خشب بان كي مون ،من غابة كريستوفر روس/ بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

188848 مشاهدة

في 3فبراير2012 أجرى مركز الإعلام بالأمم المتحدة حوارا مهما مع السيد كريستوفر روس ،الذي عينه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ،في يناير 2009،ممثلا شخصيا له في “الصحراء الغربية”،حسب المصطلح ألأممي ؛والمغربية حسب التاريخ ومخطوطات الشيخ  ماء العينين ودموعه الصوفية؛وحسب دماء شهداء القوات المسلحة الملكية ،المنتصبة للكلام حينما تعجز الدبلوماسية أو تنحاز.

سأقف في هذا الحوار على مناطق الفقر الفكري – أو الدهاء الماكر- لهذا الممثل ألأممي الذي يتعامل مع الصحراء

وكأنها نيزك سقط من السماء، ولا أصول له إلا خارج كوكب الأرض.يغمض  عن عراقة الأصول ليبحث في أطروحات

مصطنعة اصطناعا.

يكفي أن تنتبه الأمم المتحدة،فقط، إلى تواجد مواطنينا الصحراويين في تندوف بالذات  – ولا أراها إلا منتبهة-محتجزين من طرف الجيش الجزائري –بدءا من هزائمه في امغالا1 و2- لكي  تخجل من السكوت عن هذا السجان ؛وهي تعرف أن مفاتيح السجن ،وأقفال السلاسل القروسطية بيده وليس بيد غيره.

لقد ابتدأ غازيا ثم تقهقر منهزما ،محصنا بدروع بشرية مغربية،وبتدخلات عربية ،مكنته من  إقامة حفل “هالوين” تنكري ،صنع فيه قضية وهمية ،يروم من ورائها – وبشرعية دولية – تحقيق أطماع  جيوسياسية عجزت عنها قواته.

ويكفي أن تبعث إلى السجن الكبير بخبراء أنثروبولوجيين وسوسيولوجيين وسيكولوجيين لتقف على أن مفهوم الوطن ،كما يتحدد أكاديميا ودوليا  اليوم،لم يكن أبدا من ثقافة رُحل الصحراء.لقد ظل ولاؤهم خالصا للمرعى مادام يسمن ويغني من جوع ولتراثهم الشفوي الذي يرحل معهم حيثما ساحوا.

وظلوا يعتبرون كل مراعي الصحراء- حيثما تواجدت، واهتزت وربت- مِلكا لهم ،وليس للخرائط السياسية المحروسة .

فهمت فرنسا الاستعمارية هذا جيدا ،كما فهمته اسبانيا ؛لكن يبقى أن أفضل من فهمه، وعاشه كما يجب أن يعاش ، هم ملوك وسلاطين المغرب ،والشعب المغربي قاطبة.

ان البيعة التي  أكدها حتى القضاء الدولي  تتضمن مسكوتا عنه ،من شدة بديهيته:

البيعة التي في  أعناقنا- وهي واجب شرعي- لملوك المغرب سارية المفعول، أنى تواجدنا.أرضنا هي مساحة الخصب ،مهما اتسعت ونأت .

وقفت على الأرشيف الفرنسي وهو يؤكد أن الشيخ ماء العينين كان يستقبل من طرف السلطان في مراكش استقبال الملوك.  يحدث هذا في الوقت الذي لم تكن تنعقد له بالصحراء غير المشيخة. لقد بلغت البيعة هذا الحد من القوة؛رغم أن

جهاد الشيخ بالصحراء كان مستقلا الى حد كبير.  ان الحكم الذاتي مورس في الصحراء قرونا قبل أن يصبح مقترحا للدولة المغربية الحديثة،ولمن يفقه في تاريخها ويؤازرها.

لا يستخلص روس من كل هذا ولو عنصرا واحدا يُضمنه تعريفَه ،حينما طلبه منه محاوره.

يقول :” إن الصحراء الغربية مستعمرة اسبانية قديمة ،مساحتها تقارب مساحة ابريطانيا ؛لكن بساكنة تعد ببضع مئات من الآلاف “

أعرف أن الأميركي هو كل شيء إلا أن يكون كائنا تاريخيا. ألم يدمر الأميركيون العراق بموجب تعريف كتعريف روس هذا؟: العراق بلد صدام حسين، ومن هنا يجب تدميره،ولا يهم ما تقول قوانين حمورابي،وكل الأرواح البابلية والأشورية

وبعد أن يعلق روس تعريفه في شجرة الزقوم، يشرع في التوغل وسط الغابة ،وخلفه بان كي مون مخاتلا مرعوبا من رؤوس الشياطين،يكاد لا يلتفت إلى سواها.  لايرى جداول ولا طيورا ولا غزلان ..

ويقول عن الوضع القانوني للصحراء:” انه موضوع خلافات،حتى قبل انسحاب الاسبانيين (75-76).فرقاء هذا الخلاف هم حاليا المملكة المغربية وجبهة البوليساريو.”

يسكت عن الفرقاء في خلافات ما قبل انسحاب الاسبانيين ،ولا يموضع ساكنة الصحراء ضمنهم،لأن عدم وجود أي مطمح انفصالي قديم  لديهم سيحرجه في كل تصوراته

وبمكر كبير يحصر الفر قاء حاليا في المغرب والبوليساريو؛وكأن الجبهة غزت الجزائر واقتطعت لها حيزا من ترابها إلى حين.

هذا السكوت المغرض عن الجزائر أثمر في التقرير الأخير لمجلس الأمن (29أبريل 2014) ما يلي:

“ان مجلس الأمن يعتبر أنه من اللازم،بالنسبة للمغرب والبوليساريو ،أن يبرهنا عن الواقعية ،وروح التوافق للمضي قدما بمفاوضات أكثر تصميما وأكثر تركيزا على العمق”(الترجمة عن الفرنسية ،وهي غير رسمية)

هذا بعد أن يثني المجلس على انكباب الطرفين على إعداد الجولة الخامسة من المفاوضات.

إن مطلب الواقعية هنا -إضافة إلى قوة التصميم والتركيز على العمق – يجد سنده في المفاوضات السابقة التي عكست تصلب كل طرف في التشبث بطرحه؛ومن هنا  يوجه مجلس الأمن المفاوضات القادمة صوب الواقعية.

نحن هنا إزاء رهان صعب ،حُمِّل ألغاما ناسفة ؛وهو من قبيل:

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له*** إياك إياك أن تبتل بالماء

كيف تتأتى الواقعية ،وكيف يتم الاشتغال على عمق الأشباء ،في ظل لغة خشبية لا تقول ما يجب أن يقال صراحة ،ولا توفر العامل الرئيسي في نجاح أي مقاربة لملف الصحراء:

اعتبار الجزائر –كما هي في الواقع- طرفا في الصراع ؛كحد أدنى على الأقل؛إذ الواقع أن الصراع –كما بدأ وكما تطور- من افتعال الجزائر ؛تحدوها أطماع جيوسياسية مؤسسة على كراهية قديمة للمغرب أصبحت بمثابة رياضة  جزائرية وطنية وطنية .

ووفاء لنفس المنطق التخذيلي يقول في الحوار:

“تواصل هيئة الأمم العمل من أجل الوصول الى حل نهائي،ومن أجل تحسين ظروف عيش الناس الذين أثر عليهم الصراع بكيفية مأساوية.”

مرة أخرى لا حديث عن السجن و السجان ،خصوصا حينما يكون المساجين أهل ترحال دائم في ربوع شاسعة لم يكونوا يسالون أبدا لمن هي ،ما دامت لإبلهم وشائهم ،وللقمر يرعاها وترعاه. وكما كان” أمادو هامباتي با ” حكيم دولة مالي يقول عن قبائل البهل: ” لقد خلقهم الله لأبقارهم”.

ثم يغمطنا روس حقنا كمواطنين مغاربة نضحي بالكثير لتنمية الصحراء ؛بل لاعمارها وإسعادها كما لم تحلم قط.

نَضرب خريجينا المعطلين ،حتى لا ترتدي الصحراوية السعيدة غير مَلْحَف بثمن يوازي راتب موظف في السلم الحادي عشر.  وليزيد الصحراوي أمتارا في عباءته الزرقاء،ولا يركب سوى رباعيات الدفع  في اتجاه ثرواته من فواكه البحر.

لماذا تسكت عن هؤلاء ” المؤلفة جيوبهم”ولا تتحدث سوى عن سجناء النظام الجزائري ؟

قبل البحث في تقرير المصير- أو حتى الحكم الذاتي- جربوا أن تُحِلوا قوة أممية محايدة محل أحزمة الجيش الجزائري،وصنائعه من الصحراويين المتاجرين بالقضية ،وسترون إلى أين سيتجه السيل العرم،حينما يدمر سد مأرب الجزائري.

تجربة بدون كلفة كبيرة، توفر على الأمم المتحدة كل ما هي فيه من تبذير أموال الأمم في حفل هالوين بدم ثقيل.

لنتابع روس في جولته الغابوية باحثا  فقط – على غرار غلغاميش- عن الحيوان المرعب ليخلص منه البلد،دون الالتفات الى ما بالغابة من مباهج طبيعية وأصيلة :

يقول:” إن جبهة البوليساريو ،من جهتها،تؤكد على أن الشعب الصحراوي يجب أن يكون حرا في اختيار تقرير مصيره ؛من خلال استفتاء يتضمن خيار الاستقلال”

يبدو جليا أن نيزك الصحراء ،إذ هوى من العلياء،كان مأهولا بساكنة فضائية ،عليها أن تقرر اليوم أين تقيم.

أما كون الصحراء لن تكن خلاء أبدا ،وكون رصيدها التاريخي يتشكل من قرون من الولاء للدول المغربية المتعاقبة، فهذا غير وارد في ذهن من يخلق وَهْما للمتاجرة به ثم يصدقه ؛ومن يقبل منه هذا الكلام ،بطريقة أميركية أبعد ما في ذهنها- حتى من تاريخ بلادها- عربات وخيول رعاة اليقر ،والملايين من رؤوس البقر الوحشي ،وجماجم الهنود الحمر.

إذن لماذا لا يكون سكان الصحراء بمثل هذا القحط التاريخي؟

ويبلور روس ما ينتظره مجلس الأمن من الفرقاء فيقول:”انه التفاوض حول حل سياسي ،بمساعدة الأمم المتحدة،الدول المجاورة، والمجتمع الدولي ؛بدل التفاعل فقط مع مقترحات بلورها الآخرون”

بدل القول الصريح الذي يجب أن يطالب دول الجوار،وخصوصا الجزائر،بالحياد التام ،لأن تورطها في تأزيم القضية مؤكد بأكثر من دليل،يَلُفُّ كل شيء في لفافة الجوار الذي لا تتصور منه سوى المساعدة على إيجاد الحل المجمع حوله.

حسب هذا القول المغرض لا فرق بين تونس ،ليبيا ،موريتانيا والجزائر  في التعاطي مع الملف.

أما عن الأدوار الأخرى لأجهزة الأمم المتحدة ،في ملف الصحراء فيقول:

“إنها منخرطة ،بكل فعالية ،في عدة جبهات.لقد قدمت مساعدة حيوية لآلاف اللاجئين الذين اضطرتهم المواجهات العسكرية بين المغرب وجبهة البوليساريو ،في السبعينيات ،إلى اللجوء إلى الجزائر.”

هذا الوضع القتالي أهو من خيار المغرب حتى يتم السكوت كلية عن كل الجهود التنموية الضخمة التي فرضها الوضع الكارثي- الانساني والتجهيزي- الذي خلفه الاسبان وراءهم في الصحراء؛كما فرضها التحرش الجزائري المشتت للأسر والمنتج للبؤس.

لماذا لا تدعم أجهزة الأمم المتحدة حتى  تضحيات المغرب المادية في كل الصحراء،منذ 1975؟  لماذا الكيل بمكيالين بالتركيز فقط  على  تلبية حاجيات ساكنة  المخيمات؛والجميع يعلم أن الوطن المغربي لم يطرد أحدا ؟

أيكون من حق إسرائيل –بدعم أميريكي- أن تطالب بتعويضات عن الكلفة الضخمة  لاستقبال يهودها المهجرين ،منذ1948 – وهي المهجرة لهم في الواقع- إضافة الى تعويضهم مباشرة عن أملاكهم في دول التهجير ؛و لا يكون من حق المغرب – على الأقل- أن تؤخذ جهوده في اعمار الصحراء بالحسبان  أثناء أي مقاربة للملف؟

إن الرحلة الغابوية المرعبة، التي فرضها روس على بان كي مون، لم ترسخ في ذهنه سوى وضع حد لجهود المغرب الاستكشافية لأعماق بره وبحره في الصحراء.  ألا يكون من حق المغرب-بناء على رؤى الأمم المتحدة السطحية –إن لم تكن منحازة- أن يمنع أي حديث عن مدنه الصحراوية التي أنشأها من عدم ،وأن يُخرج منها جهاز المينورسو ويدفعه صوب الصحراء الخلاء ليمارس فيها وقف إطلاق النار ،وحتى حماية حقوق الثعالب واليرابيع؛ما دامت حقوق الإنسان

أصبحت مما تصدره مدينة العيون،وغيرها، الى العالم.

يكفي فقط المقارنة بين وضعيتي أميناتو حيدر ومصطفى ولد سلمى ليتضح الوضع الميداني الحقيقي لهذه الحقوق. المرأة تحاضر في الانفصال أينما حلت وارتحلت ،ثم تقفل راجعة الى بلدها المغرب ،آمنة مطمئنة.أما القيادي الصحراوي السابق فيتضور جوعا من أجل رؤية عائلته ،وجواز سفر .  ومن جهة أخرى يحتضن المغرب بوليزاريو الداخل بكل روح رياضية ،ولا تصلنا أصوات الصحراويين الوحويين بالمخيمات الا مهربة عبر اليوتوب،بعد  تهريب تصويرها .

لماذا لا يطلب الأمين العام من الجزائر فتح المخيمات لجميع المغاربة تكسيرا للحواجز النفسية وتحضيرا للمستقبل؟

لماذا يوجه صغار الصحراويين الى كوبا لتدخين سيجار الاشتراكية ولا يوجهون الى مدارس المغرب لتربيتهم ولو على حسن الجوار فقط؟

أيوجد حق إنساني أرقى من التعليم و حفظ الهوية؟ و هل يوجد جرم أكثر من التطويح بالصغار خارج حضارتهم وقارتهم؟

لماذا لا يطرح مجلس الأمن مثل هذه الأسئلة؟ ولماذا ينصرف عن ظلم صارخ، ليبحث في  مظالم وهمية ،في قواميس كان يا ما كان؟

ويبدو روس صادقا ،للمرة الأولى في هذا الحوار،حينما يرسم صورة مأساوية للمستقبل ،إذا تعذر على الطرفين إيجاد حل :” من ضمن المخاطر بالنسبة للفرقاء العودة إلى المواجهات العسكرية،اندلاع الفتن الشعبية ،وانخراط شباب الصحراء المفروض عليه الفقر والبطالة ،في صفوف المجموعات الإرهابية والإجرامية.”

هذا المآل صحيح ،بل أراه آخذا في التشكل من الآن ؛خصوصا وقد فتحت أموال القذافي وأسلحته شهية الشباب الصحراوي الذي لا تحيط به غير غابة متوحشة كغابة روس الذي يقلب النظر في طرق الحل، دون أن يكون من بينها طريق التاريخ ،والخريطة الجينية للملف كاملة .

السيد الأمين العام للأمم المتحدة مدعو – في جولته الغابوية- الى الإعراض عن طلع شجر كرؤوس الشياطين ،وتتبع الجداول الصافية والاستماع الى خرير الماء الزلال، وليس شخير حيوان غلغامش الخرافي.

فقط حينما يصفو التأمل، وتتملى العين في الذات الصحراوية ،بكل تضاريسها وأرواحها ،تدرك أنها هنا منذ الأزل ؛ولم تبحث أبدا عن شيء خارج طبيعتها وأصالتها.

الحلول على طريقة إعداد الهمبرغر الأميركي ، الذي يعشقه روس،  لن تخلق سوى البؤس ؛وحذار من الحديث غدا عن جنوب سودان آخر ترحل إليه الأمم المتحدة  لتطعم الجياع وتداوي الجراح، دون أدنى سلطة على  ميلشيات شاكية السلاح والإرهاب.

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن