دلالة إثارة العلمانيين للقضايا الدينية في هذا الظرف بالذات

52888 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 23 ماي 2013، ليس من قبيل الصدف أن تتوالى إثارة القضايا الدينية بوتيرة غير معهودة في هذا الظرف الخاص من الربيع العربي الذي أفرز وصول أحزاب إسلامية إلى الحكم . ووصول هذه الأحزاب إلى الحكم كان خيار الشعوب العربية من أجل تحقيق حلم محاربة الفساد . ونظرا للحمة الرابطة بين الشعوب العربية في المشرق والمغرب ، فإن الرهان على الإسلام لمواجهة الفساد يعتبر هدفا واحدا لجميع هذه الشعوب. والرهان على الإسلام كحل لمواجهة الفساد ، ومواجهة الأزمة النفسية لفترة ما بعد النكسة التي استمرت لعقود يعتبر تهديدا مباشرا لمشروع عولمة العلمانية الغربية، لهذا لا بد أن يكون للعلمانية في الوطن العربي رد فعل على فكرة الرهان على الإسلام كخيار بعد فشل الخيارات التي سبقت أو واكبت فترة النكسة وما بعدها . ولقد تابعت الشعوب العربية لفترة طويلة قياداتها المختلفة والانقلابية في معظم الحالات في رهانها على مشاريع القوميات والعلمانيات بكل أطيافها ، فلم تجن سوى النكسات المتتالية والشعوربالإحباط ، ولم يزدد عدوها الصهيوني إلا غطرسة منذ تبخرت الجيوش العربية في أقل من أسبوع سنة 1967 . ولم يعد بالإمكان الصبر على الشعور بعقدة النكسة إلى ما لا نهاية ، خصوصا بعد ظهور أجيال جديدة لم تعد تقبل ذرائع الأجيال السابقة التي كانت سببا في عقدة النكسة . ولقد كان الربيع العربي تعبيرا واضحا عن إرادة هذه الأجيال حيث كان جيل الشباب هو صانع هذا الربيع لأنه لم يعد يصدق أن التعايش مع عقدة النكسة قدر لا مفر منه . والطريقة التي تخلصت بها بعض الشعوب العربية من رموز أنظمة الفساد تعكس مدى تضجر هذه الشعوب من هذه الأنظمة المكرسة لعقدة النكسة خصوصا بعدما هيمنت فكرة التطبيع مع الكيان الصهيوني ، مع إنفاق العقود من السنين في مسلسلات خرائط الطرق من أجل سلام وهمي مع عدو حقيقي . فالتنكيل بالعقيد القذافي كان تعبيرا عن حنق الشعب العربي الليبي على نظام عسكري انقلابي متسلط ظل يستعبده و يخادعه لعقود من السينين، ويسوق له الخطاب الثوري الوهمي ، ويبذر ثرواته في دفع غرامات باهظة للغرب على جرائم ربما كانت وهمية ، أو كانت في إطار اتفاق سري بين هذا النظام والغرب من أجل ضمان استمراره ، ولا يستغرب ذلك منه خصوصا عندما كشف النقاب عن تمويل هذا النظام لحملات انتخابية لفائدة رؤساء في الغرب من ترشيح اللوبي الصهيوني . وطريقة انتفاضة الشعب المصري على رئيس كان يقوم بدور تكريس عقدة النكسة من خلال استضافة جل مؤتمرات السلام الموهوم مع الكيان الصهيوني تعكس بجلاء مدى نقمة هذا الشعب العربي الأصيل على نظام فاسد معطل للنهضة العربية التي لا بد أن تنطلق من أرض الكنانة القلب النابض للوطن العربي . ولقد استوعب الغرب جيدا ثورات الربيع العربي ، وهو يبذل كل ما في وسعه من أجل إجهاضها بكل الأشكال والأساليب . وأول ما فكر فيه الغرب هو تحريك كل الطوابير الخامسة التي استنبتها في طول وعرض الوطن العربي من أجل منع المشروع الحضاري الإسلامي . وليست هذه الطوابير سوى فلول الإلحاد المندحر في العالم عموما والعالم العربي على وجه الخصوص، وفلول العلمانية على الطريقة الغربية المتهتكة . وبمجرد ظهور بوادرالرهان على الأحزاب ذات الصلة بالدين الإسلامي بدأت هذه الفلول تستجمع كل ما تملكه من قوى من أجل القيام بدور القاعدة المتقدمة للعلمانية الغربية في الوطن العربي . ومع أن الأحزاب الإسلامية التي راهنت عليها الشعوب العربية في ربيعها كلها ذات توجهات معتدلة، فإن الغرب تعامل معها كتعامله مع التيارات الدينية المحسوبة على التطرف وعلى ما أصبح يسمى الإرهاب . وتشترك الطوابير العلمانية الخامسة مع الغرب في نظرته للأحزاب الإسلامية التي وقع الرهان عليها . فالعلمانيون في الوطن العربي لا يفرقون بين إسلامي معتدل اختار أسلوب الاحتكام إلى صناديق الاقتراع ، وآخر اختار أسلوب الصدام مع الغرب المؤيد والمحتضن للكيان الصهيوني . والعلمانيون لا يعرفون إلا عدوا واحد هو الإسلام المهدد للمشروع العلماني المعولم . ولهذا اندلعت حملات الهجوم على كل ما له علاقة بالإسلام سواء كان معتقدات وأفكارا أو كان بشرا يقف وراء هذه المعتقدات والأفكار ، وهو ما يعرف بالصراع الإسلامي العلماني الذي نشأ أول مرة بين الإسلام والمسيحية الثالوثية ، ثم انتقل إلى صراع بين الإسلام والعمانية الناشئة في بلاد هذه المسيحية سواء في شكلها الملحد أو المتهتك أخلاقيا . وهكذا بدأ النبش في قضايا إسلامية محسوم في أمرها منذ قرون طويلة إبان الربيع العربي وإبان رهان الشعوب العربية على الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية . فالذي أثار على سبيل المثال لا الحصر قضية الإرهاب في رسائل النبي صلى الله عليه وسلم يحمل مشروعا علمانيا أمازيغيا مكشوفا يرى أنه لا يتحقق إذا ما بقي الإسلام موجودا بهذا الوطن ، لهذا فهو يدفع في اتجاه تكريس فكرة إلصاق الإرهاب بالمرجعيات الإسلامية من أجل الوصول إلى هدف العلمانية الغربية ، وهو الوصول إلى تحقيق إجماع عالمي يعتبر الإسلام دين عنف وإرهاب على غرار النازية والفاشية . وربما سيأتي اليوم الذي تطالب فيها هذه العلمانية بالتصويت في المحافل الدولية على قرار إدانة الإسلام بالإرهاب . وإثارة قضايا أخرى عندنا من قبيل حكم الإسلام في الردة ، وعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وما شابه ذلك تصب كلها في اتجاه تجريم الإسلام المخالف للعلمانية في توجهاتها المتهتكة . وظاهرة نفور الأحزاب العلمانية أو شبه العلمانية أو التي تخلط بين العلمانية والدين خلطا لا يستقيم منطقه من المشاركة في الحكم إلى جانب الأحزاب الإسلامية يصب أيضا في هذا الاتجاه من أجل إعطاء انطباع بأن كل ما له علاقة بالإسلام أصبح متجاوزا ، ولا يمكنه مسايرة التصورات والأهداف العلمانية . ولا نستغرب أيضا اتجاه الأحزاب العلمانية اليسارية التي عرفت تفككا في السابق أن تفكر في التجمع من جديد من أجل مواجهة ما تسميه الرجعية والظلامية التي لا تعني شيئا آخر غير الإسلام . ولقد جمع هدف مواجهة المشروع الحضاري الإسلامي كل الفلول من كل الأطياف العلمانية سواء المقر والمصرحة بعلمانيتها أو المموهة عليها بسبب وجودها في مجتمعات ذات أغلبية إسلامية . وتراهن هذه الفلول على مشروع استفزاز الإسلاميين على اختلاف أطيافهم خصوصا المحسوبين على التطرف من خلال التجاسر على المقدسات من أجل جرهم إلى حلبة الصراع بغرض البرهنة على الطابع العنيف والدموي والإرهابي للإسلام مقابل الطابع الحضاري والمسالم للعلمانية المعولمة . وتحرص فلول العلمانية في الوطن على إحراج الأحزاب الإسلامية المعتدلة من خلال قدح شرارة الخلاف بينها و بين ما يسمى الراديكاليين الإسلاميين . ولقد باتت محاولات الإحراج هذه واضحة في النموذج التونسي الذي لا نستبعد أن يكون سقوط أحد رموز العلمانية فيه وهو شكري بلعيد مؤامرة مدبرة لخلق محرقة من أجل الإجهاز على حزب النهضة . وما يحصل مؤخرا من صدام بين حكومة يقودها حزب النهضة وبين المحسوبين على التطرف الإسلامي جزء من هذه المؤامرة المحبوكة بخبث ومكر مكشوفين . ولن تتوقف محاولات العلمانية للنيل من الإسلام عند هذا الحد، بل ستتعداه إلى مدى أبعد . والأيام القليلة المقبلة ستكشف عن المزيد من هذه المحاولات سواء إثارة القضايا الدينية عن طريق التجاسر على المقدسات أو عن طريق الصدامات المقصودة عن عمد وسبق إصرار وترصد مع كل ما له علاقة بالإسلام . ومن أساليب النيل من الإسلام أيضا إذكاء نيران الحروب الطائفية في بعض البلدان العربية المعروفة بطوائفها، وهو ما يزكي أطروحة العلمانية المعولمة بأن الإسلام دين عنف حتى بين أتباعه فما باله مع خصومه . ويسكت الغرب سكوت الشيطان الأخرس على الحرب الطائفية القذرة في بلاد الشام ، هو الذي يدعي العداوة ضد الدولة الطائفية الصفوية في إيران ، وجبهتها المتقدمة في لبنان حزب اللات . فها هو الحرس الثوري الإيراني الرافضي وعصابات حزب اللات الرافضية يخوضون حربا طائفية قذرة إلى جانب النظام السوري النصيري بدافع العصبية الطائفية ،ويرتكبون جرائم بشعة ضد المسلمين السنة ، والغرب يتفرج لأن الهدف هو الحيلولة دون وقوف المشروع الحضاري الإسلامي في وجه المشروع الحضاري العلماني المعولم . ولقد صرح الكيان الصهيوني بكل وضوح أن بقاء النظام السوري أجدى له وأنفع من زواله ، ومن حلول الإسلاميين محله . ولو كان الكيان الصهيوني والغرب الواقف وراءه يرى خطرا في الوجود الصفوي وقاعدته المتقدمة في لبنان حزب اللات لما وقف متفرجا ، ولكنه يريد تصفية الثورة السورية الإسلامية باستخدام الأداة الرافضية التي ظلت تتحين الفرص لسينين من أجل تصريف حقدها الطائفي الأعمى الذي لن يخدم سوى الكيان الصهيوني والغرب ، والمشروع العلماني المعلوم . فهل ستكون الشعوب العربية في مستوى الالتفاف على هذه المؤامرة قبل أن تحقق أهدافها التي باتت مكشوفة؟ هذا ما سيكشف عنه المستقبل ربما القريب جدا .

دلالة إثارة العلمانيين للقضايا الدينية في هذا الظرف بالذات
دلالة إثارة العلمانيين للقضايا الدينية في هذا الظرف بالذات

اترك تعليق

2 تعليقات على "دلالة إثارة العلمانيين للقضايا الدينية في هذا الظرف بالذات"

نبّهني عن
avatar
استاذ جامعي
ضيف

بدا لي من خلال ما قرات ان صاحب الموضوع بسيط في تفكيره وفهمه للامور يرى ان الشعوب العربية هي التي اوصلت الاسلاميين الى الحكم لانه البديل الوحيد …الذي اوصل الاسلاميين الى الحكم هم امريكا والغرب حين خبروهم جيدا ووجدوا انهم لايخالفون لهم امرا .. ثم في رايك ماذا صنع الاسلاميون غير الدمار والتدمير وتخريب المؤسسات والتهافت على المناصب انظر لمرسي كيف قفز قفزة واحدة اجلسته على الكرسي بفضل اسياده ولا تقل صناديق الاقتراع فنحن العرب لم نصل بعد الى الاحتكام الحقيقي لصناديق الاقتراع … ارجو مستقبلا الا تكون ساذجا في تحليلك للامور وشكرا .

inspecteur pédagogique
ضيف

انت تفتري حينما تقول إن” الشعوب العربية هي التي اوصلت الاحزاب الإسلامية إلى الحكم”أدعوك إلى الإطلاع على ماكتبته الصحف العالمية حول وصول الإخوان المسلمين إلى ىسدة الحكم بمصر. وكان حريا بك ان تنتقد ” العريان” الذي سوّلت له نفسه الدنيئة ان يهاجم لجنة القدس الي يتراسها جلالة الملك نصره الله.
.

‫wpDiscuz