حوار مع أمي…/ عبد الحق الريكي

30483 مشاهدة

عبد الحق الريكي/ وجدة البوابة: وجدة في 11 مارس 2013، إني في عقدي الخامس… متزوج ولدي أطفال وعمل ومسؤوليات… منذ نعومة أظافري وأنا ثائر… مما أدى بي إلى “الزواج” بالسياسة والانخراط فيها منذ التحاقي بالثانوي… أكثر من أربعين سنة وأنا والسياسة لانفترق… عرفت دروبها وأزقتها ومدنها… هبوطا وطلوعا… نجاحا ونكسة… ضحكا وبكاء… طوال كل هذه الفترة وأمي كل مرة تطالبني بطلاقها والابتعاد عنها لأن مساوئ السياسة أكثر من محاسنها… عندما كنت في الثانوي… عندما التحقت بالجامعة… عندما التحقت بالعمل… عندما تزوجت… حين أنجبت… وأنا أشارف على تقاعدي ومازالت أمي تلح علي أن أطلق السياسة الملعونة… قلت لها يوما أن السياسة جزء من حياتي وأنني لا أتصور ذاتي من دونها وأنني حاولت مرارا طلاقها، لكن عشقها وحبها كانا أكبر من إرادتي…فابتسمت ابتسامة الفاهمة ما بدواخلي… كيف لا وهي أمي… وهي تحدثني، إذ بدماغي يشتغل في تلك الثواني بسرعة الضوء… قلت مع نفسي من أين ابتليت بوسواس السياسة وكيف بدأت الحكاية… وإذا بي أسرح في حوار مع أمي في زمن بعيد وأنا ما زلت طفلا صغيرا… حوار ما بين الحقيقة والخيال سنة 1964…

الطفل: أمي، متى رأيت النور وكيف كانت أحوالكم وكيف احتفلتم بمجيئي إلى هذه الدنيا؟

الأم: رأيت النور يا ولدي في شهر ماي من سنة 1958 بقرية أجدير بإقليم الحسيمة، وكانت السنة الفلاحية جيدة والخير موجود، لذا كان الاحتفال بك مناسبا… وهل تريد ان تعرف كيف تم تسميتك بعبدالحق؟

الطفل: نعم أمي، أرجوك…

الأم: اسم عبدالحق لم يكن متداولا في الريف وفي أجدير بالضبط، لكن مع استقلال المغرب وتغيير إدارة المستعمر بعناصر من المغاربة، كان يوجد بمكتب القيادة بأجدير مواطن مغربي أتى من الدارالبيضاء ليقوم بمهام إدارية وكان يعامل أهالي البلدة معاملة حسنة وطيبة فقرر والدك أن يسميك باسمه تيمنا به، هكذا كان… (ألهذا السبب تعجبني الدارالبيضاء وأهاليها وفرقتها الكروية الخضراء؟؟؟)

الطفل: أمي، كنت أظن أن ازديادي كان في مدينة تطوان… لأنني لا أتذكر شيئا عن أجدير… فتحت عيني وبدأت أعي محيطي… وكان تطوان… لماذا أمي؟

الأم: آه يا ولدي… إنك بسؤالك تعيد الجراح والذكريات الأليمة والفراق مع الأحباب والأرض؟

الطفل: كيف ذلك يا أمي، بالله عليك احكي لي، إنك حيرتني بكلماتك وخاصة بشرود نظراتك وحزن وجهك…؟؟؟

أمي أرجوك… الأم: بعد ازديادك في أجدير بأشهر قليلة رحلت كل العائلة إلى تطوان…

الطفل: وما العيب في ذلك يا أمي إن كنا رحلنا من قرية صغيرة إلى عاصمة الشمال، مدينة تطوان، الحمامة البيضاء…

الأم: لا تتسرع أبدا في التعقيب وتعلم أن تنصت أولا…

الطفل: نعم أمي… احكي… الأم: لم نغادر قرية أجدير باختيارنا، بل مرغمين، لأن أحداثا كبرى كانت ستقع في تلك الشهور لم يكن يعرف أحدا مصيرها وتأثيرها على السكان والمدنيين…

الطفل: مثل ماذا أمي… لقد حيرتني… افصح عن ما بداخلك…

الأم: كان رجال كثر من قبيلة بني ورياغل قد قرروا الصعود للجبال باسلحتهم والاستعداد لمعارك قادمة…

الطفل: ضد من والمستعمر خرج من البلاد؟؟

الأم: يصعب علي أن أشرح لك في سنك ما وقع في ذلك التاريخ وأنا أيضا لست متيقنة أنني مستوعبة تماما ما وقع… لكن المهم أن رجال الريف صعدوا للجبال للدفاع عن حقهم…

الطفل: ومن دفعهم إلى ذلك؟

الأم: يقال أنهم يكملون مشوار المجاهدين وأن عبدالكريم يتتبع عن كثب ما يفعلون…

الطفل: من هو عبدالكريم، أحد أفراد العائلة…

الأم: نعم ولا، آه يا ولدي… لقد أوقعتني في ورطة… لم أتحدث عن هذا الموضوع لسنين ولا أحد من إخوتك الكبار حاورني مثل ما تفعل…

الطفل: أمي، بالله عليك من يكون هذا العبدالكريم؟؟؟

الأم: إنه… (وبصوت خافت رغم أن لا أحد كان معنا في البيت) الزعيم والمجاهد عبدالكريم الخطابي، هو أيضا من أجدير، كافح ضد المستعمر الإسباني وكان جدك الحاج محمد أفقير المكنى عند الإسبان بإنريكي (من هناك جاء اسم الريكي) أحد الذين جاهدوا معه… ويحكي أبوك أن عبدالكريم تحدث عن جدك في حوار مع علال الفاسي… قبل أن يفترقا…

الطفل: وهل صعد عبدالكريم مع الرجال إلى الجبل؟؟

الأم: لا يا ولدي… عبدالكريم موجود في القاهرة، بلاد بعيدة عن المغرب، هي توجد في طريق الحجاج المغاربة إلى مكة…

الطفل: ولماذا لم يدخل إلى المغرب؟؟

الأم: يا ولدي إنك تطرح أسئلة عديدة وصعبة، لا تتحدث في الشارع وفي المدرسة عن هذه الأمور…

الطفل: لماذا أمي؟؟؟

الأم: لأنه يمكن أن تحدث لنا مشاكل ومصاعب وأنت تعرف أن والدك يحرم علينا الحديث في السياسة…

الطفل: السياسة؟ من هي السياسة؟ هل هي من العائلة؟ الأرجع أنها من عائلة الخطابي ما دام أبي يرفض أن نتحدث عنها…

الأم: بدأ رأسي يؤلمني بأسئلتك… هيا، اذهب لتلعب مع أقرانك في الشارع…

الطفل: لا أمي… أرجوك… كملي حديثك، لماذا لم يدخل عبدالكريم إلى وطنه بين أهله؟

الأم: يقال أنه ليس متفق على أشياء كثيرة… آه يا ولدي… إنني سيدة تشتغل في البيت… لم أتلقى تعليما… الحقيقة أنني لا أعلم الكثير…

الطفل: وماذا وقع للرجال الذين صعدوا بأسلحتهم للجبال؟؟

الأم: لا يا ولدي، انتهى الحديث، لا أريد فتح جراح لم تندمل بعد… أرجوك اذهب والعب مع أصدقائك في الشارع… حين ستصير كبيرا ابحث بنفسك عن ما وقع سنة 1958 في الريف…

الطفل: سأبحث يا أمي، سأبحث… كانت ثواني معدودة وأنا بجوار أمي سنة 2013، نتحدث وهذا الشريط من الحوار يمر كرمشة عين في ذهني… كِدْتُ أن اقول لها، أمي أنت التي أمدتني بحقنة السياسة ووساوس السياسة وجعلتني منذ ذلك اليوم وأنا أبحث عن أجوبة لكل المفردات والمصطلحات التي بقيت عالقة في ذهني: سنة 1958… صعود الرجال بأسلحتهم إلى الجبال… عبدالكريم… السياسة…… والذي الذي يمنعها في المنزل… تطوان…أمي التي لم تقرأ… المجاهدون… الاستعمار… الاستقلال… علال الفاسي… عبدالحق البيضاوي… افتراق عبدالكريم وعلال… جدي…لا تتسرع وتعلم الإنصات… الصوت الخافت… أجدير… الجراح… كدت أن أقول لها ما يخالجي بصدري، لكن لم أفعل، قبلت رأسها ويدها وطلبت منها أن تدعو لي ولغيري بالخير والسلامة… أحن إليك أمي وأحن إلى خبزك كما قال الشاعر… هذه الخاطرة في حق كل الأمهات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة 8 مارس 2013.

هذه الخاطرة في حق الأمير المجاهد محمد بن عبدالكريم الخطابي في الذكرى الخمسين لوفاته ودفنه بالقاهرة.  

حوار مع أمي.../ عبد الحق الريكي
حوار مع أمي…/ عبد الحق الريكي

عبدالحق الريكي الرباط، 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz