خيوط الإحباط وأسطوانة الينبغيات

22183 مشاهدة
يبدو أن الإحباط أصبح صناعة معدة سلفا في قوالب إعلامية وعلب جاهزة بدون تاريخ لا تنتهي مدة صلاحيتها إلا ببقاء الإحباط النفسي عند الناس، حالة اليأس والإحباط هاته التي أصبحت وباءً وجدانيا يُعَشش في ثقافة الناس كسلوك ونفسية تكاد تكون عقيدة يتعايش معها الكثير. وكلما تتبعنا تأففات الشعب إلا وشعرنا بجو مُكْفهر بغيظ ومحبط وقاتم. فأطراف مضللة هي من تصنع شبكة خفية من خيوط الإحباط في أوساط الناس، فالملاحظ المتفقد المتبصر بخبايا الناس يلحظ جيدا هذا الإحباط، فالحالة النفسية التي وصل لها الشعب المغربي وكذا الشعوب الإسلامية تكاد تكون متشابهة وكأن الأمر متعلق بنماذج متطابقة خرجت من نسيج واحد. أي أن أمر الشعوب تتدخل فيها أطراف تريد جعل هذه الشعوب محبطة، تتنفس الإحباط وتفكر بمذهب القانطين وتعيش اليأس، تنظر للحياة بنظارة سوداء، فالسؤال هنا، لماذا يريدوننا محبطين؟ أعتقد أن الإحباط وبدون مجال للشك فهو يضعنا في صفوف المنهزمين، واليأس يجعلنا في صفوف المبخسين والمطبثين، والينبغية تضعنا في صفوف المسوفين كمن يلوك الفشل، لأن الإحباط حالة مرضية خفية لا يكشفها إلا خبراء النفس والاجتماع. ولكي نعيش الحياة بدون إحباط وبدون يأس بعيدا عن عقلية الينبغيات الخاملة نجتر معها كلمات لازم وسوف ويجب وينبغي..، نحتاج إنسان يعيش الحدث برسالية تحكمه الأخلاق والقيم لأن المحبط تتملكه حالة اللامبالاة والاستهتار والبخس بدعوى أن الأمور بمآلاتها وكل مآل في هذه الأجواء تنتهي بالفشل، وأن الجهود كل الجهود بلا جدوى.
لكن التاريخ يوضح أن السائرين في طريق الصلاح نموذجا المصلحين والأنبياء أن فعل التغيير واجب من البشر أما التغيير نفسه فهو من الله كسنة كونية أرادها الله في خلقه، وهذا لا يعني أن كل محاولة للإصلاح آلت بنتائج إيجابية وإلا لكان قوم نوح من الأقوام الناجية من العقاب بعد أن قام نوح بمحاولات الإصلاح فاقت التصور والوقت اللازمين.ومن الأمور الرهيبة التي قد يعيش فيها البعض أقصى حالات الإحباط والرهبة حينما يكون الإنسان مشرفا على الموت ومع ذلك فحديث القيامة قد جاء فيه كثير من الأمل وكثير من التحرر في أصعب المواقف كما قد جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها” (رواه البخاري في الأدب المفرد). بمعنى لو كان في يد أحدكم نبتة فليغرسها مع أنه لن يعيش بعدها، هنا التأكيد على أهمية التضحية وغرس العمل الصالح والقيام بالمبادرة والتغيير وبدل كل ما هو إيجابي ولو في اللحظات الأخيرة على نهاية التاريخ والحياة دون النظر للنهايات.نشر الإحباط واليأس بين الناس هو من عمل الشيطان فما أكثر الشياطين؟!لهذا يريدوننا أن نكون شعب محبط، وجيل محبط، وشباب محبط يبقى في هذه الدوامة حيث يبقى فيه المحبطون محبطون، ولا يفوز في المقابل إلا العاملون الذين رفضوا القيود النفسية وتجاهلوا تثبيط العزائم وقاوموا بذلك عقلية الإحباط وفلسفته.فالمحبط سجين الجسد ولا أدل على ذلك فالنفس المحبطة مهزومة قبل الجسد، والجوهر المحطم منكسر قبل الشكل، وهو ما لا يمكن معه الاستمرار لأن الحياة بدون نواة وجوهر ومضمون تعني الموت، ومن الإحباط ما قتل.. فعقلية المحبط أن لا شيء سيتغير وكل شيء سيبقى على حاله، ويبقى الانتظار سيد الموقف حتى تتبدل الحال بأحسن منها. ولا طالما ينصب تفكيرنا في تغيير العالم ولم نفكر للحظة أن نكون نحن هذا التغيير الذي قد يحصل. لكن خيوط الإحباط تنسج غيبوبتها على العقول وتدر رمادها على العيون، وتؤخر بدورها الكشف عن الحقائق والأحوال التي نحن عليها. بل أحيانا ما وفي ظروف ما قد نكون نسيجا ضمن هذه الخيوط وكما لو أن العالم كله موبوء بالفساد ما عدانا نحن، كمن يتهم الناس بالأوساخ وبيته مصدر للأزبال. فالأجواء موبوءة بالإحباط اللذيذ الذي لا يؤلم ويشبه غرفة معقمة تنعدم فيها حياة الجراثيم كافة، بما فيها التي تنفع الناس. أجواء تتسم بالجمود والركود يجعل الحياة بدون مذاق وبدون هوية وبدون رؤية..هكذا يريدوننا أن نعيش هذه الحياة التي لا معنى لها، فالإحباط لن يرتفع إلا بمنطق التحدي الذي لابد أن تُنَّكس معه رايات الإحباط ويُغنى نشيد الأمل والعمل بالرغم من كل هذا الألم. إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون.

mohammed tagui  طاقي محمد
mohammed tagui طاقي محمد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz