خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس: نص الرسالة الملكية السامية بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين لصدورالإعلان العالمي لحقوق الإنسان

73013 مشاهدة
نص الرسالة الملكية السامية بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

الرباط: الجمعة 10 دجنبر 1999

“الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول اللهتحل ذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعالم مقبل على ألفية جديدة يتوزع البشرية فيه امال عراض وتساورها مخاوف وأخطار من طبيعة جديدة ثم هي تصادف بداية خمسينيتها الثانية وقد انصرمت خمسينية أولى تحققت فيها مكتسبات واكبتها تحولات مذهلة وتطورات هائلة في ميدان الحريات والديمقراطية. وتحل ونحن مطوقون بطوق المسوءولية الكبرى موءتمنون على رعاية مصالح شعبنا وصون كرامة أبنائه واحترام حرياتهم وضمان حقوقهم مافتئنا ندعو منذ أن تولينا عرش أسلافنا المنعمين بالتزامنا باحترام حقوق الانسان وضمان الحريات الفردية والجماعية في اطار دولة الحق والقانون وما لبثنا أن دعونا إلى مفهوم جديد للسلطة تكون فيه هذه في خدمة المواطن قريبة من همومه وحاجاته في علاقة لا تطبعها الرغبة أو الرهبة ولكن الاحترام المتبادل والتكامل بين الحاكمين والمحكومين. فليست العلاقة بينهما علاقة تنافر وتصادم ولكن علاقة انسجام وتكامل. كل تجاوز او شطط من قبل الأفراد أو الجماعات أو الادارة يحكمه القانون وفق القواعد الجاري بها العمل.لقد انخرطت مملكتنا منذ حصولها على الاستقلال في دينامية احترام الحقوق والحريات بفضل تبصر جدنا محمد الخامس رضوان الله عليه وخيار والدنا الحسن الثاني طيب الله ثراه من خلال ارساء قواعد الملكية الدستورية بما يضمن الحقوق ويحمي الحريات العامة والفردية وتكريس الدساتير للتعددية السياسية وفصل السلط وسيادة القانون. ومكن بعد نظر والدنا جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه من جعل هذا التوجه ركنا أساسيا في بناء الدولة الحديثة. وتبلور ذلك في المصادقة على العديد من المواثيق الدولية واحداث البنيات الموءسساتية واتخاذ العديد من الاجراءات العملية لما كرسه دستور المملكة من تشبث بحقوق الانسان كما هي متعارف عليه عالميا.ونريد في هذه المناسبة أن نجدد التزامنا بحقوق الانسان وبقيم الحرية والمساواة. ذلك اننا نوءمن ايمانا راسخا أن احترام حقوق الانسان والالتزام بالمواثيق الدولية المكرسة لهذه الحقوق ليس ترفا أو موضة بل ضرورة تفرضها مستلزمات البناء والتنمية. لقد اعتبر البعض ان الأخذ بالاعلان العالمي لحقوق الانسان قد يعطل التنمية والتقدم وقد يصطدم بخصوصية ثقافية حقيقية أو مفترضة تتنافى وهذه الخصوصية. ونحن نرى من جهتنا أن لا تنافر بين دواعي التنمية واحترام حقوق الانسان ونرى أن لا تضارب بين الاسلام الذي كرم بني ادم وبين حقوق الانسان.من أجل ذلك كله نرى أن القرن المقبل سيكون قرن احترام حقوق الانسان أو لن يكون.ولاجدال أن من وسائل احترام حقوق الانسان الالتزام بالمواثيق الدولية المرتبطة بها ووضع اليات لاحترام الحقوق وصونها بيد أن تلك الأدوات القانونية والموءسستية تظل قاصرة ان لم يكن احترام حقوق الانسان سلوكا متواترا على جميع المستويات أو بتعبير اخر ان لم يكن ثقافة مشتركة.لذلك لم تقتصر نظرتنا لحقوق الانسان إلى الجانب الحقوقي أو الموءسستي أو في اتخاذ تدابير واجراءات معينة بل كذلك في صرف الاهتمام إلى الجوانب الاجتماعية التي هي من صميم صون كرامة الانسان. ومازلنا نولي اهتمامنا بادماج المحرومين والمعوقين والاعتناء بالمرأة القروية التي تعاني أشد ظروف التهميش ايمانا منا أن ذلك يندرج في صلب حقوق الانسان.ان اشاعة ثقافة حقوق الانسان تفترض اشاعة نور العلم. ان دور المدرسة يظل مركزيا في غرس قيم حقوق الانسان لدى الناشئة حتى تضحى حقوق الانسان جبلة وطبعا ولذلك فان من أولى الأولويات التي تشغل بالنا هي محاربة الأمية لأن القضاء على الجهل هو انتصار للمعرفة ولحقوق الانسان.ونهيب بمجتمعنا المدني الانغمار في قضايا مجتمعنا والعمل على الرقي بمختلف شرائح شعبنا. ومما يثلج الصدر روح المسوءولية التي أبان عنها والدينامية التي أظهرها.إن الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي نحتفل به اليوم هو مستوحى من روح الديانات السماوية التي تدعو إلى تكريم الانسان من حيث هو انسان واحترام الاخر. وينبغي هاهنا في هذا اليوم الأبرك من شهر رمضان أن نستحضر تلك القيم الخالدة التي يدعو اليها ديننا الحنيف بالجنوح إلى التسامح والميل للجدال بالتي هي أحسن والدعوة إلى السلم كافة. إن من تلك القيم الرائعة الصفح الجميل. ان مما يسمو بالانسان هو الارتفاع عن دواعي القصاص. ان القصاص والانتقام هو حجر للذكاء وتكبيل للطاقات الفعالة التي يزخر بها مجتمع ما.ان ما نرومه هو تفعيل طاقات شعبنا وصون كرامته في ظل دولة الحق والقانون واحترام حقوق الانسان.وإن اجتماعنا على هاته القيم وتوافقنا حولها من شأنه أن يمهد السبيل لبلدنا نحو التقدم والرقي والعيش مع محيطنا في سلام ووئام.والسلام عليكم ورحمة الله تعإلى وبركاته”.

نص الكلمة السامية التي ألقاها جلالة الملك أثناء افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء

الرباط : الأربعاء 15 دجنبر 1999

“الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وءاله وصحبهحضرات السادة أعضاء المجلس الاعلى للقضاء.بسرور بالغ وابتهاج عميق يسعدنا أن نلتقي بكم ونحن نفتتح هذه الدورة التي يعقدها المجلس الاعلى للقضاء. وهو شعور نابع مما تحظى به هذه الموءسسة الدستورية الموقرة الموضوعة تحت رئاسة جلالتنا ونابع كذلك من الاهمية القصوى التي نوليها للقضاء باعتباره مسوءولية منوطة بأمير الموءمنين يفوض النهوض بها لقضاة باسمه يصدرون الاحكام.وعلى النهج الذي سلك أسلافنا الميامين والذي وطده والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه نحن عازمون على متابعة المسير بما تتطلبه هذه المسوءولية من عناية ورعاية على أساس متين من مرجعيتنا الاسلامية الثابتة ومن ثراتنا العلمي الزاخر المتجلي في الرصيد الفقهي والاجتهادي الذي خلفه فقهاء الامة وفي طليعتهم قضاة المغرب على مر التاريخ أولئك الذين اعترف لهم بالتقوى والنزاهة وشهد لهم بالتبريز في أحكام النوازل والقضايا المستحدثة.واذا كنا نريد استمرار هذه الصورة الاصيلة المشرقة لقضائنا في اطار دعائمه القوية ومرتكزاته الراسخة فاننا نتطلع كذلك إلى أن يكون هذا القضاء متطورا ومتجددا يواكب ما يعرفه العالم المتقدم في مواجهة المشكلات التي يثيرها العصر وتولدها الحضارة الحديثة ويساير ما عقدنا العزم على انجازه باذن الله وما دعونا إلى التعبئة له بمنظور تصحيحي للمسوءولية ومفهوم جديد للسلطة.لقد أنجزت في عهد والدنا المقدس رضوان الله عليه اصلاحات كثيرة تحث على الاعتزاز والافتخار بما تحقق بها من اطمئنان على سير العدالة في بلادنا وارتياح لمصالح المواطنين في نطاق استقلال القضاء وتنظيم جهازه وتوحيده واعادة هيكلة مختلف أصنافه ودرجاته واحداث محاكم متخصصة واتخاذ تدابير تنظيمية وتشريعية لصالحه وصالح القضاة كي ينهض هذا القطاع الحيوي بدوره في ضمان الحقوق والحريات وفي ترسيخ سيادة الشرعية والقانون وتثبيت دولة الحق والعدل. وهو الدور الذي به يصبح القضاء مكونا فاعلا في التنمية بكل متطلباتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.وعلى الرغم من كل ماتحقق فاننا نسعى إلى مزيد من التطوير والتحديث حتى نمكن قضاءنا من رفع التحديات التي تفرضها مشارفة الالفية الثالثة مما يقتضي تكوينا مستمرا ومتفتحا يستوجب العناية بالمعهد الوطني للقضاء باعادة هيكلته وتحسين برامجه وتحيين مناهج تأطيره وتجديد طرق عمله. وإن من شأن مثل هذا التكوين أن يوءهل جهازنا القضائي لمواكبة تجدد القوانين العالمية ولكسب ثقة الذين يرغبون في التعامل معنا اضافة إلى كسب ثقة المواطنين.ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا احداث محاكم استئناف ادارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والاداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الانصاف بين المتقاضين. وإننا لندعو حكومتنا للاسراع لاعداد القوانين المنظمة للمجلس الاعلى والمجالس الجهوية للحسابات باعتبارها اطارا قضائيا قائما لحماية المال العام من أن تمتد إليه أيدي العبث والتسيب واستغلال النفوذ وباستكمال هذا الاطار الشامل لتحديث القضاء وتأهيله وعقلنة تدبير شوءونه وتوفير بنايات لائقة لمحاكمه وإمداده بالوسائل المادية والمعنوية نكون قد عملنا على تفعيله وهيأنا له أسباب القيام بما أنيط به من تحقيق العدالة الاجتماعية.ومن البديهي أنه لن يحقق القضاء هذا المبتغى إلا اذا ضمنا لهيئته الحرمة اللازمة والفعالية الضرورية بجعل أحكامه الصادرة باسمنا تستهدف الانصاف وفورية البت والتنفيذ وجريان مفعولها على من يعنيهم الامر. على أن تكون هذه الاحكام صادرة عن التطبيق السليم للقانون وفق مقتضيات نصوصه وما يمليه ضمير القاضي بمنأى عن كل أشكال الضغوط المادية والمعنوية وسائر الاعتبارات الذاتية والموءثرات الخارجية.حضرات السادة.إن العدالة كما لايخفى هي الضامن الاكبر للامن والاستقرار والتلاحم الذي به تكون المواطنة الحق. وهي في نفس الوقت موءثر فاعل في تخليق المجتمع وإشاعة الطمأنينة بين أفراده وإتاحة فرص التطور الاقتصادي والنمو الاجتماعي وفتح الباب لحياة ديمقراطية صحيحة تمكن من تحقيق ما نصبو اليه من ءامال واذا كان الجميع مطالبا بمضاعفة الجهود وبذل الطاقات لمجابهة المستحدثات المتلاحقة ورفع تحدياتها فان المعول كبير على قضاتنا في حدود اختصاصاتهم الدستورية أن يواصلوا أداء رسالتهم المقدسة بما يتناسب وما تفرضه تعاليم شريعتنا السمحة من عدل وانصاف واستقامة وكرامة وحماية للقانون وتمسك بالفضائل الخلقية السامية التي ينبغي أن تتحكم في السلوك والتي أنتم لاشك مثالها والقدوة..لهذا فاننا ونحن نوليكم ما أنتم جديرون به من عناية وما هو لائق بكم من مكانة ننتظر منكم – حضرات السادة أعضاء هذا المجلس الموقر – ان تظلوا على ما عودتمونا أسرة ملتئمة يلحمها التناسق والانسجام وأن تستمروا على ما عهدنا فيكم من صدق واخلاص وأن تواصلوا السير على النحو الذي يتفق والمستوى المرموق لموءسسة دستورية تعمل تحت رئاسة جلالتنا حرية بممارسة احدى وظائف الأمامة العظمى طبقا لمبادئنا الاسلامية العريقة الملزمة للقضاة بالتجرد والنزاهة والاستقلال ووفقا للقيم الانسانية المشتركة في مجال الحقوق.واننا لواثقون من أنكم تقدرون هذه المسوءولية حق قدرها وأنكم تحفزا منها ستعالجون مختلف النقط الهامة التي صادقنا عليها مدرجة في جدول أعمال هذه الدورة.حضرات السادة..اننا اذ نفتتح بسم الله أشغال مجلسكم الموقر لنود أن نوءكد لكم حسن ظننا وكامل عطفنا وسابغ رضانا داعين الله تعإلى أن يرزقكم عونه وتوفيقه وسداده ويلهمكم الامتثال الدائم للأمر الالهي الوارد في قوله عز وجل..” ان الله يأمركم أن توءدوا الأمانات إلى أهلها واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” صدق الله العظيم.والسلام عليكم ورحمة الله تعإلى وبركاته”.

نص الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى الوزير الأول حول المخطط الخماسي

الرباط: الخميس 16 دجنبر 1999

“الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله واله وصحبهخديمنا الاعز الارضى و وزيرنا الاول الاوفى السيد عبد الرحمن اليوسفي.حفظك الله ورعاك وأمنك وسدد خطاك ولسبيل الخير أرشدك وهداك.وبعد إنك لتعلم ما نوليه من فائق العناية لتثبيت دعائم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتقويتها ببلادنا وما نهدف اليه من تعميم ثمار الرخاء على رعايانا كافة من خلال تحقيق تنمية شاملة تستجيب لمتطلبات تأهيل الاقتصاد الوطني والارتقاء بالمستوى المادي والمعنوي للمواطنين وتمتيع بلادنا ببنيات متينة تمكنها من مواجهة التحديات المطروحة عليها ومن الاندماج الايجابي في محيط عالمي يعرف تحولات عميقة ومتسارعة.إن التنمية الشاملة التي نسعى اليها تعني الارتقاء بالبلاد في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وبناء تطورها بشكل يتيح تعميم الاستفادة من ثمرات النمو على سائر مكوناتها سواء على مستوى الفئات الاجتماعية أو على النطاق المجالي.وعلى هذا الاساس يتعين تصور استراتيجية تنموية مندمجة يهدف تنفيذها إلى تقوية بنيات المجتمع وادماج مختلف مكوناته وتمتين نسيج وحدته. ويتعلق الامر أساسا بما يلي..– أولا.. النهوض بالمناطق المعوزة والحاقها بدينامية التنمية وبصفة خاصة تدارك التأخر الذي يعانيه العالم القروي في مجال التجهيزات الاقتصادية والاجتماعية ومعالجة تدني مستوى الدخل وانتشار الامية ونقص الخدمات الاجتماعية.– ثانيا.. ادماج الشباب وفي مقدمته الشباب المتعلم في مسلسل الانتاج سعيا لاستثمار طاقاته المتميزة والاستفادة من موءهلاته العالية في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد بحفزه على الابداع والابتكار والاعتماد على الذات في غير توان أو تواكل.– ثالثا.. اشراك المرأة في الأنشطة التنموية وتمكينها من ممارسة جميع حقوقها كعنصر فاعل وموءثر في المجتمع.– رابعا.. محاربة الفقر والتهميش والاقصاء الذي يتنافى ومبادىء ديننا الاسلامي الحنيف المبني على مجموعة من القيم الانسانية وفي مقدمتها اشاعة التضامن والتازر وحفظ العزة والكرامة.إن هذا المسار لا يمكنه أن يتم الا من خلال توجيه التطور الاقتصادي والاجتماعي وتنسيقه في اطار مخططات تهدف حسب مراحل متتالية إلى التعجيل بادراج البلاد في المسيرة الحضارية الصناعية والعلمية والتكنولوجية المعاصرة. وذلك بالاعتماد على منهجية جديدة تتفادى الصعوبات التي واجهت التخطيط في الماضي باعتباره أداة لتوضيح الروءية وتحقيق التغيير واطارا ملائما لصب اختياراتنا الانمائية في منظور شمولي ومنسجم يوءمن الاحاطة بالعوامل المتحكمة في تطور محيطنا الداخلي والخارجي ويمكن من ترتيب الاولويات وينير مسعى الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ويساعدهم عن طريق ما ييسره من تشاور وتشارك على اتباع أقوم المناهج وانتقاء أنجع السبل لمواجهة التحديات الانية والمستقبلية.وبهذا الاعتبار يجب أن يسمح التخطيط بتوضيح معالم الطريق وتوجيه البلاد لنهج المسار المنشود وذلك في اطار تقوية التوجيه نحو تدعيم دولة الحق والقانون وخدمة الصالح العام وارساء حرية المبادرة الخاصة وفتح الباب على مصراعيه لتفتق الطاقات الابداعية.وقد حرص المغرب على تطبيق هذه الاختيارات عاملا على تفادي أي منحى يتنافى وقواعد الحرية سواء تعلق الامر بالمجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وذلك تمشيا مع ما كرسته الدساتير المتعاقبة للمملكة وايمانا بأنه لا تنمية بغير حرية ولا انعتاق من التخلف بدون اذكاء روح المبادرة واستتباب الظروف الميسرة لها.وتعميقا لهذه التوجهات يجب أن تعتمد المنهجية الجديدة مقاربة ملائمة لاشكالية التنمية كفيلة بتعبئة كل الطاقات المتوافرة للاسهام في وضع مخطط خماسي يندرج في اطار استراتيجية بعيدة المدى توءمن لنا من الظروف ما يجعلنا نلج الالفية الثالثة إن شاء الله بتفاوءل وثبات.سلاحنا في ذلك ايماننا القوي وثقتنا الراسخة في قدرتنا على تخطي الصعوبات ورفع التحديات ثم عزمنا الاكيد على سن السياسات الهادفة واتخاذ التدابير الكفيلة بتوفير الشروط اللازمة لبلورة هذا الايمان وتجسيد تلك الثقة بالنفس.وإذا كانت التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي ثمرة المجهود الجماعي للامة فانه يتعين على جميع الاطراف الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها الدولة والجماعات المحلية والموءسسات العمومية والقطاع الخاص والمنظمات الاجتماعية أن تتحمل مسوءوليتها في ذلك وتنهض بما يقتضي تحقيقها من واجبات.فعلى الادارة أن تيسر للمتدخلين الاقتصاديين والاجتماعيين ظروف العمل حتى يتسنى للقطاع الخاص سواء الوطني أو الاجنبي أن يضطلع بدوره المنشود في الاستثمار والانتاج والتشغيل بما في ذلك مساهمته في انعاش التجهيزات الاساسية الاقتصادية والاجتماعية دون أن تتخلى الدولة عن دورها الريادي والتنظيمي في هذا المجال وخاصة في تأهيل المناطق التي تعاني من نقص في هذه التجهيزات.وإن الجماعات المحلية لمدعوة من جهتها أكثر من أي وقت مضى للقيام بما هي مطالبة به في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولتمديد نشاطها حسب ما يسمح به القانون ليشمل المجالات التي تبرز فيها فعاليتها وما لها فيها من تأثير.وهكذا يتعين تعزيز دور الجماعات المحلية وتوسيعه لتصبح شريكا أساسيا للدولة وللفاعلين الاخرين وتدعيم طاقات الموءسسات الجهوية والاقليمية والمحلية لتمكينها من مساهمة أكبر في التنمية.ولابد في هذا الاطار من تعميق اللامركزية مع تطبيق سياسة ملائمة لعدم التمركز الاداري اعتبارا للاثر الهام الذي له في انجاح اللامركزية.ويجب التنبيه في هذا المجال إلى أهمية التخطيط الجهوي والمحلي في ضمان التنسيق اللازم بين برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعلى الموءسسات الترابية أن تصب أعمالها في تصور متكامل على مدى طويل ومتوسط بحيث تكون برمجة المشاريع التنموية الجهوية متعددة السنوات في ضوء مقاربة شمولية ومتناسقة مع المخطط الوطني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.أما بالنسبة للقطاع الخاص فاننا ننتظر منه في المرحلة القادمة من تطور البلاد مساهمة جوهرية تبررها المكانة التي أصبح هذا القطاع يتبووءها والمجهودات التي بذلتها الدولة لتمكينه من الارتقاء وتأهيله لتحريك عجلة التنمية وتدعيمها.ولايخفى أن تحقيق المشروع المجتمعي الذي نسعى اليه يقتضي تعبئة شاملة لمجموع القوى الحية بالبلاد. الا أن هذه التعبئة لايمكن أن تتم بدون تشجيع مساهمة كل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين على مختلف المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.واننا لنود في هذا المضمار أن ننوه بالجهود الاستثمارية الحميدة التي يبذلها رعايانا الاوفياء المهاجرون خارج أرض الوطن والتي نحثهم على مضاعفتها لما يعود بها عليهم وعلى المغرب من نفع كثير وخير عميم.وفي هذا السياق التعبوي الشامل يكتسي مبدأ المشاركة أهمية خاصة. وهو يقتضي مراجعة العلاقات بين الدولة والشركاء الاخرين بحيث تسند للادارة أدوار تتماشى والوظائف الجديدة للدولة في اطار اقتصاد متحرر. ومن ذلك تشجيع أسلوب التعاقد بين الدولة والجماعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني وسائر المساهمين وبذل الجهود لتنمية وظيفة الاستشارة وتوجيه المبادرات التي ترمي إلى القيام بالعمليات التنموية الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية وتشجيعها في اطار واضح ومسوءول.ومن هذا المنطلق فان المنظمات غير الحكومية والجمعيات المهنية والتعاونيات مدعوة لتقوم بدور هام في اطار التشارك والتعبئة المطلوبة لمواجهة تحديات معركة التنمية.وبالنسبة للاهداف الاساسية للمخطط المقبل فانه يجب أن تتبلور في تلبية التطلعات المشروعة للمجتمع والمتمثلة في تحسين ظروف الحياة وتوفير وسائل العيش الكريم وفي ارساء أسس مجتمع متوازن على المستويين الاجتماعي والمجالي وتحديث البنيات الانتاجية من خلال تقوية تنافسية المنتوج المغربي ورفع مستوى التعليم والتكوين وتكييفه مع حاجيات الاقتصاد ومقتضيات التطور مع الحفاظ على الثوابت الحضارية والثقافية لبلادنا ومقومات هويتنا العربية والاسلامية.واذا كان لابد من ترتيب لاولويات استراتيجية عملنا المستقبلي فواضح أنه يتعين التطلع إلى تسريع انساق النمو الاقتصادي بوتيرة تمكن من تحسين ظروف عيش المواطنين وارضاء حاجياتهم الاساسية من ضمان صحي وسكن لائق مع الاستجابة لمتطلبات التشغيل ولاسيما تشغيل الشباب الذي يجب أن يكون على رأس مانحن به معتنون ومهتمون.ومن بين الاولويات التي نعيرها فائق رعايتنا تندرج تنمية العالم القروي التي تكتسي أهمية خاصة نظرا لما هو متطلب في هذا الميدان وذلك من خلال سياسة هادفة لتحقيق التنمية الشاملة وادماج الساكنة القروية في المسار التنموي العام للبلاد والتقليص من مختلف العجز الذي تعانيه.وستساعد السياسات القطاعية على تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية اعتبارا لكونها تندرج في استراتيجية تنموية شمولية ويتعلق الامر على الخصوص بتشجيع الصادرات وتنويعها وانعاش السياحة وتنمية الصيد البحري وتحسين جودة واندماج منتوجنا الصناعي ورفع مستواه دون اغفال تكثيف اسهامات القطاعات الاساسية الاخرى كالفلاحة والصناعة التقليدية وغيرها.ولن يكتمل التصور الاستراتيجي لعملنا هذا دون الحرص على تحقيق التوازنات الاجتماعية سواء تلك التي تتعلق بحماية الفئات الاجتماعية المعوزة أو مد جسور التضامن بين الاجيال أو تلك التي تهم الحد من التفاوت الجهوي من خلال منظور بعيد المدى لاعداد التراب الوطني يرتكز على انعاش العالم القروي والتطوير العقلاني للمشهد الحضري وحماية البيئة والمحافظة عليها ضمن سياسة تحترم قواعد الاستغلال الرشيد لمواردنا الطبيعية وفي طليعتها الماء الذي ما أحوجنا إلى مزيد من الحرص عليه بحسن استهلاكه وعقلنة تدبيره.غير انه لبلوغ جميع المقاصد المتوخاة لا يخفى عليك ما يكتسيه العنصر البشري من أهمية على جميع المستويات باعتباره فاعلا ومستفيدا من سيرورة الاقتصاد وكذلك باعتباره مفكرا ومبدعا ومربيا وحاملا لمشعل الانسية المغربية الاصيلة في السياق الثقافي والحضاري الذي ننتمي اليه.لذا يجب أن يشكل اصلاح النظام التربوي والتعليمي مسعى دائما ومتجددا يمكننا على الخصوص من الانخراط في مجتمع المعرفة والتكنولوجيا والاعلام ومواكبة تطوره المتواتر والمتلاحق.كما يتعين الحرص على ضمان مكانة متميزة لبلادنا في اطار تعاون مثمر مع التكتلات الجهوية والقارية وبصفة خاصة في اتجاه بناء المجال الاقتصادي المغاربي ءاخذين بعين الاعتبار التزاماتنا الدولية التي كرست اختياراتنا فيما يتعلق بالانفتاح الايجابي على العالم الخارجي.وبموازاة مع هذه الاهداف يتعين رفع مستوى الاداء الاقتصادي والاجتماعي لاجهزة الدولة وذلك باصلاح الادارة والعدل والموءسسات العمومية لما لذلك من وقع حاسم على تعميق الديمقراطية وتأهيل النسيج الاقتصادي الوطني لمواكبة مقتضيات التنافسية الدولية.واننا متيقنون ان اعتماد التخطيط كمنهج متميز لاستشراف المستقبل وتقييم الحاجيات والامكانيات وترتيب الاولويات ونهج أسلوب توافقي بناء مع مختلف الفرقاء سيمكننا ان شاء الله من تحقيق ما نتوق اليه من تقدم ورفعة ورخاء لهذا البلد الامين حتى تعم خيرات التنمية مختلف ربوعه وتنعم بثمار رخائه كل مكونات مجتمعه.محب جنابنا الامثل وزيرنا الاولاننا اذ نبسط لك في هذه الرسالة التي نسعد بتوجيهها اليك ءافاق منظورنا للمخطط الخماسي الذي نرى أن نستهل به الالفية الثالثة ان شاء الله لنحث جميع خدامنا الاوفياء في مختلف الاجهزة المعنية على أن يولوه ما هو جدير به من عناية واهتمام في حرص منهم على بلورة مختلف محاوره وشتى أبعاده لتطبيقها وتنفيذها بكل ما تقتضي من جد وحزم وعزم وما تتطلب من نزاهة وصرامة واستقامة موءكدين لهم حسن ظننا بهم وكامل عطفنا عليهم وسابغ رضانا عنهم وداعين لهم بدوام عون الله وتوفيقه وسداده.“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والموءمنون” صدق الله العظيم.والسلام عليك ورحمة الله تعإلى وبركاته.وحرر بالقصر الملكي بالرباط في يوم الثلاثاء 17 جمادى الثانية عام 1420ه الموافق 28 شتنبر سنة 1999م”.

SM Le Roi Mohammed6 :: صاحب الجلالة الملك محمد السادس
SM Le Roi Mohammed6 :: صاحب الجلالة الملك محمد السادس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz