حكومة حائض

82918 مشاهدة

وجدة: نور الدين زاوش/ وجدة البوابة: حينما أسمع لمسؤولين غربيين وأجانب، وهم يتحدثون عن المغرب وخيراته، وصفاء شمسه وجمال طبيعته، وعن تاريخه وإستراتيجية موقعه، وعظمة استقراره وحِكْمة مَلِكه، أشعر أن عين حاسد أصابتنا حيث لم تصبنا عينٌ مثلها من قبل، حتى ابتلانا الله تعالى بهذه الحكومة الغراء، التي ينسينا آخرُ كوارثها في أولها، فلا نكاد نخرج من أزمة إلا لنستقبل أزمة أشد، ولا تكاد أقدامنا تنجو من وحل، إلا لتُغرس في وحل أعمق.

كلما أفقتُ في الصباح، اتجهتُ إلى السماء، رافعا أكف الضراعة إلا الله راجيا إياه، بأنني لا أسأله رد القضاء الذي سيقرره السيد بنكيران ضد الشعب ذلك اليوم، ولكنني أسأله اللطف فيه، وفي الوقت ذاته، ترفع التماسيح أنيابها، والعفاريت أذيالها، بأن يطيل الله في عمر رئيس حكومتها، حتى تتكاثر في سلام، وتتناسل في وئام، بعدما وعد بنكيران الشعب من قبل، أنه سيجعلها تنقرض من الحياة.

لقد ألِفْنا قفشات السيد بنكيران، وألفنا عفويته وعصبيته وارتجاليته، ولم تعد غرابة قراراته، وندرة مواقفه وتصريحاته تستنفر أحاسيسنا، أو تستفز مشاعرنا، أو تجعل الدم يغلي في عروقنا مثل أول يوم، فقد تعودنا عليها يوما بعد يوم، وتطبعنا معها فعادت جزءا ثمينا من حياتنا اليومية، لا هي تنوي أن تفارقنا، ولا نحن نقوى على ذلك.

لقد صار الغد بالنسبة لنا مستقبلا مظلما، وشبحا مرعبا، من خوفنا أن نفقد رجلا ألمعيا، أمتعنا دوما بمسرحياته المرتجلة، ومواقفه المبهجة والمثيرة، فإلى ما سيؤول مصيرنا بعدما تزول هذه الحكومة الغراء، ويزول معها السيد بنكيران المبدع؟ من سيجعلنا نضحك كالصبيان، ونتسامر في المقاهي بالحديث عن نوادره التي لا تخطر على بال، ولا يتخيلها جنان؟ من سيكسر الروتين الذي نعيشه كل يوم، وينثر على جراحنا بلسم النكت والأفراح؟ صحيح أنه هو من يتسبب في أغلب جراحاتنا، لكن إقناعه لنا بأنها ليست جراحا، تجعلنا نشعر وكأنها قطعة من العسل.

الكثيرون يتساءلون عن الأسباب التي جعلت هذه الحكومة لا تنجب، لحد الآن، نسختها الثانية، والكثيرون يستغربون تأخر هذه الولادة التي طال انتظارها، والقلة القليلة من يعرفون يقينا أن عِلّة ما أصابت ساعتها البيولوجية، فجعلتها حائضا على الدوام، والحائض لا تلد.

إن ارتباك هذه الساعة البيولوجية هو ما جعل هذه الحكومة بدون أدنى شعور بقيمة الوقت، أو أدنى إحساس بالمسؤولية المترتبة عنه، لهذا تُراها تخبط خبط عشواء، هل تزيد ساعة، أم تنقصها، أم تتراجع عنها في آخر لحظة؟ الشيء الذي أربك الكثير من الإدارات العمومية، وأثر سلبا على سيرها العادي.

لقد فطن السيد بنكيران مبكرا كعادته، إلى أن التلاعب بالساعة قد يساهم في ضرب التوازن الكامن في شخصية الإنسان، وقد يؤثر سلبا على استقراره النفسي والعقلي، من أجل هذا اعترف في البرلمان، بأنه لا يزيد في ساعته اليدوية، بل يزيد فقط أثناء قراءته لتوقيت الساعة، وهي خطة عبقرية ومذهلة، شبيهة بطريقة قراءة الحاسوب للمعطيات، حيث يلجأ إلى تشفيرها وتخزينها بما يلائم طبيعة تركيبته واشتغاله، ثم يسترجعها للمستعمل على طبيعتها الأولى.

إننا لسنا بصدد إنسان عادي يفكر مثلما نفكر، ويقرأ المعطيات والمستجدات السياسية مثلما نقرأ، بل نحن بصدد امرئ يرى ما لا نرى، العفاريت نموذجا، ويحلل على غير النحو الذي نحلل، فمن الطبيعي أن ينتهي إلى ما لا نتوقع، فيصيب ونخطأ، ويهتدي حيث نضل.

لقد قال السيد بنكيران في المهرجان الخطابي بفاس في جمهور مناضليه، بأن حزب العدالة والتنمية في أفئدة الجماهير، وهو كلام في غاية الصراحة والدقة، يعترف فيه بأنه لا يُعَوّل على أدائه الحكومي الضعيف، أو إلى حصيلته السياسية الفارغة من كل إنجاز، بقدر ما يُعَول على العاطفة الجياشة للشعب اتجاهه، والذي قد يؤنبه أو يعاتبه أو حتى يثور عليه، لكنه في الوقت الحاسم والحازم سينحاز حتما إليه، لأنه يحبه ويعشقه، وعين المحب عن كل عيب كليلة، في حين أن عين السخط تبدي المساوئَ.

حينما سئل السيد بنكيران عن النسخة الثانية من الحكومة أجاب بأنها في جيبه، وأخشى ما أخشاه، أن يكون الشعب أيضا في جيبه، لأن هذا سيجعلنا بصدد ديكتاتوريات لم يشهد التاريخ السياسي المغربي مثيلا لها من قبل، وسيجعلنا أمام قرارات أكثر “شجاعة”، وأكثر “حكمة” من ذي قبل، وسَينْظُم فيها السيد بنكيران، من دون شك، قصائد غزل تُعلق على قبة البرلمان، وستحفظها الأجيال القادمة تحت عنوان: “معلقات بنكيران”.

نورالدين زاوش

حكومة حائض
حكومة حائض

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz