دلالة الاحتفال بعيد الاستقلال من الزاوية الشرعية

14320 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة 19 نونبر 2011، 

الأمة المغربية المسلمة المؤمنة  في خوضها لغمار هذه الحياة،  تنهل من مرجعيتها الإسلامية ،التي هي القرآن الكريم ، والسنة النبوية الشريفة بعقيدة سنية أشعرية  وسطية ، ومذهب مالكي لم يغادر صاحبه مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخالف سنته  ، وطريقة صوفية جندية بعيدة عن البدع والشطحات . وانطلاقا من هذه المرجعية سنحاول تسليط الضوء على الاحتفال بعيد الاستقلال . فمن المعلوم أن المرجعية الإسلامية تذكر باستمرار الإنسان بالغاية من وجوده ، ومن خوضه لغمار هذه الحياة الفانية ،باعتبارها مرحلة اختبار وامتحان ، من أجل العبور إلى حياة جزاء خالدة . فالله تعالى في طول القرآن الكريم وعرضه يذكر عباده المؤمنين بهذه الحقيقة، التي لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان طرفة عين . ومن هذا التذكير قوله تعالى : (( فما أوتيتم من شيء فمتاع الدنيا وما عند الله خير وأبقى )) .فالناس في هذه الدنيا صنفان : صنف  يعيش بخلفية ،مفادها أن الحياة الدنيا غاية ونهاية ، وأنها ليست فترة اختبار وامتحان للإنسان . وصنف آخر يعيش بخلفية نقيضة للخلفية الأولى  ، وهي أن الحياة وسيلة من أجل غاية ، وهي بذلك فترة اختبار وامتحان ، من أجل المرور إلى فترة الجزاء . وباختلاف الصنفين  والخلفيتين ، تختلف سلوكات ،وتصرفات كل صنف حسب خلفيته . والله تعالى تحدث في كتابه الكريم عن هذين الصنفين حيث قال سبحانه ” (( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط  ما صنعوا فيها وباطل ما كان يعملون )) ،فبموجب هذا النص القرآني تكون إرادة الحياة ، وزينتها لذاتها وفي حد ذاتها ، مجرد باطل في ميزان الله عز وجل ، مع أنه يوف أصحاب هذه الإرادة مرادهم من الحياة وزينتها دون بخس . وفي نفس السياق ، يقول الله عز وجل : (( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب )) ،فبموجب هذا النص القرآني يكون قول الناس بلسان المقال ولسان الحال قولين : الأول طلب الدنيا لذاتها وفي ذاتها ، وأصحاب هذا القول لهم نصيبهم من الدنيا ، ولا نصيب لهم في الآخرة . والثاني طلب الدنيا من أجل الآخرة ، وأصحاب هذا القول لهم نصيبهم في الأولى والآخرة. ولقد حدد لله تعالى صفات أصحاب الخلفية التي تضع في حسابها الآخرة ،فقال جل من قائل،  بعد التذكير بطبيعة الدنيا ،ومتاعها الزائل ، وخيرية وبقاء ما عند الله عز وجل في الآخرة : (( للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ))، فبموجب هذا النص القرآني الكريم تتحدد صفات الأمة المؤمنة، التي تصدر في سلوكاتها ،ومواقفها ، وخلفياتها عن خلفية لا تسقط الآخرة  من حسابها في الدنيا . وهذه الصفات تسع ، وهي : 1) صفة الإيمان بالله عز وجل ، وهو إيمان مرتبط بالمغيبات ،التي لا قبل لعالم الشهادة بها ، وهو عالم الحياة الدنيا. 2) صفة التوكل على الله عز وجل ، ولا تستقيم هذه الصفة إلا فيمن توفرت فيه صفة الإيمان ، ذلك أن التوكل عبارة عن تعبير عن الثقة ، ولا يثق الإنسان إلا فيما تأكد وجوده عنده . فمن تأكد وجود الآخرة  عنده ، وهي من الغيب  الذي آمن به وصدقه، حصلت له الثقة بها ، وبخالقها ، فتوكل عليه  قبل القدوم على الآخرة . ومن أقصى الآخرة من حسابه ، فقد الثقة فيها ، إذ كيف يثق فيما لا يؤمن به ، ويصدقه ، وهو بذلك لا يمكن أن يكون متوكلا على خالقه الذي غيب الآخرة ، وطلب منه  التصديق بها ، والثقة فيه .3) صفة تجنب الكبائر، والإثم ، والفواحش ، وهي  صفة من يضع في حسابه الآخرة المتبوعة بالمحاسبة ،علما بأن ممارسة الحياة الدنيا مشوبة بالأخطاء من الكبائر، والإثم ،والفواحش نظرا لمتاعها الذي يتنافسه الناس ، وهو مصدر إغراء لهم  وسبب عداوة وتظالم . 4) صفة العفو والمغفرة عند الغضب  ، وهي صفة ذات علاقة بسابقتها ، لأن الذي يوقع في الكبائر، والإثم ،والفواحش ، هو تنافس  متاع الدنيا . ومما يترتب عن هذا التنافس ،حصول الغضب عندما تتهدد المصالح المتنافس في شأنها ،خصوصا وأن الطبيعة البشرية مجبولة على الغرائز التي تلح في طلب الإشباع ، وهي غرائز تحركها الطباع التي تحكمها العواطف ، ومنها عاطفة الغضب التي تلبي حاجة  ما يسمى الغريزة السبعية في الإنسان . والذي يستطيع التحكم في غريزته السبعية فلا ينتقم إذا ما استغضب  ، ويعفو ،ويغفر، إنما يفعل ذلك ،لأنه  مجتنب للكبائر،والإثم ،والفواحش .وبسبب انصرافه عنها، إيمانا بربه ،وتوكلا عليه ،يرغب فيما يقابلها من سجايا ، فلا يرد على الكبيرة ، أو الإثم، أو الفاحشة بالمثل ،بل يعفو ويصفح ، وهو قادر على القصاص ،إذ لا يمكن للعاجز أن يغفر حتى يكون قادرا على من نال منه نيلا.5) صفة الاستجابة لله تعالى ، أي التزام شرعه في الحياة ، وهي صفة تأخذ برقبة سابقتها ،لأن من استطاع أن يستجيب لربه في حالة  عاطفة الغضب ، وهي عاطفة جامحة ليس من السهل أو اليسير كبح جماحها ، كان أقدر على الاستجابة لربه فيما سواها مما هو دونها حدة . ولهذا، ليس من قبيل الصدفة أن تسبق صفة العفو عند الغضب صفة الاستجابة لله عزوجل، الاستجابة المطلقة في كل الأمور .6) صفة إقامة الصلاة ، وهي صفة ذات علاقة بسابقتها، ذلك أن المستجيب لربه يستجيب له في إقامة الصلاة ،التي هي العبادة اليومية ، والتي وظيفتها منع وقوع الإنسان في الكبائر ،والإثم ،والفواحش . وما جعل الله تعالى للصلاة توقيتا ،أو ما جعلها كتابا موقوتا ،إلا لتجنيب الإنسان الوقوع في هذه الكبائر ،والآثام ، والفواحش ، علما بأن الإنسان إنما يقع فيها خارج أوقات الصلوات ، أو خلال تأخير هذه الصلوات عن وقتها ، أو خلال تعطيل وظيفة هذه الصلوت الناهية عن المنكرات، والفواحش .7) صفة التشاور في أمور الدنيا  سواء السياسية، أم الاجتماعية ، أم الاقتصادية . وهي صفة ذات علاقة  بسابقتها ، ذلك أن الذي تمنعه صلاته،  لاشك أنه يخوض غمار الحياة باستقامة ، وهي استقامة لا تتأتى إلا بمشاركة الغير ، وبتناغم وتوافق وانسجام  مع هذا الغير . ولا توافق بدون تواصل،  وتشاور . فما دام الناس قد خلقوا في هذه الدنيا للتشارك فيها  ، فلا تشارك بينهم دون تشاور في الحصول على أنصبتهم بشكل يضمن للجميع حقوقهم . لهذا لا بد من شورى سياسية ، واجتماعية ، واقتصادية لتستقيم الحياة بين الناس المتشاركين في خوض غمارها على قدم المساواة .8) صفة الإنفاق مما رزق الإنسان من ربه سبحانه . فهذه الصفة تعلق بسابقتها أيضا ،لأن من مقتضيات التشاور اقتصاديا أن يعود من له فضل رزق على من لا رزق له ، وهو رزق تعود ملكيته لله تعالى ،لقوله سبحانه  قبل الحديث عن  صفات الفئة المؤمنة : (( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا )) ، فالذي أعطى هذا المتاع هو خالقه ، ولا يحق لمن أوتي هذا المتاع من خلق  أن يمنع غيره من الاستفادة منه  وفق ما شرع المالك الحقيقي للمتاع سبحانه . 9) صفة الانتصار عند البغي  ، وهي صفة ختم بها الله عز وجل ، لتمييز الفئة المؤمنة عن غيرها من الفئات ، لأنها فئة  خلفيتها السعي في الدنيا من أجل الآخرة . وبموجب هذه الخلفية ، لا يمكن أن تقبل هذه الفئة البغي ،أو تستكين له، أو ترضى به ، خصوصا ،وأنها فئة أخرجت للناس ، أو جعلت خير من أخرج للناس بسبب صفة الانتصار عند البغي لقوله تعالى ” (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله )) ، فخيرية الأمة المؤمنة ، وريادتها للبشرية ،إنما سببها الانتصار عند البغي ، وهو الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر، انطلاقا من الإيمان بأنه للحياة الدنيا نهاية لأنها دار ابتلاء ، وبعدها حياة آخرة  هي حياة الجزاء . وما المعروف سوى الخير الذي تعرفه  الطبيعة البشرية ، وما المنكر سوى  الشر الذي تنكره هذه الطبيعة . وهذه الصفة الأخيرة هي التي تستوقفنا اليوم ، ونحن نحتفل بعيد الاستقلال ، الذي يمكن أن نسميه تسمية شرعية ، وهي عيد الانتصار على البغي ، حيث  انتصرت الأمة المغربية المسلمة المؤمنة على بغي المحتل الفرنسي ،والإسباني ، بعدما أصابها الوهن من قبل ، وابتعدت عن الصفات التي وصفها بها خالقها سبحانه في فترة أطمعت فيها المحتل . ولقد قيض الله عز وجل لها علماء أجلاء تخرجوا من مركز إشعاع حضاري رائد في العالم بأسره ، وهو جامعة القرويين التي تخوف أحد رموز الاحتلال ممن يتخرج منها ،فوصفها بالبيت المظلم على حد تعبيره . وقيض الله تعالى  إلى جانب الفئة العالمة، القيادة الصالحة ،الراشدة ، المتمثلة في زعيم العروبة والإسلام  المرحوم السلطان محمد بن يوسف رحمه الله تعالى،وطيب ثراه . وعمل العلماء الأجلاء والقيادة الراشدة على إعادة الأمة المغربية إلى الصفات التي وصفها ،واختارها الله عز وجل لها ، ومنها صفة الانتصار على البغي ، فكانت النتيجة هي نعمة الاستقلال  ، وهي أفضل النعم التي لا يعرف قدرها إلا من حرم منها . والأمة المغربية المسلمة ،المؤمنة لم تنل استقلالها إلا بالعودة إلى الصفات التي ارتضاها لها خالقها سبحانه . ولا يمكنها أن تحافظ على استقلالها الحقيقي إلا بالتمسك بهذ ه الصفات كاملة غير منقوصة  ، ولا مشوبة بشوائب . وإذا كانت النعم تستوجب الشكر ، وكان أفضل الشكر، هو الاستعانة بالنعم على طاعة الخالق سبحانه ، وكان أفظع الجحود والنكران هو استخدام النعم في معصيته تعالى ، فالواجب على الأمة المغربية المسلمة المؤمنة أن تكون في مستوى شكر نعمة الاستقلال ، وأنعم بها من نعمة  ، وأن تستعين بها على طاعة ربها ، وألا تستعملها لمعصية الخالق سبحانه ، كما يريد السفهاء من الناس  الذين  استفادوا من نعمة الاستقلال دون أن يقدموا تضحية  تذكر من أجلها ، ومع ذلك  يدعون إلى معصية  الخالق بألسنة الحال وألسنة المقال ، ويعملون على إحلال بغي جديد يحل محل بغي المحتل، بعد  كل محاولة لتجريد الأمة من صفات اختارها وارتضاها لها خالقها سبحانه  ، وعلى رأسها صفة الانتصار عند البغي .

دلالة الاحتفال بعيد الاستقلال من الزاوية الشرعية
دلالة الاحتفال بعيد الاستقلال من الزاوية الشرعية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz