دلالة النصح في الإسلام ونصيحة إلى من فاز بمقعد في البرلمان

34065 مشاهدة

محمد شركي/  وجدة البوابة : وجدة 30 نونبر 2011، الدين عند الله عز وجل هو الإسلام،لقوله عز من قائل : (( إن الدين عند الله الإسلام )) .وكل من ابتغى غيره دينا رد عليه دينه لقوله تعالى : (( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه )) . والدين يدل على الخضوع ، فالعرب تقول :” قوم دين ” إذا ما خضعوا، أو كانوا دائنين . والدينة هي الطاعة ، ومن أسماء الله الحسنى الديان ،وهو القاهر، أي مخضع البشر لطاعته . ودلالة لفظة ” دين ” هي المرادف للفظة ” إسلام ” ،الذي يعني الانقياد والخضوع . ولا يستقيم أمر الدين إلا بفريضة النصح ،لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الدين النصيحة ” ، وهو قول يجعل النصح مرادفا للدين . والنصح وهو الوعظ   دعوة إلى صلاح ، ونهي عن فساد. ونصح الشيء في العربية يعني صفاؤه ، فالعرب تقول : ” نصح العسل ، أو نصح اللبن ” إذا خلا من الشوائب ، والشوائب هي الغش  ، والغش كدرة أو شائبة. والعرب تقول أيضا : ” رجل ناصح الجيب ” إذا كان نقي القلب لا غش فيه. والخياط عند العرب يسمى ناصحا ، وسمه ،أو إبرته تسمى المنصح ،أو المنصحة ، والثوب الذي يعالج ثقبه يسمى المنتصح ، فكأنه حين يرتق فتق الثوب الساتر للجسم ينصح لا بسه بالستر. ولما كان الدين النصيحة ، فإن كتاب الله عز وجل ، أو رسالته للبشر التي نقلها عنه الرسل والأنبياء الكرام صلواته وسلامه عليهم ،عبارة عن نصح ، لهذا عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،بعد قوله : ” الدين النصيحة ” بقول قائل : لمن يا رسول الله ، قال : ” لله ولكتابه ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم ” . وهذا يعني أن منطلق النصح ،هو كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . والناس كلهم يرجعون إليهما أئمة ،وعامة على حد سواء. ويؤكد هذا حكاية الصحابي الجليل معاذ بن جبل  رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ،عندما أرسله لنصح أهل اليمن ، فقال له : ” بما تقضي يا معاذ؟ ” أي بما تنصحهم ، أو تنصح لهم ، قال معاذ : ” بكتاب الله ، فقال له : ” فإن لم تجد ؟” فأجاب معاذ : “بسنة رسوله ” ، فقال له ” فإن لم تجد ؟ ” أجاب معاذ : ” أجتهد رأيي ، ولا آلو ” ،فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة على صدره ،  ودعا له قائلا : ” الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله عز وجل ” . فمرضاة الله عز وجل تكمن في نصح قوامه الكتاب ،والسنة ، وبذل الجهد والوسع في نصح لا يخرج عن إطار الكتاب والسنة دون تقصير في الجهد . والإنسان بطبعه ميال لسماع النصح من غيره . وما غر إبليس اللعين آدم ، وحواء عليهما السلام إلا عن طريق ادعاء النصح لهما كما جاء في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى : (( فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين )) . وكان النصح الشيطاني ظاهره نصح ،وباطنه غش . والشيطان الرجيم أول من سن سنة النصح المغشوش ،الذي يشيع في الناس كثيرا منذ بدء الخليقة . ووظيفة الرسل ،والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه ،هي النصح  الصادق الخالص المقابل لنصح الشيطان المغشوش. فهذا نبي الله صالح عليه السلام  يقول لقومه في قوله تعالى : (( وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين )) . فالنصح  عند الرسل والأنبياء الكرام صلوات الله وسلامه عليهم عبارة عن إبلاغ رسالة الله عز وجل للناس. ولما كانت النفس البشرية تحكمها الغرائز العمياء ، التي تترتب عنها الأهواء ، والعواطف الجامحة ، فإن الناس ينفرون من كل نصح صادق  يعارض أهواءهم ، ويميلون إلى كل نصح كاذب مغشوش من النوع الشيطاني، الذي تطرب له الأهواء ، والتي تأسرها الغرائز العمياء . وكل نصح لا يوافق الأهواء ،والشهوات تنفر منه النفس البشرية المائلة مع الأهواء. ومن الناس من لا يقبل النصح أصلا . ومنهم من يقر به ويعترف ، ولكنه لا يعمل به ، ولا خير في الصنفين معا ، لأن المنتصح هو من أقر بالنصح ثم عمل به . والله عز وجل لم يعف الضعفاء والمرضى والفقراء من النصح، فقال جل من قائل : (( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله )) . فإذا كان الضعفاء والمرضى والفقراء لا مندوحة لهم عن النصح إذا ما رغبوا في تجنب الحرج وهو الإثم ، فما بال الأقوياء والأصحاء ، والأغنياء ؟  ولا عذر لمؤمن ولا مؤمنة في ترك فريضة النصح  . وديننا ليس فيه شعار الجاهلية الأولى ، وهو قول قائلهم ” لا أريد منك نصحا ولا انتصاحا ” أي لا أريد أن تنصحني أو تتخذني نصيحا ، بل شعاره : ” رحم الله من أهدى إلي عيوبي ” وخير الهدية العيوب عند العقلاء الأكياس ، وشر الهدية إخفاء العيب عن المعيب ، ومدحه المدح المغشوش ، أو نصحه نصح الشيطان الذي يطرب ساعة ، ويورث الغم الطويل  . ولما كان الإنسان محب لنفسه أكثر من غيره ، طبيعة ، وجبلة ، فإنه يؤثر نفسه على غيره في كل شيء بما في ذلك النصح الساتر للعيب . ولا يكتمل إيمان المؤمن إلا إذا أنفق من النصح الذي يحبه لنفسه ،عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” ، فبموجب هذا الحديث لا إيمان لمن لا يحب نصح غيره ،كما يحب أن ينصح هو من قبل غيره . ولقد توعد الله عز وجل من يضن بالنصح ويبخل به بشديد الوعيد ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من عبد يسترعيه الله رعية ،يموت يوم يموت ،وهو غاش لرعيته إلا لم يدخل معهم الجنة ” ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ” ما من أمير يلي أمور المسلمين ، ثم لا يجهد لهم ،وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة ” . وكثير من الناس يختزلون المسؤولية في الإمامة العظمى  فقط ، ويغفلون باقي المسؤوليات التي دونها ، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر مسؤولية الإمامة العظمى مع مسؤوليات أخرى كمسؤولية الرجل مع أهله ، و مسؤولية المرأة في بيت زوجها ، و مسؤولية العبد في مال سيده ،كما جاء في حديث نبوي شريف . فكل من ولي مسؤولية مهما كانت ، ولم  ينصح  للرعية مهما كانت ،إلا وكان مصيره نار جهنم والعياذ بالله . ولا بد ههنا من وقفة ، لأن بعض الناس يختزلون النصح في نصح المقال ، ويغفلون عن نصح  الحال والفعال ، وهو الأهم . وإذا كان الإسلام قد جعل نصح المقال من فرض عين على أهل العلم ، فإنه جعله فرض كفاية على سواهم بينما جعل  نصح الفعال  فرض عين بالنسبة للجميع ، وهو عام بين المسلمين . وبناء على هذا ، تكون فريضة النصح بالنسبة لكل إنسان في الإسلام حسب موقعه  ، ومسؤوليته في المجتمع . فالفلاح ، والتاجر ، والموظف ، والجندي ، والمعلم . والعالم ،والطبيب ،والمهندس ،والإعلامي .. والرجل والمرأة …. فريضة النصح عندهم ألا يشوب عملهم غش . وليس على غير المختصين فريضة نصح المقال ، بل يكفيهم نصح الحال والفعال فيما يتعلق بمهامهم ومسؤولياتهم . وكم من غاش في عمله، يكثر من نصح المقال، ناسيا أو متناسيا غشه أو مموها عليه . فعلى كل من يفكر في نصح غيره نصح المقال أن ينظر إلى نصح حاله ، ونصح مقاله أولا . وقد يتسرب الغش إلى عمل البعض وهم واعون ، أو وهم غافلون ، فإذا ما نبههم غيرهم إلى شوائب الغش في أعمالهم رفضوا النصح  والانتصاح ، وغضبوا ، ولم يقبلوا العيوب هدية ،  فما أولئك بخيار الناس في الإسلام . وعلى الذين  تقدموا إلى مسؤولية تمثيل الأمة في البرلمان ، وهي مسؤولية  زائدة عن مسؤوليتهم الأصلية ، أن يتأكدوا  أولا أنهم قد نصحوا في مسؤولياتهم الأصلية ، ويتأكدوا بعد ذلك من أنهم لن يقصروا  في مسؤولية تمثيل الأمة ، وأنهم أهل لها ، وأقدر عليها  . فأصوات الناس أمانة في أعناقهم ، وسيسألون عنها يوم القيامة ولن يموت الغاش منهم إلا وكان مصيره جهنم وساءت مصيرا. فعلى من أطربه منصب البرلمان أن يتذكر بأن هذا المنصب قد يكون مطيته إلى سوء المصير.

دلالة النصح في الإسلام ونصيحة إلى من فاز بمقعد في البرلمان
دلالة النصح في الإسلام ونصيحة إلى من فاز بمقعد في البرلمان

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz