دلالة تنظيم ما يسمى ” الوعدات ” في فصل الصيف بالجهة الشرقية وباقي جهات المملكة

169319 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: دلالة تنظيم ما يسمى ” الوعدات ” في فصل الصيف بالجهة الشرقية وباقي جهات المملكة

سبق لي أن حررت مقالا من قبل  عن  ظاهرة تنظيم  ما يسمى ” الوعدات ” ، وهي مفرد ” وعدة ” في الجهة  الشرقية ، وأعود  مرة أخرى  لطرح  هذا الموضوع من جديد بمناسبة  دعوة تلقيتها  من  أحد منظمي ” الوعدات ”  ، وهو على قناعة تامة  بأنه  يدعوني إلى  أمر ذي بال  له صلة  بالدين . ومرة  أخرى انطلق  من الدلالة اللغوية  للفظة ” وعدة ”  العامية  والتي لها  أصل  في العربية الفصحى  من فعل  وعد يعد وعدا  وعدة  وموعدا  وموعودا  الإنسان  غيره الأمر أو بالأمر إذا التزم  بأن يجريه له  أو ينيله إياه .  وكما يجوز القول  موعدة  تأنيثا لموعد  وموعودة تأنيثا لموعود  يجوز أيضا  القول  ” وعدة ” تأنيثا  لوعد ، علما بأن الوعد لا جمع عند البعض  ، ويجمع  عند  البعض  الآخر على وعود .والوعد  يطلق على  العهد  الذي يعني  معان  كثيرة  منها الوفاء والضمان والأمان والذمة والميثاق  والمودة ، والوصية  ، واليمين … ويطلق على مكان وزمان الوعد لفظ  الموعد  ويجمع على مواعد ، كما يطلق عليه الميعاد ويجمع على مواعيد. و” الوعدات ” في الجهة الشرقية  وفي عموم  الوطن عبارة  عن اجتماعات سنوية تعقد أو تنظم   بجوار  أضرحة  لأموات   يسود اعتقاد بأنهم من أولياء  الله  الصالحين  ، وهم  في الغالب  من أهل  الطرق  الصوفية  الذين  يعتقد أنهم  أصحاب بركة  وكرامات ، وقد  تروج حولهم  أحاديث  كثيرة ومبالغ فيها أحيانا  تروي حكايات  كراماتهم التي تطبعها  الغرابة والخيال  ، وهو ما يجعل أصحاب هذه الأضرحة شخصيات  كاريزمية  مؤثرة في الأحياء مع أنها  غادرت الحياة  لعهود طويلة . وتتولى  في الغالب تنظيم ” الوعدات ” القبائل أو الأسر التي  تدعي  النسب والصلة مع  المقبورين  من المحسوبين  على  الأولياء  الصالحين . ولا تخفى  دلالة  حرص  هذه القبائل  والأسر على إقامة ” الوعدات” عند الأضرحة التي تقدس أصحابها حيث  يعكس ذلك حرصها على إثبات  الهوية  المقتضية  للاحترام  أو  التقديس ، الشيء الذي  يجعلها   ذات نفوذ أو سلطة  روحية  بين  غيرها من  القبائل  والأسر ، ولا يخفى  ما يجلب  لها ذلك  من امتيازات  مادية  ومعنوية  يدرها تنظيم ” الوعدات ” . ولا شك أن تسمية ” وعدة ”  تدل على تواعد  مجموعة من الناس  قبائل وأسر حيث  يعد بعضهم  بعض  باللقاء من  أجل  إقامة ولائم الإطعام  المصحوبة  ببعض الطقوس المحسوبة على التدين . وفي الغالب   ينطلق  من يقيمون  ” الوعدات ”  من نية  الإطعام بغرض  شكر من يعتقد  أنهم كانوا  وراء  ما يحصل من خصب خلال المواسم الفلاحية  ، أو  بغرض جلب  الخصب لمواسم  مقبلة . ولهذا تنظم ” الوعدات ” في الغالب  في فصلي الصيف والخريف ، وتحديدا  بعد جمع  المحاصيل  الفلاحية  أو  قبيل  بداية  موسم الحرث ، وهي فترات  راحة بالنسبة للمشتغلين  بالفلاحة . وربما  يكون  للفظة ” وعدة ”  صلة بعبارة : ” وعدت الأرض”  إذا رجي خيرها ، الشيء الذي يؤكد علاقة  ” الوعدة ” بالأرض ومحصولها . ومعلوم  أن الاحتفال  بالمحاصيل  الفلاحية  عادة  بشرية  قديمة  قدم  التاريخ   منذ انتقل الإنسان الأول من الصيد إلى  الفلاحة حيث  كان الإنسان القديم  بعد جني  المحاصيل  يحتفل  بذلك  ، وكان  ينسب  وفرة  المحاصيل  للآلهة ، ولا شك  أن  هذه  العادة انحدرت  من  المجتمعات البشرية القديمة  وأخذت  صبغة  العصور المختلفة   حيث  انتقلت فكرة  نسبة  المحاصيل  للآلهة إلى  نسبتها لله  تعالى  بعد  سيادة  فكرة  التوحيد . ومع مرور  الزمن  وانتشار الفكر  الصوفي  الطرقي  الذي  يعتقد  أصحابه  بقداسة  شيوخهم  وكراماتهم  انتقلت  فكرة  نسبة  المحاصيل  لله  عز وجل إلى  نسبتها  للأولياء  خصوصا  في أوساط  العوام . ويزعم أصحاب  ” الوعدات ”  أنهم  يقيمون  الولائم  ويطعمون الطعام شكرا  لله،  ولكنهم  يفعلون ذلك  في  فضاءات  الأضرحة  الشيء الذي  يجعلهم  أمام حرج  واضح  حيث   يلتبس  شكر الخالق  بشكر المقبورين  من المحسوبين  على  الولاية . ويحاول منذ مدة طويلة بعض  الدعاة  الذين  الذي  يلتزمون  الوسطية  والاعتدال  في  دعوتهم تصحيح التجمعات أثناء ” الوعدات ” ، وذلك من خلال  ربط المتواعدين أو  المتعاهدين على مثل هذه الولائم  بعقيدة التوحيد  بعيدا عن كل مظاهر الشرك ، وهم  بذلك  يخالفون  بعض  المنتمين  إلى جماعات  متشددة  لا  تخفي معارضتها  الشديدة  للوعدات  وتعتبرها  نوعا  من  الشرك  الناتج عن  البدع . والسؤال  المطروح  هل سينجح  الدعاة  المعتدلون  في تصحيح دلالة  ” الوعدات ”  من خلال   دروسهم  ومواعظهم أم  أن الناس  سيظلون  على اعتقادهم  الموروث  والمتعلق  بظاهرة  ” الوعدات ”  التي يتخلط  فيها  التقليد   والعادة  بالدين  وبالطرقية وا  . ومعلوم  أن  العديد ممن يحضرون  هذه ” الوعدات ” إنما  تستهويهم احتفاليتها  والأكل  والشرب  خصوصا  في  موسم  العطلة  الصيفية  حيث  ينشد  الناس  الراحة والاستجمام  علما  أن بعض  أماكن  ” الوعدات ”  سياحية  بامتياز .

اترك تعليق

1 تعليق على "دلالة تنظيم ما يسمى ” الوعدات ” في فصل الصيف بالجهة الشرقية وباقي جهات المملكة"

نبّهني عن
avatar
امحمد الحسني
ضيف

سبحان مغير الأحوال أخيرا اقتنع صاخب المقال بكون تنظيم الوعدة لا يعني الشرك بالضرورة ، و هوالذي كان دات يوم مروجا لأفكار أتباع الوهابية الذين جعلوا عدوهم الأول عبدة القبور كما يزعمون و ليس العدو الصهيوني، فسبحان مبدل الأحول ، و لكن كما يقول المثل أن تأتي متأخرا خيرا من أن لاتأتي.

‫wpDiscuz