حقيقة الهوية المغربية

39955 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة –
موضوع الهوية يختزله البعض اختزالا مخلا بدلالته . فالمعروف عن الهوية اللفظ المشتق من الضمير ” هو ” الدال على الشخص المفرد المذكر الغائب أنها حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية. وعندما ننسب الهوية جغرافيا أو ننعتها بنعت كقولنا الهوية المغربية فالمقصود بالضرورة هو حقيقة الإنسان المغربي المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية. ولا يمكن أن نحصر هويته في صفة واحدة أو في بضع صفات مع إغفال أو تعطيل صفات أخرى. فالذين يتحدثون عن الصفة اللغوية للإنسان المغربي، ويعتبرونها هوية هم أبعد ما يكونون عن تحديد الهوية بدقة ،لأنهم يحاولون تغليب الصفة اللغوية للإنسان المغربي على باقي صفاته التي تتضافر كلها من أجل تحقيق هويته .والهوية المغربية لها صفات منها ما هو لغوي ، ومنها ما هو عرقي ، ومنها ما هو ثقافي ومنها ما هو جغرافي ، ومنها ما هو تاريخي ، ومنها ما هو ديني وعقدي …. وهذه الصفات تتعدد وتتنوع وتتسع وتضيق داخل المجتمع المغربي . والصفة الجغرافية للهوية المغربية حددها الجغرافيون منذ أقدم العصور ذلك أن لفظ المغرب كدلالة جغرافية لا يعني مجرد اللفظ المقابل للمشرق ، لأن لكل بقعة في العالم مشرقا ومغربا، وإنما هو الحيز الجغرافي الذي يحده من الغرب البحر المحيط أو البحر الأخضر أو بحر الظلمات ، أو بحر أوقيانوس أو بحر البلاية ، ومن الشرق الصحراء الكبرى التي يقطعها نهر النيل ، ومن الشمال البحر الرومي ، ومن الجنوب الصحراء الكبرى . وهذا هو المغرب الكبير دون صفة عربية أو غير عربية . وأما الحيز الجغرافي الأصغر والمعروف بالمغرب الأقصى فهو ما بين نهر ملوية شرقا ونهر السنغال جنوبا ، وما بين بحر الروم شمالا ، وبحر الظلمات غربا وهو المعروف بجبال ” درن ” وجبال ” تازي ” هذه هي الصفة الجغرافية لدى علماء الجغرافيا القدامى للهوية المغربية التي تتسع فتصير مغربا كبيرا، وتضيق فتصير مغربا أقصى . أما الصفة اللغوية للهوية المغربية فتتميز بالتنوع بين ما هو أمازيغي ، وما هو عربي عدا لغات الأقليات الوافدة والمستوطنة من يهود ونصارى. والصفة اللغوية للهوية المغربية لها قصة طريفة ،ذلك أن كل هوية كانت تستهدف الهوية المغربية في صفتها اللغوية عبر التاريخ كانت تواجه المناعة، لهذا لم تثبت في المغرب اللغات التي كان طابعها استعماريا في القديم وفي الحديث . وحصل أن تكلم المغاربة عبر التاريخ لغة من احتك بهم شريكا تجاريا أو غازيا بهدف الغزو دون أن تكون صفة من الصفات المحددة لهويتهم كما كان الحال مع الفنيقيين والوندال والرومان إلا أن قصتهم مع العربية مختلفة لأن الفتوحات الإسلامية لم تكن غزوا شبيها بالغزو الروماني أو الوندالي ، ولم تكن شراكة تجارية كما هو حال الفنيقيين بل كانت فتوحات دينية من أجل تبليغ رسالة سماوية عالمية الانتساب دون أن تكون حبيسة الصفة اللغوية لأن ميزة العالمية لا تتحقق إلا بانتفاء الصفات اللغوية والعرقية . ولا يوجد ما يسمى غزوا عربيا في تاريخ المغرب لأن العرب لم يكونوا عبر تاريخهم الطويل أمة غازية على غرار غزو الرومان أو الفرس على سبيل المثال . ولم يتحرك العرب صوب المغرب بغرض الغزو الاقتصادي أو السياسي بل كان تحركهم من أجل تبليغ دعوة بنفس الطريقة التي بلغت في أقطار العالم الأخرى. ومن المغالطة أن تقارن الفتوحات الإسلامية في المغرب بحركات الغزو الروماني أو الوندالي أو غير ذلك . ولو كانت الفتوحات الإسلامية مجرد غزو لما دام وجود الإسلام في المغرب ، ولما تبنى المغاربة الأمازيغ هذا الدين ذي البعد الإنساني الذي لا يقف عند حد الصفات اللغوية أو العرقية أو الجنسية ما دام شعاره هو قول الله عز وجل ” (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) فأمام هذا الشعار تتحطم الصفات اللغوية والعرقية لبني البشر . وأكثر من ذلك يعتبر هذا الدين تنوع الصفة اللغوية في البشر آية من آيات الخالق سبحانه وتعالى مصداقا لقوله تعالى : (( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم )) فبموجب هذا النص القرآني تعتبر الصفة اللغوية وصفة اللون أو الجنس تنوعا بشريا طبيعيا لا يجوز إخضاعه للتفاضل لأن التنوع يقتضي التكامل ولا يقبل التفاضل . والمغاربة وبعد المرة الثانية عشرة من الردة تأكدوا من طبيعة الصفة الإنسانية للدين الإسلامي فاحتضنوه وتبنوه لأنه اعترف بحقهم في اختلاف لغتهم عن لغة غيرهم بما في ذلك لغة القرآن. ولا يمكن بحال من الأحوال اعتبار القرآن الكريم المنزل باللسان العربي إقصاء للغات كما يزعم ويدعي البعض إذ لا تستقيم قناعة القرآن بتنوع الألسنة والألوان ، وفي نفس الوقت يكون استئصاليا وإقصائيا على مستوى اللغة . ولا يمكن القول بأن اللغة العربية هي مجرد لغة طقوسية أو لغة دينية في المغرب ، بل هي لغة التعامل اليومي كباقي اللغات فضلا عن كونها لغة العبادة والتي لا تصح إلا بها ، وهذه مشيئة وإرادة إلهية لا يمكن أن تناقش ، ولا يمكن أن تكون موضوع إثارة حساسية لغوية . واللغة العربية وسيلة تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة ، وكان بالإمكان لو شاء الله عز وجل لكانت لغة أخرى هي لغة التبليغ ، لهذا لا مبرر لمناقشة لغة التبليغ في دين الإسلام ، واعتماد ذلك ذريعة لاختلاق مظالم ضد اللغات الأخرى . والنص القرآني المبلغ باللغة العربية أصلا لا يعني أن دلالة القرآن عربية بل هي دلالة إنسانية ، والدليل على ذلك أنها تبلغ من النص الأصلي العربي إلى الناس كافة بألسنتهم المختلفة التي أقر القرآن الكريم اختلافها ، ولم ينكره . فدعوة القرآن الكريم إلى توحيد الله عز وجل بالعربية لا تختلف عن دعوته إلى نفس التوحيد باللغات الأخرى ، لهذا لا يوجد إيمان أو كفر أو خير أو شر…. إلى غير ذلك عربي وآخر غير عربي و بلغة أخرى . ولا يمكن أيضا مزايدة لغة على لغة ضمن الهوية المغربية لا باعتبار التاريخ ولا باعتبار الدين . فأما الدين الإسلامي فقد حسم أمره عندما اعتبر اختلاف الألسنة والألوان من آيات الله عز وجل ،لهذا فلا يجب أن يعتمد التاريخ ذريعة لمزايدة الأمازيغية على العربية كما أنه لا يجب اعتماد الدين الإسلامي لمزايدة العربية على الأمازيغية . فالهوية المغربية تتضمن الصفة اللغوية العربية والأمازيغية والحسانية والعبرية ، وهي صفة تعدد وتنوع على غرار صفة اللون والجنس حيث يوجد المغربي الأسود والأبيض والأشقر باعتيار التنوع والتعدد العرقي ، كما يوجد المغربي العربي والأمازيغي والحساني والعبري باعتبار التنوع والتعدد اللغوي ، كما يوجد المغربي بثقافات متعددة ومتنوعة تختلف باختلاف الجهات الجغرافيا . والصفة الأقل تعددا في الهوية المغربية هي صفة التدين إذ يدين بدين الإسلام معظم المغاربة مقابل أقلية تدين باليهودية ، ولا وجود لغير هاتين الديانتين ضمن الهوية المغربية عكس ما يريد البعض سواء من خلال موقف طرح العلمانية بديلا عن الإسلام ، أو من خلال موقف الدعاية للتنصير. وليس من قبيل الصدفة أن يمنع المغرب التنصير الذي تسوق له جمعيات التنصير المندسة تحت عباءات الجمعيات الإنسانية والثقافية والبيئية والفنية …. ولقد عرف المغرب استعمارا نصرانيا إسبانيا في شماله وصحرائه وفرنسيا ما بين الشمال والصحراء ولم يتنصر المغاربة كما أنهم لم يتنصروا من قبل وإنما احتضنوا اليهود باسم سماحة الإسلام لا غير. والصفة الدينية في الهوية المغربية محسومة وغير قابلة للنقاش من خلال اعتبار الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للبلاد. والصفة الدينية يدقق فيها المغاربة بشكل جيد من خلال اختيار عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهي العقيدة الأكثر انتشارا في العالم الإسلامي ، ومن خلال اختيار الفقه المالكي باعتبار الإمام مالك فقيه مهد الإسلام المدينة المنورة ، ونبعه الصافي. ولا مبرر لدعوات نشر عقائد أخرى ، أوفقه آخر ولعل دسترة الفتوى الدينية هي قطع الطريق عن كل الدعوات المتطرفة الناشطة بين بعض فئات الشعب المغربي بحكم الاحتكاك السلبي مع العقائد السائدة في المشرق أو مع العقائد المتسربة والوافدة عبر بوابة الغرب الأوروبي. ولا تختلف المزايدة العقدية التي تمارسها بعض الجماعات الدينية على المزايدة اللغوية التي تمارسها بعض الفئات المتعصبة للصفة اللغوية في الهوية المغربية ، وهي مزايدة لا مبرر لها أمام إجماع الأمة المغربية على وحدة عقيدة أهل السنة والجماعة والمذهب المالكي ، وأمام إقرار الأمة بالتنوع والتعدد اللغوي . أما باقي الصفات المتضمنة في الهوية المغربية من تاريخ وثقافة فلا تطرح الإشكال الذي تطرحه صفة اللغة وصفة الدين لأن تاريخ المغرب فيه تنوع الممالك المتعاقبة على حكمه بين أمازيغية وعربية في ظل دين الإسلام ، وفيه أيضا تنوع الثقافة التي لا زال موجودا وشاهدا. وأخيرا على الذين يتناولون موضوع الهوية المغربية ألا يسقطوا من حساباتهم الصفات الجوهرية لهذه الهوية ، وألا يغلبوا صفة على أخرى بدافع التعصب ، وألا يكونوا كجماعة العميان التي تعرف الفيل انطلاقا مما تلمسه من أعضائه وتزعم أن الفيل هو ما بلغته حاسة لمسها فقط حتى لو كان مجرد ناب أو خرطوم أو ذيل أو قائمة بمعزل عن جسم الفيل الذي هو أكبر من مجرد أجزاء مبتورة . فالهوية المغربية فيل كامل الخلق لا تدرك إلا من خلال مجموع صفاتها الجوهرية . ولا بد للهوية المغربية من “الهوهو” وهو الاتحاد مع الذات عوض الانفصام الناتج عن التعصب لهذه الصفة أو تلك من صفات الهوية.

حقيقة الهوية المغربية
حقيقة الهوية المغربية

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz