خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس: صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوجه خطابا إلى الأمة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

75339 مشاهدة
صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوجه خطابا إلى الأمة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

مراكش : السبت 06 نونبر 1999

“الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله و اله وصحبه.شعبي العزيز..جريا على العادة التي سنها والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني رضوان الله عليه تخليدا لانطلاق المسيرة الخضراء المظفرة يسعدنا وقد حلت ذكراها الرابعة والعشرون أن أوجه إليك خطابا أدعوك فيه إلى تأمل حدثها المتفرد الذي يمثل إحدى حلقات الكفاح الذي خضته “شعبي العزيز” من أجل استرجاع الاستقلال واستكمال وحدة التراب.فبالتحام عميق بين رعايانا المخلصين في شمال المملكة وجنوبها وهو الالتحام الذي وثقت عراه على مر العصور أواصر التواصل المستمر ومقومات الوطنية الصادقة تحقق الإجماع على هذا الكفاح الذي كان فيه لأبناء الصحراء المجاهدين نصيب وافر منذ وقت مبكر بما سجلوا من مواقف بطولية في مختلف واجهاته السياسية والعسكرية والثقافية دفاعا عن انتمائهم القوي للوطن وإظهارا لتشبثهم المتين بمغربيتهم وتمسكهم الوثيق بالعرش العلوي المجيد مما أفشل جميع المخططات الاستعمارية التي كانت تلجأ إلى الإغراء والتهديد وإلى المواجهات العنيفة.شعبي العزيز..إن إحياء هذه الذكرى المتميزة يحث على استخلاص العبر من المسيرة إذ تعد حدثا بارزا على مستوى المغرب والعالم كله وهي تستمد هذا التميز من طابعها السلمي الذي برز منذ المراحل الدبلوماسية الأولى التي سبقتها لاسيما على صعيد الأمم المتحدة التي أحالت القضية إلى محكمة العدل الدولية التي لم تلبث أن أصدرت حكمها بإقرار مابين المغرب والصحراء من صلات قانونية وروابط البيعة.وكان أن تشكلت المسيرة التي تطوع لها مختلف أفراد الشعب من نساء وأطفال وشيوخ وشباب ومن شتى المهن والحرف كلهم سعوا للمساهمة فيها بانتظام محكم مضبوط بدءا من التجمع في الأقاليم إلى أن تم الفتح المبين سلاحهم كتاب الله الذي كانوا يرفعونه بأيديهم إلى جانب العلم الوطني ومعهما كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير مع ما لهذا النداء من أثر في ملء القلوب بالإيمان وفي التعبئة وبث الشجاعة وإذكاء الحماس.ولم تكن هذه الطبيعة السلمية ناتجة عن عجز أو ضعف ولكنها كانت اختيارا قائما ” بعد الاطمئنان إلى الله” على الثقة في النفس واليقين بالحق مع الاستعداد الكامل للدفاع عن الأرض وحفظ الكرامة وصيانة الأرواح إن دعت الضرورة لذلك.وما كاد مبدع المسيرة الخضراء والدنا المكرم تغمده الله بواسع رحمته ومغفرته يعطي في خطابه التاريخي بأكادير يوم 5 نونبر سنة 1975 إشارة الانطلاق حتى التحقت المسيرة بالصحراء لتعود اثر ذلك بدعوة من جلالته نور الله ضريحه وقد بلغت غايتها وحققت مبتغاها.وترسيخا لهذا النجاح الباهر وتأكيدا لشعور الاطمئنان والثقة واليقين وتشبثا بالمواقف السلمية الحكيمة وحرصا على إنقاذ المجموعة الإفريقية من كل تصدع قبل المغرب سنة 1981 مبدأ استفتاء ينظم تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة.وإذا كان أمر الاستفتاء مازال يتعثر لأسباب مفتعلة خارجة عن إرادة المغرب فانه في صيغته الشعبية والتلقائية يتجلى في كل حين معززا بالحركة التنموية الدائبة التي تعرفها الصحراء. ومع ذلك فإننا ملتزمون بالمخطط الاممي على أن يتم تسجيل جميع المنحدرين منها في اللوائح الانتخابية للمشاركة في هذا الاستفتاء.شعبي العزيز.إنه في الوقت الذي تشهد أقاليمنا الجنوبية تقدما هائلا وازدهارا كبيرا وقعت مؤخرا بمدينة العيون كما في علمك أعمال شغب من جراء مطالب اجتماعية.وقد تم استغلال هذه الأحداث لترويج إشاعات باطلة وتوظيفها للنيل من سمعة المغرب في الوقت الذي تشكل فيه تلك الأعمال انتهاكا صريحا للقانون وخرقا للنظام العام بإتلافها للممتلكات العمومية ومساسها بالملكية الفردية.وهنا نود أن نؤكد أن خيارنا للديمقراطية هو خيار لارجعة فيه وأن الديمقراطية مسؤولية كذلك وندعو إلى عدم سو ء استعمالها. وكل تجاوز أو خرق من شأنه أن يمس بالنظام العام سيتعرض للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.شعبي العزيز.لقد أخذنا على عاتقنا أمر معالجة ملف الصحراء المغربية بمنظور جديد يتسنى به التعامل معها بإنصاف وموضوعية وواقعية فأصدرنا تعليماتنا السامية بمناسبة رئاستنا اجتماع اللجنة الملكية لمتابعة الشؤون الصحراوية بتخصيص غلاف مالي لحل مشكل البطالة في تلك الأقاليم مع تقديم تسهيلات للطلاب تتعلق بالنقل وكذا المعوقين بما يمكنهم من الاندماج في المجتمع.وقد استهدفت التعليمات كذلك تفعيل المجلس الملكي الاستشاري لشؤون الصحراء وتنظيم انتخاب أعضائه باشراك أبناء المنطقة حتى يمثلوا في اللجنة الملكية مع ما يقتضي ذلك من نظر في النصوص القانونية والإجراءات المنظمة لانتخاب المجلس بنزاهة وشفافية مما جعلنا نكون لجنة أسندنا رئاستها إلى وزيرنا الأول. كما أمرنا بمضاعفة الاهتمام بالسكن وأوضاع مخيمات الوحدة.وحتى تتحقق الغايات التي نرمي إليها من هذه التعليمات والتي نريدها أن تبلور عنايتنا الفائقة بالأقاليم الجنوبية فقد قررنا أن نوسع لسكانها مجال تدبير مصالحهم المحلية وأن نتيح لهم مسؤولية هذا التدبير في نطاق الجهوية التي كان والدنا المغفور له قد دعا إليها في خطاب ذكرى المسيرة عام 1996 والتي سنعمل بحول الله على تعميمها بما تستلزم من لا مركزية نراها تستجيب لما يتمتع به المغرب من خصوصيات نابعة من تشكيل طبيعته الثرية وتكوين ثقافته الغنية داخل إطار من التعدد المتالف والتنوع المتناسق.ومما لاشك فيه أن هذه السياسة التي نسلكها تغتني بالممارسة وستعطي حتما النتائج المتوخاة منها. وهنا أغتنم الفرصة للتذكير بأن أبواب المغرب مفتوحة في وجه أبنائه أينما كانوا ليساهموا في معركة التنمية والتحديث والديمقراطية ونجدد نداء والدنا تغمده الله بواسع رحمته إلى المغرر بهم “إن الوطن غفور رحيم”.شعبي العزيز.إننا ونحن نحيي هذه الذكرى الوطنية الغالية باستعادة أهم ملامحها واستحضار أبرز دلالاتها نتوخى مزيدا من العبر والاستنارة بقبسها كي نهتدي بها في المسيرات العديدات التي اخترنا أن نخوض غمارها بنفس روح المسيرة الخضراء لإنجاز ما يتحتم من إصلاح وتغيير قصد النهوض بالمغرب الموحد وتأهيله ليتخذ المكان اللائق به بين الدول المتقدمة في القرن المقبل إن شاء الله.“ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة. إنك أنت الوهاب” صدق الله العظيم.والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.

نص الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في تخليد الذكرى الأربعين لميلاد النظام المالي المغربي

الرباط : الثلاثاء 16 نونبر1999

“الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه..حضرات السيدات والسادة المشاركين في تخليد الذكرى الأربعين لميلاد النظام المالي المغربي..لقد انصرمت أربعون سنة منذ أن قرر صاحب الجلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه في خطاب العرش يوم 18 نونبر 1959 إنشاء ست مؤسسات مالية لتستجيب إلى متطلبات الاقتصاد المغربي غداة الاستقلال. وبدا جليا منذ ذلك الحين الدور الفعال والأساسي للنظام المالي في تمويل النمو الاقتصادي.لقد أثبتت تجربة النظام المالي المغربي مدى قدرته على الالتئام فلئن كان قد وضع في سياق حمائي فان ذلك لم يحل دون أن يضطلع بمهمته في سياق اقتصاد ليبرالي. والسؤال الذي يلح علينا الآن هو تحديد التقويمات اللازمة لكي يضطلع هذا القطاع بمسؤوليته في السياق الجديد للاقتصاد العالمي.لقد فرضت عدة خيارات نفسها غداة الاستقلال وعرف اقتصادنا آنذاك تقلص الاستثمارات واستفحال هروب روءوس الأموال. وكان من الضروري والحالة هذه تعبئة الموارد المالية لحفز الاستثمار. فتم اتخاذ قرارات لوقف نزيف روءوس الأموال وإتاحة الفرصة للادخار ليكون في خدمة الاقتصاد ومن جهة أخرى اتخاذ إجراءات من شأنها ترسيخ سيادتنا الاقتصادية. وكان من أهم تلك الإجراءات فك الارتباط مع الفرنك الفرنسي بتاريخ 28 دجنبر 1958 واعادة هيكلة مكتب الصرف بتاريخ 28 يناير 1958 وإنشاء بنك المغرب بتاريخ 1 يناير 1959 وسن عملة الدرهم بتاريخ 17 أكتوبر 1959.ومن جانب آخر تم إنشاء أدوات من شأنها تمويل الاستثمار منها البنك المغربي للتجارة الخارجية لتشجيع التجارة الخارجية والبنك الوطني للتنمية الاقتصادية لتمويل مشاريع الاستثمار.أما الجانب الآخر الذي انصرف إليه النظام المالي المغربي فهو تعبئة روءوس الأموال المحلية لكي تساهم في تمويل الاقتصاد منها خلق صندوق التوفير الوطني والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق الإيداع والتدبير.وقد توالى في عهد والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه مسلسل إحداث موءسسات مالية من شأنها الدفع قدما بالاقتصاد المغربي فتم إنشاء الصندوق الوطني للقرض الفلاحي سنة 1962 وشركات الاستثمار والشركة الوطنية للاستثمار سنة 1966.وعرفت بلادنا إصلاحات بنيوية منذ الثمانينات في اتجاه تحرير القطاع المالي وملاءمته للمعطيات الجديدة وذلك في أفق الدفع بالنمو. وفي هذا المنظور الجديد كان لزاما على القطاع البنكي أن يدخل حلبة التنافس داخل المنظومة المصرفية من جهة مع موارد أخرى للتمويل من جهة ثانية.حضرات السيدات والسادة..يواجه اقتصادنا اليوم تحديات جديدة سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي.فمما يتوجب على الصعيد الداخلي تحقيق معدل نمو مستمر من شأنه أن يستجيب لحاجيات السكان ومتطلباتهم في التعليم والصحة والبنيات التحتية. كل ذلك يستلزم معدلا للنمو للسنوات القادمة يصل إلى 6 في المائة.أما على الصعيد الخارجي فان عولمة الاقتصاد تفرض تنافسية أكبر وتقوية لنظامنا المالي حتى يتسنى لبلادنا الاستفادة من هذا المد العالمي.لقد أظهرت الأزمة المالية التي عصفت بكل من آسيا وأمريكا اللاتينية انه لا يكفي من أجل الاندماج في الاقتصاد العالمي وجلب الاستثمارات فتح الحدود للتبادل الحر والخوصصة والحفاظ على التوازنات الإجمالية للاقتصاد. ذلك انه علاوة على هذه الإجراءات الضرورية يتعين تقوية نسيجنا الإنتاجي وإرساء مراكز لتنمية مستقلة من شأنها أن تتيح للاقتصاديات سبل مقاومة الهزات الخارجية وتوفير نظام مالي قوي وفعال.ونريد منكم حضرات السيدات والسادة في هذا اليوم الدراسي أن تصرفوا تفكيركم إلى محاور نرى أنها خلقية بالدرس..1 – ملاءمة دور البنك المركزي مع التطورات التي يعرفها النظام المالي الدولي وذلك بإحداث آليات تمكن الفاعلين الاقتصاديين من الاستفادة من الحركية الكبرى لرؤوس الأموال وبتطوير الأدوات الاحترازية اللازمة قصد تمنيع النظام المالي الوطني تجاه الهزات والأزمات المالية الخارجية.2 – تعبئة الادخار والتفكير في أحسن السبل لتوجيهه نحو الاستثمار.3 – تحديد التطورات اللازمة في سوق البورصة لكي تصبح أداة فعالة لتمويل الاستثمار.4 – التفكير في سبل الدفع بالقطاع البنكي مما من شأنه أن يتيح للمقاولة سبل الحصول على التمويل وبالأخص المقاولات الصغرى والمتوسطة واصطحابه لمسلسل تأهيلها لتقوى على مواجهة المنافسة الأجنبية وبالأخص الأوربية.تلكم محاور تستأثر باهتمامنا نريد منكم أن تخلصوا إلى نتائج عملية بعد دراسة أوجهها.وفقكم الله وسدد خطاكم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

وحرر بالقصر الملكي بالرباط في 07 شعبان 1420 ه الموافق 16 نونبر 1999″.

نص الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في الدورة ال 19 للأيام الثقافية التيجانية

دكار : السبت 27 نونبر 1999

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله واله وصحبه

حضرات السادة الأفاضل.

إنها لفرصة سانحة نغتنمها لنعبر لكم عن مدى تأثرنا البالغ بهذه المناسبة التي تتنزل فيها الرحمات الربانية وتنتشر فيه النفحات القدسية وتطمئن فيها النفوس والقلوب بذكر الله عز وجل ألا بذكر الله تطمئن القلوب.فقد أحسنتم ووفقتم حينما جعلتم موضوع الدورة التاسعة عشرة للأيام الثقافية التيجانية..” تأبين والدنا المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ونور ضريحه وجعل جنات الفردوس مثواه” فعبرتم بذلك عن صادق مودتكم وجميل محبتكم وعميق ما تكنونه من مشاعر الإخلاص والوفاء وحسن الموالاة والصفاء لهذا الملك العظيم.حضرات السادة الأفاضل..

إن مما يتميز به البلدان الشقيقان .. المغرب والسينغال هو أن الإسلام قد استقر بهما استقرارا أمينا مكينا صاحبته معاني الوحدة والأخوة واجتماع الشمل وترصيص الصف أمام العواصف والزوابع. وكان من أهم ما ساعد على هذا الاستقرار ودفع إلى الازدهار والاستمرار اجتماعهما على العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي. وقد توج ذلك وبلغ غايته بتلكم التربية الإيمانية الصوفية السنية النقية التي طبعت أبناءهما بطابع الصلاح والاستقامة وجعلت منهم ربانيين ورسخت فيهم معاني السمو والرقي الديني والإشراق الفكري والمعرفي في إطار الدفاع عن قيم الإسلام ومقدساته والجهاد من أجل إعلائه والتمكين له.وقد حافظت أسرتنا العلوية الشريفة على هذا الإرث الديني الحضاري العالي ولم تفتأ تهتم بالتصوف السني ورجاله وقضاياه وتوطد الصلة بعلمائه والصالحين من أعلامه وتيسر لهم سبل العمل الراشد خدمة للإسلام وتقربا إلى الله تعالى بجليل الأعمال وحميد الأفعال وكان من أبرز الطرق الصوفية التي حظيت بوافر العناية وجميل الرعاية.. الطريقة التجانية السنية المرضية ولا أدل على ذلك من عظيم ما لقيه مؤسسها الشيخ أحمد التيجاني وذريته وأتباعه من المشايخ والمريدين من إعزاز وتكريم وتبجيل وتقدم ومساعدة وتدعيم من أجل نشر الإسلام وترسيخ قيمه وتعاليمه وبث فضائله ومكارمه وإسماع كلمته وإعلاء رايته خفاقة في ربوع إفريقيا وغيرها من الأقطار الإسلامية وذلك من لدن السلطان مولاي سليمان إلى جدنا أمير المومنين جلالة الملك محمد الخامس ووالدنا أمير المؤمنين جلالة الملك مولانا الحسن الثاني رضي الله عنهم وجعل الفردوس مثواهم.حضرات السادة الكرام..لقد كان والدنا جلالة المغفور له مولانا الحسن الثاني قدس الله روحه يولي اهتماما كبيرا وعناية بالغة ورعاية تامة للطرق الصوفية بصفة عامة والطريقة التيجانية بصفة خاصة وذلك بالتمكين لها ودعمها ماديا ومعنويا حيث أمر رحمه الله بتنظيم ندوة الطرق الصوفية ”دورة الطريقة التيجانية” بفاس خلال شهر دجنبر 1985 تحت الرعاية السامية لجلالته قدس الله روحه.ووجه رسالة ملكية سامية إلى المشاركين في الندوة تضمنت توجيهات نيرة وأراء سديدة ودررا غالية أبرز فيها طيب الله ثراه قيمة التصوف الإسلامي السني وأثره التربوي في نفوس المريدين وعامة المسلمين وأصوله النورانية المحمدية التي تجعل منه رافدا قويا خصبا من روافد الدعوة الإسلامية والتربية الدينية الإيمانية العالية التي يصاغ في ضوئها الأفراد صياغة ربانية فريدة تجعل منهم أمة واحدة متآخية متآزرة وصفا محكما مرصوصا وتعمق في نفوسهم معاني الأخوة والصفاء وتذكي فيهم روح الجهاد والدفاع عن القيم والمبادئ والسعي بالأمة الإسلامية نحو القمة السامقة والمرتقى الصاعد الشامخ في ظل الحضارة الإسلامية الخالدة.كما تفضل جلالته رحمه الله بإسباغ رعايته السامية على تنظيم الأيام الثقافية للرابطة التيجانية بالسينغال في أواخر كل سنة ميلادية منذ سنة 1986.حضرات السادة..لا يخفى عليكم أن الطريقة التيجانية قائمة على الاقتداء بالرسول الأكرم سيدنا محمد صلى عليه وسلم واتباع هديه والتزام سنته وطريقته وملء الأوقات بذكر الله عز وجل والصلاة على نبيه المصطفى الكريم عليه افضل الصلاة أزكى التسليم والمواظبة على تلاوة كتاب الله العزيز والمحافظة على الصلوات مع الجماعة والإقلاع عن المعاصي والذنوب بالتوبة والاستغفار ولزوم الجماعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملتزمة بالعقيدة الاشعرية ومتمسكة بالمذهب المالكي مما يسر الله به دخول الملايين في الإسلام.وان بلادنا المملكة المغربية لمعتزة أيما اعتزاز بان يكون أحد أبناء المغرب الأبرار وعلمائه الأخيار العارفين بالله وهو الشيخ احمد التيجاني هو شيخ هذه الطريقة وقطبها دفين الزاوية التيجانية / الأم / بفاس وإننا على يقين صادق واقتناع عميق بان مشايخ ومقدمي ومريدي واتباع هذه الطريقة يبادلون هذا البلد وعرشه العلوي المجيد حبا بحب ووفاء بوفاء وإخلاصا بإخلاص.حضرات السادة الكرام..إننا لنحمد الله عز وجل أن وفقكم إلى تنظيم هذه الأيام الثقافية المباركة معربين لكم عن بالغ تأثرنا وجزيل شكرنا على ما وقع عليه اختياركم من جعل موضوعها مركزا على تأبين روح والدنا جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحه مؤكدين لكم على أننا سنواصل دعمنا لهذه الطريقة السنية وعنايتنا واهتمامنا بمشايخها ومقدميها ولا يفوتنا في ختام هذه الكلمة أن ننوه بالعلاقة الطيبة الحميمة العتيقة التي تربط بين المغرب والسينغال وآثارها الحميدة على الإسلام والمسلمين في مختلف البلاد الإفريقية كما لا يفوتنا أن نعرب لكم عما نكنه لفخامة رئيس جمهورية السينغال أخينا الأعز عبدو ضيوف من عميق الصداقة وصادق المودة والمحبة أدامها الله صافية نقية طيبة زكية سائلين الله تعالى أن يوفقكم ويكلل بالنجاح أعمالكم ويلهمنا وإياكم الصبر والسلوان وان يسكن والدنا المنعم فقيدنا العزيز فسيح الجنان مع الذين انعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.

نص الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في الدورة 23 للجنة التراث العالمي

مراكش: الاثنين 29 نونبر 1999

“حضرات السيدات والسادةيسعد المملكة المغربية أن تستقبلكم في إحدى عواصمها التاريخية الكبيرة مدينة مراكش التي تجمع على أرضها المضيافة تراثا زاخرا وتاريخا حافلا يحكيان في كل درب من دروبها المكانة المرموقة التي استطاعت هذه الحاضرة أن تتبوؤها بين كبريات المدن العالمية وأعراقها.وإنها لمناسبة سعيدة هذه التي تتاح لنا ونحن في بداية عهدنا لنشارككم طموحاتكم وانشغالاتكم حيال الموروث الحضاري الذي راكمته الإنسانية جمعاء كتعبير عن عبقريتها وعن مثلها وعن جدارتها بالتكريم الإلهي الذي جعل الإنسان من أفضل المخلوقات وأنبلها.لقد مر اليوم ما يناهز السبعة والعشرين سنة على اتفاقية التراث العالمي التي صادقت عليها الجمعية العامة لليونسكو سنة 1972 وتحقق بفضلها تقدم كبير في مجالات التعامل مع التراث الثقافي والطبيعي حيث باتت الدول الموقعة على مسودتها تتناول قضاياه انطلاقا من مفهوم واحد قوامه أن المحافظة على التراث المحلي والوطني وصيانته إنما هما محافظة على ارث إنساني يلتقي عنده باعتراف متبادل جميع أبناء البشرية.وهذا الشعور الدولي والاهتمام المتزايد والحرص على تسجيل المواقع الطبيعية والأثرية الهامة والمدن والمباني التاريخية الفريدة ضمن لائحة التراث العالمي هو الضمان لمستقبل زاهر لفائدة الحضارة الإنسانية على اختلاف أوجهها وتعدد تجلياتها وستكون للأجيال القادمة فرص عديدة للاستقاء من قدراتها ما تستطيع أن تتفاعل به مع ما أثمرته الأجيال السالفة في جميع مناحي الحياة معتمدة في ذلك على ما وصلت إليه الاكتشافات التقنية والعلمية الحديثة.إن هذا الاجتماع الذي يعد أخر تظاهرة من نوعها في هذا القرن سيستحضر لا محالة الشروط الجديدة التي تميز الاتصال الإنساني ومعرفة الناس ببعضهم في ظل الثورة الإعلامية التي يشهدها العالم والتي تجعل تراث كوكبنا ملكا مشتركا نتمكن من التعرف عليه والاقتراب منه والاطلاع على ما يعرفه من تطور وما يتهدده من مخاطر. وفي ظل هذه المعرفة الجديدة بالآخر فان التراث يتخذ بعدا عميقا بما يمنحه من فرص لفهم الخلفيات الثقافية والتاريخية للإنسانية جمعاء والانطلاق منها للدفاع عن قيم التعايش والتسامح. كما أن هذه المعرفة تحملنا مسؤوليات جديدة وجسيمة ذلك أننا اليوم مسؤولون جميعا عن حماية هذا التراث بكل أشكاله والحفاظ عليه للأجيال المقبلة. ولايمكن أن ندعي أننا لم نكن على علم بما يختزنه العالم من تعدد حضاري وما يتهدد هذا التعدد من مخاطر بفعل الحروب والفقر اللامية.وانطلاقا من الشعور بجسامة هذه المسؤولية فقد بات من الضروري تنسيق الجهود على المستوى الدولي لإنقاذ تراثنا الحضاري حيثما كان ذلك أن ما يفقده شعب من الشعوب إنما تفقده الإنسانية جمعاء ومن المؤكد أن عجز عدد كبير من دول الجنوب على حماية تراثها الوطني سيفقد الإنسانية كنوزا عظيمة من تاريخها وجانبا أساسيا من جوانب تعددها.وفي هذا السياق لابد من توجيه تحية تقدير للجهود التي تبذلها منظمة اليونسكو سواء على مستوى تحسيس الرأي العام الدولي بدقة هذا الوضع أو على مستوى ما تقدمه من خدمات جلى لصالح المشاريع الأساسية في مجال حماية التراث.على أننا لابد أن نؤكد مرة أخرى على ضرورة اعتماد رؤية ديناميكية بخصوص هذه الحماية قوامها إدماج تراثنا في مشاريع التنمية وليس فقط تحنيطه في إطار رؤية تقديسية للماضي وهو ما يستدعي أيضا ربط جسور قوية بين هذا الموروث الحضاري وبين إبداع الإنسان في الزمن الحاضر لان تراث الغد هو أيضا ما نبتكره اليوم فلا مناص إذن من جعل التراث فضاء مشتركا لحوار الحضارات وحوار الأجيال والأزمنة.حضرات السيدات والسادة..غير خاف عليكم وأنتم من صفوة المختصين وكبار الخبراء والدارسين ومن المسؤولين التقنيين الساهرين على تدبير شؤون التراث في أوطانكم أن عراقة الأمم وتجذرها يعودان لما كان للأسلاف من حضور في مسرح التاريخ وما خلفوه من أثار عمرانية وإبداعات فكرية واختراعات علمية وإنجازات حضارية وإذ لا نشك أبدا في أن جميع أبناء البشر أينما وجدوا قد ساهموا بقسط أو بأخر في إرساء صرح هذه الحضارة الإنسانية وفي تدعيم أسسها فإننا لانشك كذلك في أن نضج الشعوب لا يقاس إلا بمستوى شعورها وحسها بأهمية تراثها وبالعناية التي ألت على نفسها أن تخصصها له حفظا وصيانة وتجديدا.ووعيا من المغرب بهذا الأمر فقد سعى منذ استقلاله إلى سن سياسة نشيطة في مجال الحفاظ على المآثر لم يحذ فيها قط حذو بعض الدول ممن سبقوه في هذا المجال بجلب الفنيين والتقنيين من الخارج دون كبير عناء وانما أثر على نفسه كلما توفرت المهارات أن يتولى أمور صيانة تراثه أولا بنوه من ذوى الخبرة والمعرفة وأن يتم في أو راشه تلقين الصنعة وصقل المواهب وتأهيل السواعد. هكذا كانت البادرة الاولى لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني قدس الله روحه عندما قرر رحمه الله ترميم القصر الملكي بفاس الذي كانت أثار الاهمال والبلى قد أصابته إبان عهد الحماية فجمع ما توفر أنذاك من الصناع والحرفيين وجعل بجانبهم وتحت امرتهم الفي شاب للتعلم والتدرب على فنون البناء التقليدي والزخرفة الاصيلة وبذلك لم ينقذ المغرب معلمة من معالمه التاريخية فحسب وانما أهل كذلك وفي نفس الان مجموعة كبيرة من الصناع الشباب هي تلك التى كان لها أن تساهم في انجاز المعلمتين الخالدتين ضريح جدنا المغفور له جلالة الملك محمد الخامس ومسجد الحسن الثاني اللذين جمعا في عمارتهما ما تفرق في غيرهما من اساليب البناء والزخرفة الاصيلين.ومع هذا لم يغض المغرب الطرف عما لم يكن يمتلكه من تقنيات حديثة ومناهج علمية لا غنى عنها اليوم في معالجة قضايا التراث دراسة وترميما كما لم يغفل التعاون والتعامل مع البلدان الشقيقة والصديقة أخذا وعطاء. هكذا عمدت بلادنا إلى تأهيل أطرها وتكوينها في دروب متعددة من المعرفة المرتبطة بالميدان كالاركيولوجيا والانتروبولوجيا والاثنولوجيا وعلوم الاحاثة وتاريخ الفن والفيزياء والكيمياء المطبقين في التراث وغيره ليتوفر لديها اليوم والحمد لله من هذه الاطر ما يساعد على مواجهة المتطلبات في الاستكشاف والبحث كما في المعالجة والصيانة والترميم.وكلما دعته الضرورة لذلك لم يتأخر المغرب في الاستعانة بالخبرات التقنية العالية المتوفرة لدى غيره كما أنه لم يتردد في الاستجابة لطلبات المساهمة والتعاون الواردة عليه من الدول الشقيقة والصديقة. فكما أن علماء وتقنيين أجانب عملوا ويعملون إلى جانب علمائنا وتقنيينا فان زمرة من خيرة أطرنا ومجموعة من أمهر فنانينا تساهم في انقاذ مأثر من بلدان شقيقة وصديقة بنفس الحماس والاخلاص اللذين يطبعان أعمالهم داخل الوطن.حضرات السيدات والسادة..انه ليسعدنا أن نسجل اهتمامكم المتزايد بقضايا التراث الطبيعي وبقضايا التراث المنقول بعدما كان الاهتمام منصبا خصوصا على الجوانب العمرانية والمعمارية والاثرية فانتم بهذا التوجه تعودون بلجنتكم الموقرة إلى توازن كان لابد منه لان الانسان يعيش في بيئة له معها تفاعلات وفي مجتمعات لاينفصم عنها ما تجمع فيها من عادات ومعنى هذا أن عامل التأثير والتأثير قوي الحضور فيما مر من عصور ولا يجب أن يصل بنا الامر عند مستهل القرن الجديد إلى اغفال هذا الحضور في حياتنا البشرية.ان التراث الطبيعي اضافة إلى كونه مصدرا من مصادر فهم التاريخ الجيولوجي والبيئى لكرتنا الارضية وإلى كونه مختبرا فريدا لشتى علوم الطبيعة فانه يعتبر كذلك عنصر توازن بين الانسان وبيئته وعاملا من عوامل الحفاظ على تنوع الاصناف والاجناس الحية المشكلة للطبيعة ” بيوديفيرسيت ” والتي ان تقلصت أو أصابها نقصان هام فستخل بذلك التوازن وربما توءدي إلى تقليص فرص استمرار الحياة الانسانية على سطح كوكبنا الارضي.أما التراث المنقول فانه لايخفى عليكم وزنه القوي وحضوره الكبير في بعض الدول بل وفي قارات بكاملها كما هو الشأن في قارتنا الافريقية حيث شكل التراث الشفاهي مصدر تثقيف وتأهيل ومنبع توجيه وتأطير هكذا كان لمجتمعات عديدة أن تبني صرح حضاراتها معتمدة عما تتناقله الاجيال بقوة الكلمة وبفعل الموعظة وحسن السلوك وبحكمة السير والحكاية والامثال فساهمت بذلك في اغناء الحضارة الانسانية اغناء لايستهان به مما يحتم علينا ايلاء هذا التراث ورموزه الاولوية من اهتاماتنا لانه مهدد بالانقراض أكثر من غيره ولانه بمثابة ثروة لاتعوض.ولعل المبادرة التي أقدمت عليها اليونسكو بتسجيلها لساحة جامع الفناء بمراكش ضمن قائمة تراث الانسانية – وهي أول مبادرة من نوعها- علاوة على كونها تشرف المغرب فانها تعتبر مبادرة حميدة وجريئة فتحت الباب على مصراعيه تجاه هذا النوع من التراث وسيكون لها ان شاء الله وقع كبير وتأثير واسع اذ ستتبعها لامحالة تسجيلات أخرى تضمن تكثيف جهود المجموعة الدولية من أجل صيانة هذا الصنف الهام من الموروث.حضرات السيدات والسادةبقي لنا أن نشير إلى أن سعيكم وراء جعل قائمة التراث العالمي سجلا متوازنا من حيث تمثيلية الدول والجهات فيه ومن حيث تسجيل المواقع الثقافية والطبيعية على حد سواء سعي مشكور وقصد محمود علينا أن نعي بعده وأن نتصور وقعه ولاشك في أن السنين المقبلة ستشهد تطورات هامة في هذا الباب بفضل تمتين الروابط وترسيخ الوعي وصدق النوايا.حضرات السيدات والسادةاننا لسعيدون بأن يحضر افتتاح أشغال دورتكم هذه السيد كويتشيرو ماتسوورا المدير العام الجديد لليونسكو الذي كان طيلة العام الذي نودعه رئيسا للجنتكم هذه حيث أبان خلال مدة رئاسته عن اطلاع واسع وكفاءة عالية وادراك كبير لشوءون التراث العالمي مما أهله لادارة اللجنة بكثير من الحزم والذكاء فضلا عن الحنكة الديبلوماسية التي توفرت لديه بحكم تكوينه وطول تجربته في هذا الميدان والتي ساعدت ولاشك في تسهيل مأموريته.واننا اذ نحييه ونجدد له التهنئة على الثقة التي فاز بها لدى الدول الاعضاء التي صوتت عليه ليتولى شوءون اليونسكو لواثقون في أنه سيكون خير خلف لخير سلف وانه سيخطو بمنظمتنا خطوات جادة إلى الامام معولا في ذلك على تفهمنا جميعا ومساعدتنا له.واذ نرحب بكم ثانية في ارض المغرب وبين ظهران أهل مراكش الذين نحييهم في هذا المنبر تحية خاصة فاننا نبارك أعمال لجنتكم التي لانشك في أنها ستكون ان شاء الله مثمرة ونافعة والله الموفق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.”

وحرر بالقصر الملكي العامر بالرباط يوم الجمعة 17 شعبان 1420 ه الموافق 26 نونبر 1999م.

جـلالـة الملك يوجه رسالة إلى المشاركين في ندوة “إنعاش المقاولة الصغرى والمتوسطة.. محرك التنمية الاقتصادية”

الرباط : الثلاثاء 30 نونبر 1999

“الحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وأله وصحبهحضرات السيدات والسادةيطيب لنا ان نتوجه إلى المشاركين في هذه الندوة القيمة المخصصة لتدارس موضوع يحظى باهتمام جلالتنا ويندرج في اطار حرصنا على تشجيع كل المبارات الرامية إلى تفعيل التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمملكتنا ولا سيما عن طريق انعاش المقاولة الصغرى والمتوسطة التي تشكل محركا أساسيا لهذه التنمية ضمن محيط عالمي لا يغيب عن بالكم ما يعرفه من ثورة متسارعة الوتيرة في مختلف مجالات المعرفة والعلوم وأصناف المهارات والتكنولوجيات ووسائل المواصلات والتخاطب أدت إلى بروز فضاءات تداخلت فيها وظائف الانتاج والتمويل والتبادل وتهاوت أمام فعاليتها حدود الاقتصاديات الوطنية وتفتقت عنها افاق لا حدود لها لعولمة كاسحة تشمل أسواق البضائع والخدمات والموارد البشرية على السواء مما لم يعد ممكنا بمقتضاه لاي بلد كيفما كان حجمه وامكاناته من خيار سوى التأهل للاستفادة مما تتيحه من فرص التقدم والمناعة والتحصن مما تحمله في طياتها من مخاطر التجاوز والتقزيم.واذا كان هذا النظام الدولي الجديد المفضي إلى ترتيب خارطة موازين القوى في عالم الالفية المقبلة قد تشكل وتمت هيكلته والتحكم في كثير من جوانب مساره من لدن مقاولات لها من حجم الانتاج وقدرات التمويل وهندسية التدبير وأبعاد الخطط والامتدادات ما لا تسعه الجنسية الواحدة او القارة الواحدة فان ما يتبين من الواقع الاقتصادي الملموس وما تعكسه الاحصائيات في البلاد المتقدمة والنامية على السواء هو حقيقة الدور الحيوي والمتصاعد الذي ما فتئت تقوم به المقاولات الصغرى والمتوسطة عندما يقاس وزنها بمقاييس اسهاماتها في انتاج الثروات وخلق فرص الشغل واستعياب التكنولوجيا المتجددة وتحديث مناهج التدبير أسباب الرفاه والازدهار وتقدم العلائق الاجتماعية وتطوير نماذج الثقافات والعقليات.لقد أصبح من الظواهر التي تطبع مسار البنيات الاقتصادية في البلاد المتطورة والتي يتيح منطق تطورها اليوم فرصا لا يستهان بها للبلاد النامية هي كذلك تلكم النزعة المتنامية للمقاولات الكبرى إلى تفويت جزء من أنشطتها لمقاولات صغرى ومتوسطة تساعد على انشائها في محيطها المباشر او البعيد وتبرط علاقات شراكة معها ومع غيرها من وحدات انتاج بضائع او خدمات سعيا وراء عقلنة تدبيرية تضمن توطيد دعائم الانتاجية والرفع من مستوى التنافسية.أيتها السيدات والسادةلقد قيض الله للمملكة المغربية أن كانت سباقة إلى إعتماد اليات إقتصاد السوق وحرية المبادرة في الوقت الذي كان فيه ذلك رهانا صعبا نبذا منها لاغراءات الركون إلى الانكماش والتحفظ وتجنبا لمتهات التذبذب والتردد وتغليبا للتوجه الشجاع نحو الاندماج الواعي في منطق التحولات العالمية بما يتطلب من إصلاحات بنيوية في شتى المجالات ترفع من تنافسية اقتصادنا الوطني وترقى بجاذبيته للاستثمار كيفما كان حجمه ومصدره. ولقد تم هذا الاختيار الواضح في عهد والدنا المشمول برحمة الله ورضوانه بفضل ما كان يتميز به طيب الله ثراه من حكمة وبعد نظر وقدرة على استباق الاحداث والتطورات وما كان الله يلهمه اياه من رشد الرهان على عبقرية شعبه الوفي والثقة في قدرته على مقارعة التحديات.واننا لمصممون العزم على استثمار ما تم انجازه في هذا المسار الارادي مقتفين اثر والدنا المنعم ومستنيرين بنفس الخصال السامية ومهتدين بأقوم التوجهات غايتنا الرقي بشروط أدائنا الوطني إلى المستويات المرجعية المعتمدة في تدبير الاقتصاديات الاوفر ضمانا للتنمية المستديمة والاكثر تيسيرا لفرص الشغل والاجدى تحصينا من مخاطر تفاحش الفوارق بين الطبقات والجهات والاجيال ادراكا من جلالتنا ان مملكتنا قادرة على تعبئة ما تمت مراكمته من طاقات انتاجية وادوات موءسساتية وكفاءات علمية وخبرات فنية وشراكات دولية توءهلها لمواكبة مقاولاتنا في تحديها لما تفرضه عليها المنافسة الخارجية من اختبار مصيري لمستوى قدرتها على الاتقان والجودة وتصديها للمعارك والمباريات واصرارها على السبق والفوز اعتمادا على ما هي خليقة بالتحلي به من روح الابتكار والمبادرة وسرعة التأقلم مع المتغيرات ومرونة التعامل مع المستجدات.على اننا ايتها السيدات والسادة لا نستهين والحالة هذه بما تفرضه على المقاولة ظروف اكتساح الاسواق الدولية وشروط الصمود امام انهيار الحمائيات الجمركية من اكراهات. كما لا يخفى عن بال جلالتنا ما يحف بسبل تأهيل جهازنا الانتاجي من جراء ذلك وبالاخص في قطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة من عقبات وتحديات غير أننا على يقين من ان مسلسل العولمة يفسح أيضا امام مملكتنا مجالات وافاقا واعدة لن تلبث ان تجني ثمارها اذا توفقت في تعبئة طاقاتها وتسخير مقدراتها المادية والبشرية سواء في الادارة والقطاع الخاص او في الموءسسات التشريعية والمهنية والنقابية لمواكبة مسلسل التغيير الضروري بما هو مطلوب من الجميع من اقدام ونكران ذات وتشبث بالقيم الوطنية والثقة بالنفس.واننا في هذا الاطار لننتظر من حكومتنا المضي في الجهد التأهيلي للاطار الموءسساتي لاقتصادنا والحرص على رفع مستوى ادائه العام من خلال الحفاظ على التوازنات الكبرى للاقتصاد الوطني والتخطيط لمسايرة ما تتوخى بلوغه الاقتصاديات التي نحن مقبلون على التعامل معها في اطار التبادل الحر من معايير وموءشرات في برامجها واداء تدبيرها. كما ننتظر منها ان تعمل على تبسيط المساطر الادارية والحد من تشعباتها والقضاء على ما يعتري بعضها من اختلالات لاستئصال ما يشكل بالنسبة للمستثمرين وفي قطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة اكثر من غيره عوائق تثبط ارادات الانجاز والابتكار ومتاعب تثني العزائم عن الاقدام والمبادرة وسنسهر لذات الغاية على ان تتوفر بلادنا في اقرب الاجال على ميثاق وطني يوءسس لاستراتيجية تعاقدية تتحدد على أرضيتها التزامات وحقوق مختلف الشركاء المعنيين بقطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة وتتضح سبل تيسيرهم لتأهيله وتنميته بمراعاة خصوصيات حاجياته وشروط اشتغاله.ايتها السيدات والسادةان بلوغ التنمية المستديمة لقطاع المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمضامين التي نرومها يبقى رهينا بمدى وعي كل الفاعلين الاقتصاديين بحيوية الدور المنوط بهذا القطاع والتزامهم بما يتطلب ذلك من حرص على تكييف مناهج عملهم وصيغ ممارساتهم باتجاه التفاعل والتجاوب والتكامل مع مقتضيات استراتيجية الميثاق الوطني بعد ان يتم التوافق حولها واعتمادها حسب المساطر الدستورية التي تضفي عليها قوة القانون والالزام.ولن يفوتنا في هذا الاطار أن نتوجه إلى الموءسسات التمويلية لنجدد حثنا اياها على المزيد من الاهتمام بهذا القطاع وذلك بالسهر على ملاءمة مناهج تقييمها لجدوى مشاريعه واحداث أجهزة الاستقبال واليات التمويل الكفيلة بتيسير توفره على الموارد الضرورية لاستثماراته وتشغيله عن طريق تعبئة مثلى للقروض الاجنبية المعتمدة له وشحذ أوسع للادخار الوطني لفائدته دونما مساس بطبيعة الحال بمتطلبات الحفاظ على اسباب مناعة نظامنا المالي والمصرفي وصلابة مقومات مصداقيته الوطنية والدولية.ومن نافلة القول أن تقوية نسيج المقاولات الصغرى والمتوسطة في مملكتنا تتوقف على عناية مختلف مستويات الادارة الترابية والجماعات المحلية بهذا القطاع وعلى مدى التزامها الفعلي والمستديم بدعمه وتيسير السبل له الامر الذي يقتضي باعتبار اهمية دورها ان يصبح مستوى مجهودها في هذا المضمار عنصرا وازنا في تقييمنا لمستوى ادائها ومدى استجابتها لما تتوخاه جلالتنا من تحول عميق في نوعية ممارساتها ومنهجية تدبيرها وطبيعة تعاملها.على أننا نود فوق هذا وذاك أن نتوجه إلى المقاولات الصغرى والمتوسطة ذاتها منتظرين منها القيام بالمجهودات الذاتية الضرورية لتنظيم صفوفها والاندماج في شبكات تحالفات متنوعة الاهداف والشركاء حتى تقوم بدورها كاملا فيما نعوله عليها من مهام خلق الثروات ومضاعفة فرص الشغل واشاعة روح الابتكار والمبادرة اعتمادا من جلالتنا على اسهامها النشيط والمثمر في تقدم واستقرار مجتمعنا وتفعيلها لقيمه الاصيلة الداعية إلى الاتقان في العمل والصدق في المعاملات والتضامن المبني في السراء والضراء على العدل والانصاف.ايتها السيدات والسادةاننا نوءمن ان كل مقاربة استراتيجية لتقوية جهازنا الانتاجي وتكثيف نسيجه والرفع من تنافسيته ينبغي ان تكون شاملة. فالتنمية لا يمكن ان تختزل في تقنيات او موارد مالية او توفير اسواق تلقى مسوءوليتها على عاتق الدولة او فاعل بعينه في ميدان الاقتصاد أوالمجتمع. بل هي الرقي بالفعل الانتاجي إلى مهمة الالتزام المسوءول والمتجرد من أجل تشييد استقرار الوطن ومناعته على ارضية النمو الاقتصادي والتضامن الاجتماعي والانسجام الثقافي والروحي وهي بهذا المضمون مسلسل تعبئة تتضافر في اطاره جهود كل القوى الحية في البلاد لتحديث مناخ الانتاج وبلوغ توافق الروءى والمطامح المشروعة لكل الفرقاء على اسس قوامها العمل النزيه على ترجيح مصلحة المقاولة بصفتها الاداة المشتركة لخلق الثروة والتشغيل والحرص الجماعي على الانصاف في توزيع الدخل ومردود الكد والجهد باعتبار ان ذلك وسيلة مثلى للتحفيز على الانتاجية ودعم التعامل الحضاري في مجتمع ينشد السلام والاخوة بين مكوناته ويطمح إلى توفير العيش الكريم لاعضائه في دائرة احترام دولي لشخصيته داخل وخارج حدوده.وفقكم الله واعانكم وجعل السداد حليفكم .والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته”.

Royaume du Maroc :: المملكة المغربية
Royaume du Maroc :: المملكة المغربية

اترك تعليق

2 تعليقات على "خطب ورسائل صاحب الجلالة الملك محمد السادس: صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوجه خطابا إلى الأمة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء"

نبّهني عن
avatar
mhamed
ضيف

ما هي أهم الخدمات التي قدمتها مؤسسة محمد 5 للتضامن في مراكش

mhamed
ضيف

أهم الخدمات التي قدمتها مؤسسة محمد 5 للتضامن في فاس?

‫wpDiscuz