دفع الصائل الارهابي:نحو تدويل النموذج المغربي/ رمضان مصباح الادريسي

246277 مشاهدة

(2)/ رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة

تقديم:

في الحلقة الأولى من الموضوع سعيت،معتمدا وقائع رسمية أممية، الى  تأكيد وجود تصور /نموذج مغربي رسمي،وميداني، لمحاربة التطرف الديني،بمختلف مستوياته.وقد بينت أن هذا التصور ليس وليد الظرف القتالي الدولي الحالي،بل يعود ،أمنيا وسوسيو اقتصاديا، الى أزيد من عشر سنوات، ودينيا الى عشرات السنين.

ثم عرضت تصوري للأسس التاريخية المغربية ،والإقليمية،التي أقدرت الفاعل الحكومي –معززا بثوابت عقيدية لدى المغاربة- على أن يكون له نموذج للقوة الناعمة يمكن –اذا أحاط المجتمع الدولي بكل أبعاده،ودعمه وأثراه -أن يعضد لجوءه  ألاستعجالي الحالي الى القوة الصلبة؛ويخلفه حينما تهدأ السماء وتهمد الأرض،ويتم التفكير بجد في ارساء خريطة طريق  أممية ؛حتى لا يتكرر ما استحدثه الارهاب الأسود من نسخة “اسلامية” نازية،استُبدل فيها  الصليب المعقوف براية انتهى ظرفها الزمني ،ولم يسلمها صاحبها عليه أزكى الصلاة والسلام لأحد.ثم رسمت منحى آخر للموضوع يقارب القيمة المضافة لهذا النموذج وطنيا وإقليميا ودوليا؛حتى لا يدرج ،بكل سطحية،ضمن الترف الفكري الحكومي،أو شوفينية الكاتب،أو مخزنيته كما توهم بعض المعلقين الغفل.

الاشتغالات الممكنة للنموذج المغربي:

ربما كنتيجة لعدم بروز النموذج المغربي وطنيا،وعدم احاطة المواطنين  بكيفية تعالق مكوناته  الدينية،التنموية ،الأمنية والثقافية؛لغياب هيئة تنسيقية مختلطة تضمن تناغم الايقاعات،وتمد جسور التواصل مع فعاليات المجتمع المدني،أفقيا وعموديا ،حتى يتحقق الانخراط الكامل.

ربما لكل هذا لا يميز المواطنون في معارضتهم- الساذجة أحيانا- بين ما هو حيوي دقيق وخطير ،من أداء الحكومة(أو المخزن)،وما هو من قبيل المألوف التدبيري في سائر القطاعات الأخرى؛والذي لا يُسيَّس ،بالكيفية المبتذلة أحيانا، إلا حبا في السلطة ،وتسوية للمسالك المؤدية اليها؛ولو دوسا على ارادات خَيِّرة ،قد تخطئ لكن لا مكر متأصلا فيها.

أغلب المعارضة البناءة،والصادقة،ثاوية في النفوس؛يتعفف أصحابها حتى عن التعبير عنها .يصمتون لأن غيرهم يظن أنه الوحيد المؤهل لاحتكار الكلام.

ملأى السنابل تنحني بتواضع *** والفارغات رؤوسهن شوامخ

نكاد،كمواطنين ،بتأثير من تخمة السلم العقيدي ،واللاطائفية – وهما مما خلفه لنا رجال بناة من أسلافنا المغاربة ،الذين نغفل عنهم كثيرا- أن نبخس ثروتنا اللامادية هذه حقها؛ونعتبر أنها مائدة نزلت من السماء –كأحجار المريخ بطاطا- ومن أنزلها كفيل بحفظها.

نغتر ببعدنا الجغرافي عن أبواب جهنم المفتوحة شرقا،وفي نفس الوقت نعتز بروابطنا الدينية واللغوية ؛دون الانتباه الى أنها موصلة للكهرباء.

من هنا كوننا ،كمواطنين، لا نعتبر،إلا لِماما، أن أمننا الروحي لا يقل عن أمننا الترابي ،الذي نحرص عليه جميعا ،الى درجة استعدادنا حتى لتغيير اسم المملكة المغربية ب”مملكة ألصحراء”. هكذا كانت دوما في الخريطة القديمة للإمبراطورية الشريفة.

أحيانا يبدو لي بعض الناس وكأنهم لا يفاضلون بين النشرة الجوية التي تترصد السماء، والنشرة الأمنية التي تترصد التطرف ،وتسقط الشبكات تلو الشبكات،وطنيا ودوليا. لا لم يكونوا في طريقهم لصيد السمك،ولكن الى مجاري الدم ،حيث تتزاحم الأشباح ،وبقايا خوارج العصور .

لا لم يعد هذا “شْغَلْ المَخْزَنْ” فقط ؛لأن البراكين لا يطفؤها رجال المطافئ، فَتُسْلِم الروحَ اللَّظى ،بل تتمدد وتنتشر.     وحتى حينما تموت لا تَسْحب بَعاعَها ورمادها الى أعماقها السحيقة.

ما كان للمحفل الدولي أن يستمع الى الطرح المغربي لو لم يقدم بين يديه انجازات قيمة، وأجندة  واضحة قابلة للنقاش والإثراء. فلماذا يرى البعض في كل هذا مجرد قفز مخزني على مشاكل المواطنين الحقيقية؟ ولماذا تستمر بعض خطاباتنا الفقهية في تبييض وجوه سودها الله،غير مبالية بكون المراهقة الذهنية للشباب توهمهم بإمكانية تحقق البطولات ،هناك حيث كل شيء مباح،ويكفي أن تحمل السلاح؟

عبر نفق هذا الوهم مر كل الشباب الداعشي،المغربي والأجنبي.

رب كلمة في غاية الشعرية ،يمسك بها الشاعر ،فتولد كل القصيدة.  هكذا الارهاب يبدأ بكلمات “تظل لها الدماء تصبب”.  يقينا،لو مُكن الشباب من تحقيق بطولات انسانية بناءة ،في مناخ من الحرية،لما سعوا الى اثبات وجودهم عبر الدم.تكاد داعش لا تجند غير شريحة عمرية واحدة؛هي بالضبط الشريحة التي خنقتها المجتمعات المصدرة؛بما فيها مجتمعات غربية غنية ومتحضرة،لكنها مترهلة حينما يتعلق الأمر بسياسات الشباب.

الاشتغال الوطني:

كنت سباقا الى القول ببداية معارك امارة المؤمنين،ولم تكذبني الأحداث؛اذ سرعان ما تلاحقت تصريحات وزير الداخلية التي أقرت ،أمام ممثلي الأمة، بوجود ما يهدد المغرب ،في هذا الذي يحدث في العراق وسوريا.بل استفاق المواطنون من سباتهم الآمن ،وهم يشاهدون هبة قواتنا المسلحة الى كل المواقع الحساسة لدفع الصائل الارهابي،البري والجوي. وأكمل الراصد الأمني المخابراتي اللوحة وهو يعرض على المحفل الأممي – في سابقة وطنية- حصيلة أداء نوعي،وكمي،من المستوى الراقي الذي لا يتأتى إلا لأكبر الأجهزة الدولية المتمرسة. لقد تعودنا على التفكير في ما يحدث؛أما ما لم يحدث فيظل غائبا عن وعينا.لقد عرفنا الآن أن عشرات المخططات الارهابية الدموية،المستهدفة للاستثناء المغربي، أجهضتها أجهزتنا الأمنية،كما عرفنا أن للمغرب أيادي بيضاء على عدد من الدول التي شملتها مخططات دموية أخرى. كم من حياة صانتها أعين لاتنام؟ ألا يكفي كل هذا لحشد الدعم المواطني الكامل لهذه الجهود؟ ألم تتوفر بعد شروط تجنيد المجتمع المدني – عبر كل القنوات الاعلامية والثقافية- للإسناد الفعال ،اليقظ والرادع؟ لعل القادم له صولة ،وتخذيل،ومباغتة لاتمهلنا .كفى من الخطاب المنافق لبعض الفقهاء،واللعب على حبال الفقه لتسلم الرقبة.الارهاب القوي يكفر الارهاب الضعيف(داعش تقاتل النصرة)وهكذا دواليك .يجب أن تكون الجبهة الداخلية صفا واحدا.لاتستغربوا أن تُستهدف الامارة، بالضبط،من طرف الخلافة اللاشرعية.لقد توالى حصول هذا منذ فجر التاريخ الاسلامي؛حتى والخلافة شرعية لا شية فيها.انه قدرنا في المغرب ،كما أسلفت ،وهذا ما جعلنا نرث الحزم والعزيمة والتميز.

غير بعيد عن هذا ،ما ذكر به المرحومُ الحسنَ الثاني – في سبعينيات القرن الماضي -الامام الخميني ،حينما استشعر خطورة الهلال الشيعي الذي شرعت الثورة الايرانية في رسم لوحته ،مستغلة فورة الشعوب الاسلامية. اكتملت اليوم اللوحة وأصبح هذا الهلال يمتد من ايران الى لبنان،وصولا ،أخيرا،الى اليمن السعيد.لم يخاطبه أحد كما خاطبه أمير المؤمنين،آنذاك، الذائد عن أهل السنة والجماعة ،في هذا الغرب القصي.وقتها أدلى الملك بالاحتياطي السني في شمال افريقيا ؛وكأنه يقول للإمام:لعلك ستهزم سنة ، الشرق لكنك لن تقدر على سنة الغرب.هل ستصدق النبوءة كاملة ؛أم أن الارهاب السني سيقوض بيده معاقل الاعتدال السني المغاربي؟

انهزمت العربية السعودية في كل مواجهاتها الاستراتيجية السنية مع  ايران ؛ومن تداعيات هذا الانهيار المذهبي ،هؤلاء الخوارج الذين يزدادون وحشية كلما تأكدوا من أن طائرات التحالف لاتعرج جهة الطوائف الشيعية الشاكية الاجرام في العراق وسوريا .

يقوم هذا دليلا على أن المال –وان كان عصب الحرب كما قال نابوليون- لايبني العز والصولة والهيبة للدول. تنتصر الدول وتتصدر برجالها ،حينما يمتحون من عتاقة التاريخ.

لقد سبق أن ذكرت أن داعش تعتبر المغاربة الجهاديين عملة صعبة،ومن هنا حرصها على تأطيرهم تكفيريا، و تدريبهم تدريبا قتاليا متميزا؛وإحلالهم مراكز الامارة والصدارة.لقد تتبعنا ما خلفه المذبوح أبو عبيدة المغربي من رعب في نفوس السوريين ،حتى وهو ميت.

كل هذا لأن عيون داعش –كما القاعدة- على تدمير رمزية امارة المؤمنين،كآخر معقل سني متماسك ،برجاله وبتاريخيه ؛ومنتصب لحرب ناعمة وصلبة ،لاهوادة فيها.

يجب أن تنضم الى جهود الفاعلين الحكوميين ،المعروفة وغير المعروفة،جهود المثقفين ،المربين ،الفنانين ،الأحزاب، ورجال المال والأعمال. لاتهويل في هذا ،ولسنا بحاجة الى عيون زرقاء اليمامة لنرى وحوشا تسير. كل شيء قابل للتروي والتأجيل إلا الأمن العام ،والأمن الروحي بالخصوص.

من يقف بأبوابنا؟

تتغذى كَرمةُ الارهاب في الجزائر،من تربة سياسية تتفاعل فيها العديد من الأسمدة والمبيدات.

اليوم ،ورغم كل ما قيل عن الوئام المدني ،وطمر شاقور الحرب الأهلية ،تحتضن البلاد مجموعات ارهابية بتنظيم قاعدي عنقودي ،يستعصي على التفكيك ،رغم قوة الترسانة وخبرة الرجال.

تستلهم هذه المجموعات –تنظيميا- كتابات أبي مصعب السوري التي ” يدعو فيها الى انشاء خلايا متنوعة لا ترتبط تنظيميا ،وتجمع بين المركزية ،على صعيد الانتماء،والشعارات ،والرموز،والأفكار ،وبين عدم الارتباط المركزي،بحيث لا يمكن اجهاضها أمنيا.”  أبو الفضل الاسناوي.

تفصل الكتابات المختصة(ملف مجلة  السياسة الدولية ع:198/اكتوبر2014) عناقيد الغضب هذه بالكيفية الآتية:

1.امارة الوسط:تشتمل على ثلاثة معسكرات تتفرع الى عدة كتائب مقاتلة:جند الأهوال،كتيبة الفتح،كتيبة الصديق،كتيبة الأرقم ،كتيبة عثمان بن عفان،النور،علي بن أبي طالب،المهدي الفاروق.

تنشط هذه الكتائب عبر ولاية بومرداس،الحدود الشرقية للجزائر،وولاية تزي وزو..

2.امارة الصحراء:كتائب الفرقان،الملثمين،طارق بن زياد. وتنشط في الجنوب الجزائري،وعبر الحدود المغربية الجزائرية،وشمال مالي.

3.الامارة الشرقية:يقتصر نشاطها على ولاية اتبسة ،بعد تفكيك غالبية كتائبها في ولايتي قسنطينة وجيجل .

اذا أضفنا الى كل هذه العناقيد ،وفيها المُتعنب الحديث،والمتزبب القديم ،سيولة الحدود مع ليبيا وتونس ومالي والنيجر؛مع الأخذ بعين الاعتبار امتداد القوس الارهابي الى صحراء سيناء فسنقف على حجم التحدي الذي يواجه كلا من الجزائر والمغرب؛خصوصا حينما تنهزم داعش في الشرق ،وتحل فلولها وأرتالها حيث تمتلك مواطئ أقدام ،في ليبيا وتونس والجزائر وشمال مالي ..

امارة بوليساريو:

في وجود “امارة الصحراء” يتعذر فصل نشاطها التخريبي عن جوارها في “ولاية الخلاء”؛حيث كل شيء مباح:الارتزاق في ليبيا وغيرها،الاتجار في المخدرات،تدوير المعونات الدولية،الاتجار في السلاح. تشير العديد من التقارير ،وآخرها تقرير السيد ياسين المنصوري أمام لجنة مجلس الأمن ،الى وجود روابط بين البوليساريو والإرهاب.

ورغم اشتغال المغرب-معماريا بالخصوص- على ملف صحرائه؛في انتظار أن يضجر الخلاء من خلائه،يشتغل على معمار استراتيجي ،سيقدره المجتمع الدولي حق قدره ،حينما يتأكد بأن الارهاب لا يحارب،لاجوا ولابرا ،وإنما في النفوس حيث تنمو البذور الشريرة أو الخيرة.

من هنا يبدأ التدويل.                                               انتهى

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz