حكومة الخريف المغربي

245454 مشاهدة

بقلم خديجة الحمري/ وجدة ابوابة: وجدة في 16 نونبر 2013، “حكومة الخريف المغربي”

شكل تعيين النسخة الثانية من حكومة عبد الإله بنكيران، مادة دسمة أسالت الكثير من الحبر ولازالت تثير جدلا مستفيضا، ففي الوقت الذي انتظرنا فيه أن يتم فيه تغليب مصلحة الوطن بدل المصالح السياسية الضيقة الشخصية لأحزاب كرتونية ما عاد يهمها إلا المناصب الوزارية، كاللجوء مثلا إلى حكومة إنقاذ وطني، نفاجأ بحكومة تتكون من خليط عجيب يجمع كل المتناقضات.

لنرجع قليلا إلى الوراء، و بالضبط إلى فترة الحرب الباردة بين الإله بنكيران والأمين العام لحزب الاستقلال احد مكونات الأغلبية الحكومية في نسختها الأولى، منطقيا، شباط لم يطلب أكثر من حقه، عبر عن امتعاضه من طريقة تعامل رئيس الحكومة مع باقي مكونات الأغلبية، طلب من بنكيران أن يمارس دوره كرئيس حكومة، يتشاور و ينسق بين مكونات الأغلبية الحكومية بدل أن يظل حبيس شرنقته كأمين عام حزب العدالة و التنمية في إطار إعمال المقاربة التشاركية عوض الانفراد في اتخاذ القرارات الحكومية،عارض اللجوء إلى الحلول السهلة كالاقتطاع من أجور المضربين _ مع العلم أنه لا يوجد قانون تنظيمي لحق الاضطراب _ و الزيادات المتتالية التي أرهقت كاهل المواطن البسيط والقطيعة مع سياسة الحكومات السابقة وبالتراجع عن التزامات سابقة كعدم تنفيذ محضر 20 يوليوز، انتقد العمل المرتبك و البطيء للحكومة و عدم وجود خطة عمل و إستراتيجية واضحة لمعالجة العديد من الإشكالات كمعضلة صندوق المقاصة و صندوق التقاعد ..إلخ.

سد بنكيران باب الحوار و صك آذانه كما عود الجميع، و باءت جميع محاولات شباط بالفشل فأمهل رئيس الحكومة مهلة معقولة لإيجاد الحل و الخروج من هذا الوضع المتأزم بأقل الأضرار لكن بنكيران تجاهل كل ما يحصل و كأنه غير معني بالموضوع و لم يبن عن حنكة و بعد نظر و نضج سياسي في إدارة الأزمات فنفذ حزب الاستقلال وعيده و انسحب من الحكومة و بذلك فقد بنكيران أغلبيته و وجد نفسه أمام حكومة أقلية بمعنى حكومة لتصريف الأعمال عاجزة.

و الآن و بعد شهور من إهدار الزمن السياسي و الانتظارية القاتلة، دق بنكيران آخر مسمار في نعش حكومة ما بعد الربيع العربي و التي حملت في أحشاءها على ما يبدو جنينا ميتا فحفر قبره بيده و وأد ما سمي بالمشروع الإسلامي الحداثي.

فشل هذه المرة أيضا في إدارة المفاوضات مع مزوار أمين حزب الأحرار فقدم القرابين و وفروض الطاعة لحزب كان فقط بالأمس القريب العدو اللذوذ. ״حنا ولاد اليوم״ هي تخريجته البنكيرانية في مثل هذه المواقف المحرجة ما يهم هو الاستمرار بأي ثمن و مهما كلف الأمر.

منطق المحاباة و ترضية الخواطر، نتج عنه كائن أخطبوطي مشوه بتسعة و ثلاثين وزيرا و وزيرا ففصلت وزارات على المقاس و الوزن «المهم كلشي يبقى على خاطرو». أين نحن من كلام رئيس الحكومة بعد الانتخابات، ووعده للمغاربة أن لا تتجاوز حكومته 21 وزيرا أم أن منطق عفا الله عما سلف هو الوصفة السحرية التي يلجأ لها كلما نكث وعده و تراجع عن التزام من الالتزامات التي قطعها على نفسه!.

منذ تعيين حكومة بن كيران في نسختها الأولىر والدستور يخرق و لحد الآن يستمر خرقه، بتشكيل حكومة بن كيران الثانية يوم 10 أكتوبر2013 فحسب مقتضيات دستور 2011 لا يجوز أن تضم الحكومة وزيرا بدون حقيبة أو وزراء منتدبين(الفصل 87 الذي ينص على انه: تتألف الحكومة من رئيس الحكومة و الوزراء، و يمكن أن تضم كتابا للدولة) أو وزراء غير منتمين لأحزاب سياسية مما يشكل مسا خطيرا بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الدستور.

الغريب في الأمر، أن حزب العدالة و التنمية الذي فاز في أول انتخابات تشريعية بعد “الربيع المغربي” إن صح هذا التعبير، خسر الكثير عند تحالفه مع الأحرار، بل أكثر مما كان سيخسر بكثير لو تفاوض مع حزب الاستقلال. لكن عناد أمين حزب العدالة و التنمية و عدم نضجه السياسي، جعله يغامر بكل ما تبقى لديه فقط كي يثبت لنفسه قبل أن يثبت لخصومه أنه لم يخسر اللعبة، لكن الواقع هو الذي يثبت العكس.

بن كيران بين الأمس و اليوم كالفرق بين السماء والأرض، ففي الماضي أيام كان يصدح بصوته في قبة البرلمان نادى بالإصلاح و تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة و محاربة الفساد و المتحكمين وحشد العدة و العتاد للقضاء عليهم، لكنه اليوم فهم الدرس و حفظه عن ظهر قلب، فقبل بشروط اللعبة كما هي دون مقاومة تذكر.

اكتسح “التيكنوقراط” المشهد السياسي الحاليٍ، فرفع بن كيران عدد حقائبهم من خمسة إلى ثمانية فباتوا يسيطرون على القطاعات التي تمثل أكثر من ثلثي الميزانية. كما حصل عراب مجموعة الثمانية على ثمانية حقائب و استحوذ على أهم القطاعات الإستراتيجية بما فيها القطب المالي و آلت وزارة الداخلية إلى ما يعرف بوزارات السيادة، مما يشكل انتكاسة للديمقراطية التي حلمنا بها و العودة بنا إلى ما قبل الحراك الشعبي ما يجعلنا أمام حكومة خريف مغربي بامتياز.

إن خرق الدستور يطال حتى الغرفة الثانية، التي تعيش وضعية غير طبيعية. فمجلس المستشارين، انتخب بناء على دستور 1996 الذي يحدد مدة انتخاب أعضاء مجلس المستشارين في تسع سنوات، ويجدد ثلثه كل ثلاث سنوات، ما يضع ثلث هذا المجلس في وضع غير قانوني بالإضافة إلى إهدار المال العام فمجلس المستشارين الحالي يتكون من 270 مستشارا في حين لا ينص دستور 2011 إلا على 90 أو 120 مستشارا (الفصل63 ).

في ظل هذه المهزلة، يبدو أن تنزيل مقتضيات الدستور و إخراج القوانين التنظيمية إلى الوجود لا يوجد ضمن أولويات هذه الحكومة، فتصفية الحسابات السياسية الضيقة و تبني لخطاب شعبوي عقيم، يجعلنا في حملة انتخابية دائمة بدل العمل و فتح الأوراش الاقتصادية و الرقي بالعمل الحزبي و خدمة الصالح العام.

مع الأسف، لا نجد على ارض الواقع غير حكومة غير منسجمة لا في تركيبتها و لا في قراراتها فبعدما تمرد حزب الاستقلال في النسخة الأولى خرج هذه المرة نبيل بنعبد الله و لأول مرة عن صمته حيث تبرأ من قانون المالية و أكد أنهم لم يناقشوه داخل الأغلبية و أنهم ليسوا في ثكنة عسكرية نفس الأمر بالنسبة للحليف الجديد و الذي يبدو أن حمامه الزاجل بدأ يغرد خارج السرب.

في الأخير، أقول لوزير العدل الذي خرج مؤخرا بتصريح غريب، قال فيه أن الدولة لن تسمح باستمرار التوظيف المباشر لأنه يعتبر في نظره جريمة! أقول لك احترم موقعك و منصبك كوزير للعدل و احتفظ برأيك الشخصي لنفسك و إذا كنت تتحدث عن الكفاءة و احترام القانون و استقلالية القضاء فلتراجع الدستور و تمعن جيدا في مقتضياته، فأنت بتصريحك هذا تحاول أن تؤثر على القضاء في ضرب صارخ لمبدأ فصل السلط و استقلالية السلطة القضائية حسب الفصل 109 الذي «يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات و لا يخضع لأي ضغط. يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية». 

حكومة الخريف المغربي
حكومة الخريف المغربي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz