حرب اللغة ( الجزء الأول )/ وجدة البوابة: أحمد أولاليت

146024 مشاهدة

الإنسان كائن رامز يعيش بعدين : البعد الواقعي الذي يعيشه اجتماعيا و اقتصاديا و سياسيا … و بعده الرمزي الذي يرمز إليه بالكتابة و الرسم و الأسطورة و القصة…

و من بين التعاريف التي يحد ( يعرف ) بها الإنسان أنه كائن لغوي لأن اللغة قدرة خاصة بالنوع البشري على التعبير عن الفكر و التواصل بواسطة أنساق متعددة من العلامات و بخاصة منها العلامات اللسانية أو الصوتية . فإلى جانب كون هذه القدرة استعداد فطري و طبيعي لدى الإنسان من النواحي الوراثية العصبية و الرمزية و التقنية الجسدية فهي لا تتحقق إلا على شكل مؤسسة اجتماعية توجد على صورة نظام من العلامات و الرموز و بخاصة اللسانية .

هذه اللغة التي تميزه عن غيره من الكائنات تتطور بتطور واقع صاحبها ومداومته على تداولها و استعمالها … و تموت بموت من لا يستطيع تطوير واقعه و جعلها مرنة و قابلة للتداول و التطور و التكيف مع الواقع المعيش .

و بالعودة إلى التاريخ نجد أن الفراعنة في ما بين ( 3300 – 3200 ق م ) أول من اهتدى إلى كتابة تعبيرية كانوا يسمونها ( ميدوا نتر وا ) و معناها باليونانية ( هيروغليفية ) المؤخوذة من كلمتين ( هيروس – غلوفوس ) التي تعني ( النقش المقدس أو الكتابة المقدسة ) لأنهم كانوا ينقشونها على المعابد و المقابر… فكانت كتابة تصويرية تعتمد الصور و الرسوم المستمدة من الحياة اليومية للمصريين القدامى ليرمزوا إلى كل حرف بالصوت الأول من اسم كائن ممن اشتهر عندهم : فالفم يسمونه ( را ) و العين ( يري ) و العرش ( ست) و البيت ينطق ( بر ) و الثعبان ( فاي ) فيؤخذ منها الحرف الأول ليكون رسم الفم (را ) ورسم الثعبان (ف ) ورسم البومة ( م ) و الأرنب ( ون ) ….

و كانت كباقي لغات الشرق تكتب من اليمين إلى اليسار … فانطلقوا من ثمانية و عشرين( 28 ) حرفا لتستقر ( الهيروغليفية ) في النهاية في خمسمائة حرف (أي رسم ) ….و مع دخول الإحتلال اليوناني زمن الإسكندر المقدوني ثم الإحتلال الروماني بدأت هذه اللغة في الإنقراض و قد عمل الرومان الى تهجير الكثير من الأوروبيين الى مصر ( الأقباط ) مما ضرب في العمق اللغة الفرعونية و الكتابة الهيروغليفية و التشكيلة السكانية لمصر …

و مع الفتح الإسلامي ازداد تهميش هذه اللغة إلى أن جاءت زيارة الخليفة العباسي المامون ( ابن هارون الرشيد ) لمصر فأمر بتدوينها …. و كان أيوب بن مسلمة ( و هو ممن رافق الخليفة من بغداد الى مصر ) ممن تمكن من قراءة النقوش التي كانت على جدران المعابد … و يروى أن جابر بن حيان و غيره من علماء الكيمياء اهتموا بها من أجل معرفة كيفية تحويل المعادن العادية إلى معادن نفيسة …

و يروى أن ذو النون المصري كان يتكلم اللغة الفرعونية جزئيا …. و لكن المثير في هذا الموضوع أن كتاب ( شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام ) لأبي بكر أحمد بن علي المعروف بابن وحشية النبطي المتوفى سنة296 هجرية الموافق 909 للميلاد هو أول من دون هذه اللغة ( و قد أنهى كتابته يوم الخميس ثالث رمضان من سنة 241 للهجرة ) و قد نسخ هذا الكتاب المتميز في اسطمبول سنة 1172 الموافق لسنة 1759 للميلاد …

ثم ظهر بعد زمان عندما نشره السوري خالد الطباع سنة 2003 بدار الفكر دمشق …. و لكن المعروف أن الذي فك رموزها هو المفكرالفرنسي جون فرانسوا شامبوليون ( سنة 1822) أيام حملة نابليون على مصر بعدما عثر الفرنسيون على ما يعرف بحجر مدينة الرشيد (1799 م ) الذي كان عبارة عن رسالة من رجال الدين المصريين الى الملك بطليموس ( 196 ق م )و كان مكتوبا بثلاثة أشكال : الكتابة اللاتينية والكتابة الهيروغليفية و الكتابة اللاتينية المنطوقة هيروغليفيا ( و هذا الموضوع فيه كثير من المغالطات التي صنعها الفرنسيون و ليس موضوعنا هنا ) .

فلم تنتشر لغة الفراعنة خارج مصر القديمة لأن همهم انصب على ما هو داخلي كتوحيد مصر العليا و مصر السفلى ورد الغزاة من الجيران و بناء البلاد….

و لما بنى السومريون حضارتهم جنوب العراق ( ما بين القرن 25 و القرن 23 قبل الميلاد ) عرفت الكتابة طفرة ثانية حيث كان السومريون يعجنون الطين و يشكلون ألواحا( قطعا ) يكتبون عليها بالمسامير ثم يطهونها في الفرن لتصير وثيقة مكتوبة … فساعدت الكهان و كتبة القصر على إحكام سيطرتهم و نفوذهم , حيث أصبح بإمكانهم تدوين سجلات حسابات مخازنهم بكفاءة و تنظيم قوائم أسمائهم و أراضي و ممتلكات الناس و الضرائب … و الكتابة أعطت قوة للملك الذي يبعث بأموامره و قراراته إلى عماله و مرؤوسيه … و أدت الكتابة إلى فائدة أخرى … و هي تدوين الأساطير و القصص .

و جاء الفينيقيون ( فلسطين و لبنان و غرب سورية حاليا ) و حققوا القفزة الكبرى و أنجزوا أول أبجدية في التاريخ . و بما أنهم كانوا شعبا تاجرا فقد نشروا إنجازهم إلى كل مناطق البحر المتوسط ( العالم القديم ) و وصلوا بتجارتهم حتى الجزر البريطانية … فقد استحدثوا كتابتهم مستفيدين من موقعهم بين مصر و العراق ( الكتابة الهيروغليفية بمصر و الكتابة المسمارية بالعراق ) فيما بين 1200 و 500 قبل الميلاد و كانت الأبجدية الفينيقية تتكون من اثنين و عشرين ( 22) حرفا و كان ترتيبها كالعربية و الآرامية و العبرية ( أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ) و كانت تكتب من اليمين إلى اليسار

وجدة البوابة: أولاليت أحمد 23 يناير 2015

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz