دلالة انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة أوانكشاف المؤامرة

45736 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 12 ماي 2013م الموافق ل 1 رجب 1434ه، يتذكر الشعب المغربي جيدا كيف كانت ولادة الحكومة المغربية الحالية عسيرة ، وكيف طالت مدة تشكيل ائتلافها الذي كان مثار شكوك حيث استغرب المغاربة كيف يمكن أن يدخل حزب العدالة والتنمية في هذا الائتلاف غير المنطقي مع بعض خصوم الأمس ، ويضع نفسه بين فكي كماشة بحيث يصير له معارضون من داخل ومن خارج هذا الائتلاف . فحزب الاستقلال دخل ائتلاف الحكومة الحالية ، وهو الذي كان في ائتلاف حكومة سابقة في عهدها بلغ الفساد ذروته ، وهو ما فجر ثورة 20 فبراير ، وقلب الموازين السياسية في المغرب تمخض عنها دستور جديد ، واستحقاقات انتخابية أوصلت حزبا إسلاميا إلى مركز القرار . ويعتقد كثير من الملاحظين أن وصول هذا الحزب إلى مركز صنع القرار كان عبارة عن تحايل من النظام من أجل الالتفاف حول ثورة 20 فبراير والحيلولة دون توجهها توجه ثورات بلاد الربيع العربي . ولسنا ندري هل ما حصل عليه حزب العدالة والتنمية من أصوات في الانتخابات كان حقيقيا أم أنه كان مصنوعا صناعة من أجل خلق توازن سياسي تتحكم فيه ظروف الداخل والخارج. وانطلق حزب العدالة والتنمية مما انتهت إليه مطالب الشارع المغربي في ثورة 20 فبراير، وعلى رأسها محاربة الفساد . وانتشى الشعب المغربي بتلويح رئيس الحكومة في بداية الأمر بعزمه الأكيد على محاربة الفساد ، ولكن سرعان ما انطلقت زنابير الأحزاب المعارضة له من أعشاشها لأنها كانت تشعر بأنها مستهدفة بتهديد رئيس الحكومة المتعلق بمحاربة الفساد خصوصا وأن الشعارات التي رفعت خلال ثورة 20 فبراير بلغت درجة التلويح ببعض صور زعماء هذه الأحزاب الذين عدوا من رموز فساد طالب الشعب بإسقاطه . وأمام حملة هذه الزنابير اضطر حزب العدالة والتنمية إلى التعديل من لهجة تهديده للفساد والمفسدين خوفا من مؤامراتهم ، وانتقل من لغة التهديد والوعيد إلى لغة : عفا الله عما سلف ، ولغة الأشباح والتماسيح التي تبخرت بين عشية وضحاها ، وكان المغاربة ينتظرون أن يلقى عليها القبض ، وتعرض على العدالة ، وتسترجع أموال الشعب التي نهبتها . وكان الخطأ القاتل لحكومة حزب العدالة والتنمية هو الميل نحو أسلوب مهادنة الزنابير، وربما كان هذا الأسلوب قد فرض عليه فرضا لعدة اعتبارات معروفة بعد خطإ الائتلاف مع بعض الذين كان يعارضهم في الحكومة السابقة وكانت مواقفهم منه واضحة . ولم تشهد الساحة المغربية ضراوة مثل ما شهدته في ظل حكم حكومة العدالة والتنمية بحيث خرجت كل الفئات الاجتماعية على اختلاف أطيافها محتجة ومضربة ، فحتى الفئات التي كانت لها مطالب تقليدية منذ بداية الاستقلال خرجت مطالبة بها ، واجتمع المتظاهرون من كل الأصناف حتى التقى عمال الزبالة مع الأطباء ، ومع أرباب الشاحنات وأصحاب الشهادات ….في صعيد واحد . واشتد الصراع في البرلمان بغرفتيه بشكل غير معهود ، وصارت المعارضة المغربية أشد معارضة في العالم من حيث ضراوة السجال وحدته حتى أنه صار عبارة عن سباب وشتائم وما بقي إلا الاشتباك بالأيدي واللكم ، والتراشق بالأحذية على طريقة برلمانات دول أوروبا الشرقية التي عاشت لعقود طويلة تحت سلطة الحكم الشمولي ، ولا زالت لم تتمرس بالثقافة الديمقراطية بعد . ولم يسجل أدنى رضا للمعارضة عن أدنى جهد قامت به حكومة حزب العدالة والتنمية ، بل صارت هدفا لهذه المعارضة في كل ما تقدم عليه من قرارات بحق وبغير حق، لأن هذه المعارضة أصلا لم تستسغ وصول هذا الحزب إلى سدة الحكم ، ولولا ثورة 20 فبراير التي كانت هذه المعارضة تخشى اشتدادها وعنفوانها وتهديدها لما رضيت أول مرة بنتيجة الانتخابات . وبدا وكأن حزب العدالة والتنمية قد ركب ركوبا من أجل تلافي سخط ثورة 20 فبراير وامتصاصه ،خصوصا في ظل ظروف دول الربيع العربي والتي راهنت شعوبها على الأحزاب الإسلامية الشيء الذي أقض مضاجع الغرب بزعامة الولايات المتحدة ، وهو الذي فقد الأنظمة التي كانت موالية له ، وتطوع له الشعوب العربية ، وتمكن له في الوطن العربي كل تمكين . والغرب نفسه تعامل بحذر شديد مع ثورات الربيع العربي خشية أن تفرز ما لا تحمد عقباه بالنسبة إليه في ظل سيادة فكرة محاربة الإرهاب ، ولا يوجد أشد من إرهاب وجود حكومات إسلامية تنافس نموذج الحكومات العلمانية الغربية التي لا ترضى بديلا عنها أبدا ، ولم يغامرالغرب بمعارضة وصول الأحزاب الإسلامية ، ولكنه في المقابل حرك طوابيره الخامسة وخلاياه النائمة في طول الوطن العربي وعرضه من أجل إجهاض تجربة الحكومات الإسلامية . وهكذا ظهرت أزمات البرلمانات والدساتير ، وتشكيل الحكومات في معظم بلاد الربيع العربي ، الشيء الذي أعطى انطباعا بأن الأحزاب الإسلامية لا يمكن أن تنجح في تكوين حكومات قادرة على تدبير الشؤون. ولا يمكن أن تستثنى التجربة السياسية في المغرب من سياق التجارب السياسية في دول الربيع العربي . وإذا ما كانت الأحزاب الإسلامية في دول الربيع العربي لم يسمح لها بالانطلاق من خلال العراقيل المختلفة كما هو الحال في مصر وتونس ، فإن الحزب الإسلامي المغربي قد انطلق بقيود ثقيلة حيث تقاسمت الأحزاب الخصوم أدوار المعارضة ضده بطريقتين : طريقة المعارضة من خارج الحكومة ، وطريقة المعارضة من داخلها . ولا شك أن مسرحية هذه المعارضة طبخت قبل قبول بعض أحزاب الحكومة السابقة الدخول في ائتلاف مع حزب خصم حتى لا نقول عدوا . ويتذكر الشعب المغربي كيف أن حزبا يساريا كان في الحكومة السابقة سارع إلى اتهام حزب العدالة والتنمية بالضلوع في العمليات الإرهابية التي هددت أمن المغرب ،ثم صار بعد ذلك شريكه في الحكومة الحالية بدون حرج . ومما طبخ أيضا من أجل إجهاض تجربة الحكومة الحالية إعلان ثورة داخل حزب الاستقلال ، وهو الحزب المعروف بتشبثه بتقاليده ، وبعده عن منطق الثورات من أجل استبدال قيادة حزبية بأخرى قادرة على سحب البساط من تحت أقدام الحكومة في أية لحظة . وبدأ سيناريو التلويح بانسحاب حزب الاستقلال من الائتلاف الحكومي منذ تغيير قيادته الحزبية . وانتظر هذا الحزب مرور سنة ونصف لتبرير انسحابه تمويها على المؤامرة ، وهو انسحاب كان في الحقيقة مع وقف التنفيذ منذ أول يوم من أيام الائتلاف الحكومي الهش ، وغير المنطقي أصلا . ولئن صدقت مقولة فشل حكومة حزب العدالة والتنمية في تدبير أمور البلاد، فإن سبب ذلك هو مواجهتها لمعارضتين شرستين من خارج ومن داخل الائتلاف ، ومعارضة الداخل أدهى وأمر، حيث مارس بعض وزراء أحزاب هذا الائتلاف سياسة تخريب بعض الوزارات كما هو الحال بالنسبة لوزارة التربية الوطنية على سبيل الذكر لا الحصر التي تم العبث بهياكلها بدعوى محاربة الفساد ، وهي دعوة حق أريد بها باطل صارخ . وأذكر بأن حكومة حزب العدالة والتنمية تسلمت من سابقتها مغربا مفلسا بما للكلمة من دلالة ، وطلب منها أن تخرجه من النفق المسدود في ظروف أزمة عالمية خانقة أربكت دولا متقدمة ، وجعلتها مفلسة بله المغرب . وأذكر بأنني وظفت من قبل نكتة مشهورة وهادفة للتعبير عن حال حزب العدالة والتنمية يوم تسلم زمام الأمور في البلاد ،ودخل على وضعية محرجة ، وهي نكتة الميلود والنهود والجلود ، ذلك الرجل الذي كانت تتمنع عليه زوجه يوم كانت شابة كاعبة النهد ، لما شاخت وارتخى نهدها ، رضيت منه المغازلة التي كانت تحرمه منها ،فقال قولته المشهورة : ” يوم كانت نهودا كنا يهودا ، ولما صارت جلودا هاكها يا ميلود ” . وها هو حزب الاستقلال اليوم يوجه ضربة قاصمة لحزب العدالة والتنمية وسط الطريق ، شأنه شأن من يسحب زورق النجاة من رفيقه في عرض البحر المتلاطم الأمواج من أجل إغراقه. ومشكلة حزب العدالة والتنمية أنه تورط بفعل زنابير أحزاب المعارضة من خارج ومن داخل الائتلاف في إغضاب قواعده الشعبية الخلفية التي لم ترض عن سكوته عن تماسيح وعفاريت الفساد، لهذا لا يمكنه بسهولة أن يستعيد ثقتها ، ويقلب ظهر المجن لخصومه من داخل أو خارج هذا الائتلاف عن طريق الرهان مرة أخرى على الشارع بعدما عمل الخصوم على تشويه سمعته بكل الطرق والوسائل . ونجاح حزب العدالة والتنمية ، وخروجه منتصرا من هذا النفق المسدود أو من هذه المؤامرة أو من هذا الانقلاب رهين بوعي الشعب المغربي الذي لا يمكن أن يتناسى أن الفساد كان قبل حكم هذا الحزب ، وأنه راهن عليه من أجل إسقاط الفساد . وإلى أن يجد الجديد لنا عودة إلى هذا الموضوع الذي ستتسارع وتيرة تداعياته خصوصا في هذا الظرف الدقيق بالذات.

دلالة انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة أوانكشاف المؤامرة
دلالة انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة أوانكشاف المؤامرة

اترك تعليق

3 تعليقات على "دلالة انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة أوانكشاف المؤامرة"

نبّهني عن
avatar
حورية
ضيف

كل ما جاء في المقال صحيح جزاك الله خيرا على هذا التحليل الرائع فعلا نجاح واستمرار حزب العدالة والتمنية متوقف على مدى تفهم المواطن المغربي للأوضاع والمؤامرات التي تحاك ضدمن اختارهم للنهوض بهذا البلد .عليه بالصبر وعلى الحزب ألا يكترث بما يقوم به أعداء الوطن ونسأل الله أن يسدد خطاهم وأن يلهمهم الصواب حتى يتحقق على أيديهم الخير والطمأنينة لبلدنا الحبيب

essbai de oued el himer
ضيف

Lah yansar lha9

mostafa
ضيف
بسم الله إذا أراد حزب العدالة و التنمية أن ينجح في مساره السياسي عليه الصبر و المراجعة و طول النفس لأن هذا الطريق صعب و صعب جدا ، خاصة و أن طائفة كبيرة من الشعب المغربي لا زالت تعاني من الجهل و الأمية ، و أخرى غارقة في الفساد و لا تحبد أي تغيير و اخرى فاقدة للوعي و أخرى … و الائحة تطول … . و أشير إلنه ينبغي الإستفادة من النمادج السابقة على رأسها النموذج التركي فقد تعرض حزب أربكان رحمه الله في تركيا إلى مناورات تلو المناورات ولكن كما يقال ميصح إلا الصحيح .
‫wpDiscuz