العدد :2521 – 06/11/2014
قبل بضعة أيام، افتتح الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، واحدا من أبهى وأجمل وأكبر قصور العالم.. إنه قصر بني على مساحة تقارب 200 ألف متر، وبه أزيد من 1100 غرفة، وتكلفته الإجمالية فاقت 350 مليون أورو (400 مليار سنتيم).

إردوغان ينتمي إلى بلد لم يعش يوما بدون سلاطين، وعندما انتهى زمن الخلفاء العثمانيين المسلمين، جاء دور خليفة عثماني، لكنه علماني، اسمه مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان يختلف عن الخلفاء العثمانيين في مرجعيته الإيديولوجية، أما العمق فبقي واحدا.

اليوم، يعيد إردوغان التاريخ ويملأ الدنيا جدلا بعد افتتاح قصر أنقرة، الذي سيضاهي قصور إسطنبول؛ وكثيرون قالوا إن القصر هو قصر إردوغان، بينما هو، في الحقيقة، قصر الأتراك، لأن كل القصور والمساجد العملاقة الموجودة في تركيا، اليوم، بناها خلفاء مشاهير، ذهبوا وبقيت قصورهم تجلب للبلاد ملايير الدولارات كل عام من عائدات السياحة.

في تركيا، توجد أشهر المعالم السياحية الكبرى بأسماء الخلفاء والسلاطين الذين شيدوها، لكن السلاطين ذهبوا وبقيت قصورهم؛ هكذا، إذن، سيكون «قصر إردوغان» واحدا من المعالم التركية الكبرى التي ستجلب ملايين السياح الجدد، والتي ستظل، زمنا طويلا، تشبه «البزْبوز» الذي يسيل مالا، إلى درجة أن نساء كثيرات من مختلف بلدان العالم العربي يتوجهن إلى إسطنبول كما يتوجهن إلى الحج، وهدفهن ليس الطواف بالكعبة ونيل الأجر والثواب، بل فقط الطواف بإسطنبول والتقاط صور في نفس الأمكنة التي صور فيها مُهنّد مسلسلاته، ومصاريف تلك الزيارات «كتطيح» عليهن بـ»غسيل الفندق»، لكنهن يعُدن سعيدات إلى أوطانهن وفي حوزتهن تلك الصور وكأنهن عدن بماء زمزم.

 في تركيا، نشب جدال كبير بعد الانتهاء من بناء القصر، لكن الجدال سياسي مائة في المائة، لأن الأتراك جميعهم يعرفون أن القصر الذي كلفهم 400 مليار سيدر عليهم آلاف الملايير مستقبلا.

المغاربة كانت لهم تجربة مماثلة أو مشابهة في ما مضى. ويبدو أنهم سبقوا إردوغان بوقت طويل، لكن في الاتجاه المعاكس.

ففي سنة 1987، بدأ المغاربة في بناء ثاني أكبر مسجد في العالم وأكبر مسجد في إفريقيا، والمسجد اسمه مسجد الحسن الثاني، وقد كلف وقتها مئات الملايين من الدولارات، رغم أنه لا توجد أية أرقام رسمية حول تكاليف المسجد، وهذه تقاليد مغربية خالصة، أي أن المسجد الذي موّله الشعب من جيبه، لا أحد يعرف كم كلف فعلا.

تشييد مسجد الحسن الثاني تطلب أزيد من ست سنوات من الأشغال، والذي بناه ليس المغاربة، بل الفرنسيون، وفي الوقت الذي كانت فيه المقاولات الفرنسية تحصد الملايير في صفقة المسجد، كانت الصحافة الفرنسية «تنزل» على المغرب يوميا بمقالات لاذعة تنتقد فيها هذه «الفكرة العبقرية» لبناء مسجد بمئات الملايير، دون أخذ في الاعتبار فقر البلاد وحوائج الناس الذين يحتاجون إلى مدارس ومستشفيات وحدائق وطرق سيارة أكثر مما يحتاجون إلى مسجد عملاق على الماء.

في تركيا، لم تنفع الانتقادات الموجهة إلى إردوغان بعد أن بنى قصرا فرعونيا بثلاثمائة وخمسين مليون أورو.. أولا، لأنه كشف عن المبلغ المخصص لذلك؛ وثانيا، لأن المقاولات التركية والمهندسين الأتراك هم الذين بنوه، أي أنه صناعة تركية خالصة؛ وثالثا، لأن إردوغان حقق لبلاده نسبة نمو اقتصادي مذهلة وجعلها من بين البلدان الخمسة عشر الأكثر قوة في العالم؛ ورابعا، لأنه سياسي نظيف اليد ولم تنفع كل محاولات تلطيخ سمعته؛ وخامسا، لأن الرجل أمضى من قبل 10 سنوات في قيادة بلدية إسطنبول وحولها من مدينة كارثية إلى مدينه يحلم نصف العالم بزيارتها؛ وسادسا، لأنه أراد خلق توازن بين إسطنبول وبين العاصمة أنقرة، حتى تأخذ كل مدينة حقها من الإبهار والازدهار.

وعندما نعود إلى أسباب بناء مسجد الحسن الثاني نقف عند «أولا» ولا نعرف كيف نعثر على «ثانيا»، لأن الإيمان الحقيقي ليس في بناء المساجد العملاقة، بل في بناء الإنسان العملاق، العملاق بإيمانه بالله وبإيمانه بالقيم الإنسانية النبيلة وبإيمانه بالقيمة الكبيرة للعمل والتضحية وبإيمانه بمبدإ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».. عموما، الإيمان هو القوة، القوة الاقتصادية والدينية والإنسانية.

الميزانية التي صُرفت لبناء مسجد الحسن الثاني لاتزال غير مكشوفة رسميا، والمغاربة نسوها أو تناسوها رغم أنهم يأسفون على حال هذا المسجد الذي لا يتذكره الناس إلا عندما يحل رمضان ويعود إليه الشيخ القزابري وعشرات الآلاف من المصلين، وبعد ذلك تتحول ساحة المسجد إلى مكان للقاء العشاق وتبادل القبلات المختلسة.

 

 بنى إردوغان قصره الفرعوني ووقف وسطه يتخيل نفسه سلطانا آخر من خلفاء الإمبراطورية وخلفه الخدم يهتفون: حضرة السلطان مولاي إردوغان المعظم، لكن ذلك حدث بعدما صارت تركيا في عهده قوة اقتصادية عظمى؛ وبنينا مسجدنا العملاق على الماء في الدار البيضاء بينما لاتزال أغلب مدننا وقرانا تغرق في الماء عند أول زخة مطر.