم  مفضلا. وفي بعض  المناسبات  كمناسبة  شهر  الصيام  يكثر  الارتياد على  المقاهي  ، ويشتهر  بعضها  بتوفير  وجبة  الفطور  لبعض  الصائمين من إنفاق  بعض المحسنين  أو  بعض  جمعيات  المجتمع  المدني الممارسة عمل  الإحسان  . ومن المقاهي  ما تقام فيها  الحفلات  مثل  الأعراس … وخلاصة  القول  أن  المقاهي صارت  مظهرا  من  مظاهر  الحياة  العصرية  ترتادها  مختلف  الشرائح  الاجتماعية  من أجل  مختلف  الأغراض  ما جل  منها  وما حقر  ، وما عظم منها وما صغر . ولقد صارت بعض أسماء  المقاهي  ذات دلالات ، ويكفي أن يضرب الإنسان  موعدا  في  نوع  منها  لتعرف  شريحته  ، وانتماؤه  الاجتماعي  ، ومستواه  الثقافي  وطبيعة  شخصيته . وعندنا  في الجهة  الشرقية  من  هذه  المملكة   السعيدة  عبارة  مشهورة  تدل  على  كثرة  المقاهي  وهي : ” ما بين  قهوة وقهوة توجد قهوة ” . وهذا  يعني  كثرة  ارتياد  المقاهي  في جهتنا  ، وهو  مما يميز  ثقافتنا. 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz