حينما أسلم بونباردي باشا، وحكم مصر

59070 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “حينما أسلم بونباردي باشا، وحكم مصر”

قيل بأن هذه المرحلة،من تاريخ الأمة، لا يمكن أن تؤرخ بوعي ، لأن من يحاول أن يؤرخ لها بوعي يفقد الوعي.

ها قد حاولت،و فقدت الوعي ،ولا تثريب علي أن أنوح مع النائحين في مصر،وفي كل أزمنة مصر:

المناحة الأولى:

حينما رآها هيرودوت تستلقي على جنبات النيل ،ضمن غيطان البرسيم والذرة والفول؛حيث تسرح الأبقار،وتطير العصافير، على هواها ؛و حيث تستحم الصبايا في الترعات ،في انتظار فيض جديد،وبالتالي ميلاد جديد ؛لم ير فيها –صادقا-غير بنت النيل ؛هبته التي قهرت الصحراء وأنجبت حضارة  إنسانية من أعرق الحضارات التي سادت ثم بادت.

بادت، رغم أن النيل لا يزال وفيا لمجراه ،دائم الدفق والفيضان.

ما الذي جعلها تكف عن العطاء،وتقنع بسرقة ذهب الفراعنة ،وتحنيط ملوكهم الكبار ,الناظرين إلى الشمس الغاربة، يطاولونها؛وتفضل على الحضارة بيع بُناتها  الملوك والقادة ،لأفواج السياح ؛لتشتري قمحا تخلت عن إنتاجه؟

كتب الفراعنة عن كل شيء ،لكنهم لم يكتبوا عن نهايتهم،ولم يتصورا أنهم سيباعون ،يوما،بيع الأنعام.

المناحة الثانية : بونباردي باشا

في فاتح يوليوز 1798،وصل أسطول نابولين بونابارت ،المكون من أربعمائة قطعة بحرية،الى أبي قير،غرب الإسكندرية. وقد استهل هذا الفاتح الكبير،وفي ركابه خيرة علماء فرنسا،نداءه للمصريين -وقد كانوا موغلين في إسلامهم المملوكي الشديد التخلف-بما يلي:

“بسم الله الرحمن الرحيم، لا اله الا الله وحده ولا شريك له في ملكه… أيها المشايخ والأئمة…قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روما الكبرى وخرّبوا فيها كرسي البابا ،الذي كان دائماً يحّث النصارى على محاربة الإسلام….”ويمضي في تلقين الفقهاء الأدلة على إسلامه،ولا يأبه للشعب المصري ،لأن مستشاريه أخبروه أنهم تبع بلهاء لمشايخهم وفقهائهم؛وأن هؤلاء تبع لبطونهم وأطماعهم.

بهذا طار هدهد نابوليون ليخبر المصريين –من خلال علمائهم ومشايخهم- بأن نابليون وفلكه ،وكل الفرنسيين،اعتنقوا الإسلام. ولتشهد العيون والآذان ،عبر النيل كله ؛وليرتاح عمرو بن العاص ،و كل جنرالات إفريقيا من المسلمين الفاتحين، في قبورهم، تسمى الرجل ب”بونباردي باشا”،بل ولم يتردد في ارتداء الزي الشرقي المصري ،وارتياد المساجد مصليا.

هكذا انتهت كل الحضارة الإسلامية ،التي أسهم فيها الفلاسفة ,الأدباء ،والعلماء ،إلى أيادي فقهاء بلداء وانتهازيين يتسابقون إلى الإفتاء بإسلام “بونباردي باشا”  . هذا الذي استعاد لحظة نبي الله نوح عليه السلام، وهو يوحى إليه “أن اصنع الفلك..”.  هاهو في أبي قير ،جوذي العصر،وفي فلكه من كل زوج ما يسر الناظرين.لم ينس حتى المطبعة ليخلد هذا الفتح العظيم ،ويعلم المصريين كيف يكتبون بعد أن نسوا كلية ورق البردي والحروف الهيروغليفية؛كما نسوا كل

ما أمروا به ،إسلاميا، من إقبال على العلم والفكر.

لماذا تسقط الحضارة الإسلامية ،دائما،في أيدي الفقهاء لتنتهي يبابا؟ لماذا يستسلم العلماء والفلاسفة ،وينسحبون في صمت؛والقرآن الكريم ما خاطب سواهم ،وما خاطب غير العقول النيرة التي تشتهي الحياة الذكية ؛وما في الكون الشاسع غير الذكاء.  لكنه ذكاء لا يبلغه من اختزل الرسالة كلها في فروع سطحية لا يبرحها،موهما أنها الدين كله.

لقد سارت الركبان بقصص “بونباردي باشا”  مع فقهاء المماليك الأغبياء ؛ولم تكن غير المهازل نصيبهم ،لأنهم لم يقرؤوا ابن رشد –أستاذ فلاسفة وعلماء فرنسا-ولا الخوارزمي ولا الإدريسي ،ولم يذكروا المعتزلة والمعري إلا  محوقلين لاعنين.

المناحة الثالثة:مصر أم الدنيا

يقولها المصري،وهو يتجاهل غيرها من الدول العربية،لأنها مجرد”حتة من مصر”، ويزدري سائر مفكريها ومواطنيها؛وعند مفكري المغرب وفلاسفته،الأموات والأحياء، الخبر اليقين عن التجاهل المصري والشرقي عموما.

يقولها وهو لا يكمل :هي أم الدنيا بفضل الفراعنة ،وعلماء الأنوار العرب الذين استوطنوها،وبفضل “بونباردي باشا”.

نحن في المغرب خير من يشهد على أن كل الطرق المعرفية ،كانت تؤدي الى القاهرة ،قبل بيروت.تتلمذنا على أساتذة مصريين ،زمنا؛ورسمنا خرائطنا المعرفية انطلاقا من رؤى أساطين الفكر المصريين:طه حسين ،العقاد ،المازني ،جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ،وغيرهم ..

نسينا القرويين وكل نبوغنا المغربي ،وقصدنا الكنانة ،كما نفعل اليوم إذ ننسى مشاغلنا و نتظاهر من أجل إمارة الإخوان المسلمين في مصر؛ التي ما أن دعي لها على المنابر حتى طعنت في تدبير المغرب للجنة القدس، وبيت مالها.ربما لأن المغاربة ،في نظرهم ، لا يستحقون شرف خدمة القدس الشريف،ولا حتى طلاء منازل حيهم في مدينة السماء هذه.

فعلها الإخوان ،كما فعلها  أعداؤهم الناصريون ،وهم لا يرون في نظامنا الملكي ،غير حجر عثرة في وجه القومية العربية ،وسقطة في الميزان الشعري لمعلقات التحرير التي يعدون بتعليقها في بيت المقدس،ساعة تحريره.

وحتى حينما هب جيشنا،في حرب الرمال، لانتزاع حقوقنا الترابية من إخواننا الألداء ؛كان عليه أن يواجه فيالق مصرية ،بطائرات سوفيتية ؛ومن ضمن الأسرى كان رجل اسمه حسني مبارك.

ولو امتد حكم مرشدهم  –ولا أعرض برئاسة مرسي المشروعة- وساروا  في وجهتهم صوب الخلافة ؛كما يفهمونها ، لكان علينا في المغرب أن نستعيد،من جديد، لحظة المولى إدريس الأكبر ،وهو يواجه كيد العباسيين الذي نال منه في الأخير،وسقاه سما ،رغم تمنعه كنسر في حاضرة زرهون.

ولكان علينا ،مرة أخرى، أن نسمع هارونا آخر، يقول مزريا بأهل المغرب: الدنيا  طائر ذنبه المغرب.

هؤلاء الذين اعتبروا مرسي خليفة راشد يا  خامسا،وقالوا عن الانقلاب عليه بأنه بمثابة انهيار الكعبة ؛ولم توقر دعوات علمائهم وخطبائهم أحدا ؛ وهي تترجى الله تعالى بأن يجمد الدماء في عروق سائر مسلمي مصر، وعلماء الأزهر. هؤلاء لا  يمكن أن يرضوا عن إمارة للمؤمنين ،ارتضاها المغاربة لما فيها من صون لدولتهم من الفتن الدينية والانقسامات الطائفية التي تنخر الشرق.  كانوا سيصطفون مع خصومنا ،ويبحثون عن شيوخ جبل معاصرين، وسائر فرق الحشاشين ،لإرغام هذا الغرب الإسلامي  المتنطع على العودة إلى فراش الطاعة.

نحن ،في المغرب طيبون ،نوثر على أنفسنا ،ولا نعاتب أحدا على عدم نصرتنا ؛حتى حينما داهمتنا طرادات خوسي ماريا أزنار في جزيرة ليلى .لم تنصرنا لا شقيقتنا الجزائر ،ولا صفيتنا أم الدنيا؛وهما الدولتان اللتان كادتنا تتقاتلان من أجل مباراة في كرة القدم.

المناحة الرابعة:اكذب اكذب حتى تصدق

كم كذبت علينا مصر وصدقناها ؛توجناها أميرة للشعر،ونسينا شعراءنا ،وسيدة للطرب العربي،وهوليود العرب ،فأطبقت علينا ،من كل حدب،وعلمتنا لهجتها حتى صرنا ،فيها أمهر من القاهريين .  نقلت الينا هوليود هذه، دولة أخرى غير التي اكتشفناها حينما سقط مبارك ،وشبت الكاميرات عن الطوق.

 توهمنا فيها الأستاذية في الديمقراطية،وفي القضاء ،والحريات العامة ،وتوزيع مياه النيل ومداخيل القناة بالتساوي.

توهمناها دولة الشركات العملاقة، والإدارة الراقية،والجيش الذي بحصن الأمة من الصهاينة.وباختصار صدقنا أنها أم الدنيا .

اليوم هانحن بدون مصر التي بنينا لها صورة زائفة في مخيالنا؛وهاهم أبناء مصر ،أنفسهم ، يبحثون عنها  ولا يجدونها لا عند الفراعنة ،ولا عند عمرو بن العاص ،ولا حتى في أسطول بونباردي باشا.

لماذا نسارع الى البحث عنها في  إمارة رابعة العدوية ،ونحن نعرف أن أول رسالة وجهتها هذه الإمارة لإسرائيل كادت أن تتحول إلى رسالة عشق من مراهق..؟ لماذا ،وأكثر من شاهد يشهد أن رسائل الإخوان إلى الإدارة الأمريكية تجاوزت –في الانبطاح- رسائل مبارك الذي هللنا لسقوطه ،و قرب استعادة ثروة الغاز من إسرائيل ؟  تقولون مصالح إستراتيجية؛حتى مبارك كان يقول بهذا..

لماذا لم ننهض في وجه المرشد ،وهو يختطف الرئيس الشرعي ،محمد مرسي،كمقدمة لاختطاف دولة مصر ،لتأسيس  وهم الخلافة الراشدية الخامسة؟  ما فعله السيسي هو عينه ما فعله المرشد بديع.مواجهة اختطاف مؤكد بأكثر من دليل ،باختطاف موثق،مدعوم داخليا وخارجيا.

لماذا نسارع في شوارع الرباط ،وغير الرباط،الى الوقوف في وجه مد شعبي مصري كاسح،يبحث عن دولته التي سرقت منه .  نحن معه حيثما وجدها ،ولا يحق لنا أن نسابقه و ننوب عنه في اختياراته ؛وإلا كان علينا أن نقبل أن يتدخل كل من هب ودب في قضايانا المصيرية.

لماذا الاصطفاف مع الإخوان ، من طرف إسلاميي المغرب ،بكيفية توحي بأنها معركة واحدة؟اليوم في مصر ، وغدا في تونس ،و بعده في المغرب وتتواصل الحكاية.

نحن منخرطون جميعا في قضايا مصر والأمة العربية ؛بحثا عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ،وإسقاط كل أشكال الاستبداد؛فلماذا يقزم هذا الانخراط،ويختزل ،ويقاد فقط إلى ميدان رابعة ،فاتيكان الإخوان؟

لماذا لا نسائل أنفسنا عن السر وراء انفراد أشتون باللقاء بمرسي ،دون سائر زعامات الأمة؟ لماذا أغلقت مصر ،بسرعة،كل أبوابها في وجوههم؟  لماذا تسارع ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا الى إدانة الطريقة التي قوضت بها إمارة رابعة، المستقلة عن الدولة ؛بل الحاملة للأسلحة في وجهها؟

إن الشأن المصري لم يعد حتى مصريا كما كان؛فكيف يصبح مغربيا،تفتي فيه شوارع مدننا؟

إن اللعبة دولية و معقدة ،وكل الإشارات التي بعثت لنا ، وكل الصدمات التي يفترض ان نتعلم منها ،لم تعد تفيد في شيء.

لقد تجاوزنا الركب ،وتفككت في أذهاننا،وفي واقعنا، كل المقومات التي توهمنا أنها تقيم الدول والحضارات.

كل ما يحدث لنا يؤكد أن جهازنا ألمفاهيمي لم يعد صالحا لفهم العصر؛ولم يبق لنا إلا أن نعيشه منهزمين ،مكتفين بانتصارات صوتية نرددها في خطبنا وشعاراتنا ،وننتظر ،كما انتظر أسلافنا المهدي المخلص.

لقد تعاقدت معكم على الهذيان فاقبلوه مني.

حينما أسلم بونباردي باشا، وحكم مصر
حينما أسلم بونباردي باشا، وحكم مصر

Ramdane3@gmail.com

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

1 تعليق على "حينما أسلم بونباردي باشا، وحكم مصر"

نبّهني عن
avatar
lecteur
ضيف
Loin d’être du délire, maître, c’est de l’analyse juste, mesurée. Article documenté, discours agencé, style élégant, conclusion percutante. Le monde arabe sombre dans les abîmes de la décadence et nul ne sait de quoi demain sera fait. Quelle place pour cette contrée, portée à vivre sur les chimères d’un passé qu’elle se figure glorieux? Quel monde globalisé nous fera une place dans le concert des nations? C’est tous les jours des larmes et du sang qui coulent à flot. Allez ensuite demander justice à qui ne nous comprend même pas… On est hors du temps, hors de la sphère de… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz