حركة التنظير والانتظار

10741 مشاهدة

محمد السباعي – وجدة البوابة : وجدة 15 يناير 2012، توجد في المغرب شريحة كبيرة من المواطنين العازفين عن المشاركة الفعلية في العمل السياسي أو الجمعوي، اليائسين من كل تغيير، و الحالمين بمغرب الكرامة والحرية و الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي…. ناسين أو متناسين أن “الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”… لم يحركوا ساكنا طيلة المعركة الانتخابية، و اكتفوا بالتفرج والترقب و كثرة اللغط في المقاهي و المنتديات….. و كانت الصدمة الأولى بالنسبة لهم عندما أعلنت النتائج دون تزييف ولا تزوير و تم تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز. حينها بدأ تيار اللغط يشكك في قدرة “العدالة والتنمية” على إدارة المرحلة ويروج لمقولة نقص الخبرة والحنكة السياسية. فلما نجح رئيس الحكومة وكان التنصيب الرسمي، رأينا بعض المقاطعين يتحدثون بصيغة الجمع: “هل أخذنا وزارة العدل فعلا؟ هل سنتحكم في ميزانية الدولة و نحدّ من هذر المال العام؟ “…. و في المقابل ظل بعض “المتكلمين” يحتجون بقوة على أنصار المشاركة والتفاعل وبالخصوص أعضاء “العدالة والتنمية”: لماذا تخليتم عن وزارة التربية الوطنية؟ كيف ستغيرون وقد أخذوا منكم وزارة المالية؟ هل تستطيعون مواجهة محيط القصر و مناورات الهمة؟ ناسين أو متناسين أن ميزان القوة في عملية التدافع مرتبط بانخراط جميع المواطنين و أن العزوف وعدم القيام بالواجب الوطني يوم 25 نونبر له تأثير مباشر على عملية المفاوضات أثناء تشكيل الحكومة. وقد يرتبك أنصار المشاركة والتفاعل و يدب في نفوسهم اليأس والقنوط بعدما أحسوا أن شيئا ما بدأ يتململ في المشهد السياسي المغربي.

والحقيقة أن من قاطع الانتخابات ودعا إلى مقاطعتها لا يحق له أخلاقيا أن يفرض شروطه على حكومة هو يظن أصلا أنها مجرد لعبة أو كراكيز لتأثيث الديمقراطية المغربية “المزيفة” في نظره. بعض هؤلاء “المتكلمين” له الجرأة في طرح بدائل راديكالية ويهمس في أذنك أن الحل هو الثورة و إسقاط النظام. لكن حين تبادره بالسؤال: ثم ماذا؟ النظام الجمهوري؟ العسكر؟ الدماء في الشوارع؟ حينها : يتردد قليلا ثم يعترف:  الحقيقة أننا ننعم بالأمن والاستقرار وبهامش معتبر من الحرية و التعددية. أما البعض الآخر من حركة التنظير والانتظار، فيكتفون باجترار مقولات من قبيل: هذا النظام فاسد و المخزن لن يترك لكم أي هامش للتغيير، لن تنجحوا في تنفيذ مشاريعكم و تجسيد شعاراتكم،….ومنهم من يتحول بقدرة قادر إلى خبير استراتيجي  ومحلل سياسي ثم يستعرض جملة من السيناريوهات المتشائمة و المفضية كلها إلى الفشل والعودة الحتمية إلى نقطة الصفر. أما شريحة أخرى من “المتتبعين”، فكان كل تركيزها بعد 25 نونبر على جزئيات و شكليات من قبيل “ربطة العنق” و قفطان “لطيفة”، و الوزيرة الوحيدة، و صلاة الاستسقاء وسط الدراويش… و غيرها.

إن السلبية و الانتظارية و الترقب مع كثرة التعليقات هي ظاهرة متفشية لدى عدد من المواطنين هي في الأصل ناتجة عن المنظومة التربوية التي لا تزكي في الفرد روح الإيجابية والمبادرة والانخراط في مشروع الإصلاح المجتمعي. فكلما كان الشخص مشغولا بعمل ما، حاملا لرسالة كبرى أو مشروع طموح، كلما قل عنده الكلام والنقد المجاني للآخرين. فأنصار حزب الكلام لن يملوا من اللغط: فإذا ركب الوزير الجديد سيارة فاخرة ، فهو مثل سلفه ولم يغير شيئا، وإذا ركب سيارته و تناول “البيصارة”، فهو شعبوي ولا يعطي هيبة لمقامه كوزير. وإذا نجحت الحكومة في حل مشكل البطالة ورفع نسبة النمو، فهي تطيل عمر نظام فاسد، وإذا فشلت لا قدر الله، فهي تؤكد مقولة أصحابنا في أن الحل هو المقاطعة والعزوف !!!

حركة التنظير والانتظار
حركة التنظير والانتظار

إن المغرب اليوم في أمس الحاجة إلى كل أبنائه، إلى العمل الجاد والمفيد، إلى الكلام المسؤول إذا كان قوة اقتراحية وليس مجرد قوة كلامية. ذلك أن الحكومة الحالية هي حكومة كل المغاربة و نجاحها رهين بانخراط كل مواطن في النضال والكف عن الثرثرة و القيل والقال.

محمد السباعي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz