“حذر” المغربي بأزياء مدنية / بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

316209 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “حذر” المغربي بأزياء مدنية

الفيل إذ يطالب بفيلة :

مهما اختلفنا في تفسير ما يحصل في محيطنا العربي من اقتتال دولتي،”ربيعي” “جهادي”،طائفي  ودولي؛فلن نختلف في كون ما يحدث يحدث في خريطة سِمتها الغالبة الاستبداد السياسي.وقد تشرنق الى حد بلوغه مراتب القضاء والقدر.

بل حتى الشعوب وَهنَتْ ولم تعد تتصور وجودا خارج جزر الاستبداد وصخوره؛ولم تعد ترى في ديمقراطية الآخر ،العقلاني الحداثي والمتحضر، سوى كونها مَيْعَة  وفوضى ،منذرتين باندحاره وزوال صولته ودولته.

استبداد  قبلي ،عشائري وطائفي ،وقع على مثيله في الفقه فطابق الحافِرُ الحافِرَ.وإذ وقع على الثروة المجانية ، صار كأنه السفينة، استوت على الجودي؛ لا يحيط بها غير الطوفان.لا أمان للشعوب  العربية خارج الاستبداد.

وهو أيضا استبداد بَعْثي قومي أثقل الوطء حتى سوى المواطن بأديم الأرض، وداس عليه بكل صلف ورعونة ،رغم كل أدبيات البعث المُغرية.

وما دام هذا هكذا –أو يكاد- فان الحل لن يأتي في ركاب الحلف الدولي ،ولو مستعيدا غارات الطير الأبابيل ،التي أقلعت من حيث لا ندري – رغم جاهلية الزمن وقتها،وجنينية النبي عليه الصلاة والسلام- لتخلص الكعبة من الفيل الإرهابي.

لكل زمن فيله،وها نحن اليوم بفيلنا البغدادي  الذي يطالبنا بفيلة ،تستلذ نكاح الجهاد.

لا حل جذريا خارج هدم خيام العشيرة وإعلاء بنايات البرلمان ؛حيث تتساوى أصوات المواطنين في تدبير أمور الدولة والثروة ،وحتى الدعوة. لم يعد أمام هذا الشرق ،سواء المدمر أو المرشح للتدمير،و الذي يكاد يسيخ في الأرض، إلا أن يهجر صوب الديمقراطية ،بربيع أو بدونه.طبعا يتطلب هذا عقدا اجتماعيا جديدا يقطع مع كل أشكال الريع السياسي والديني التي لم تترك حجرا فوق حجر.

يجب ألا نُبَسِّط مأساة الشرق العربي اليوم ،ونختزلها في “داعش “،وقبلها القاعدة وفروعها ؛إذ هما نتيجة تراكمات وليستا سببا .حتى القضاء النهائي عليهما –وهو مستحيل- دون تدمير المصنع المنتج ،لن يُشرع بابا للسلم والأمن إلا بكيفية مؤقتة؛ريثما يتدبر المصنع إنتاج نسخ أخرى أكثر شراسة وتطورا.انه مصنع الاستبداد الذي لا ينتج غير فكر الدمار الشامل .

في المغرب لا تستغرب:

عبارة تكاد تكون تجريحية,أبدعها الشرق المتزمت والمستبد ،ليغمز بها قناة المغرب ،وهو يأخذ بكل أسباب الحداثة والديمقراطية؛وهما يقعان على مرمى حجر منه. وقد وصل الأمر ،أخيرا، إلى الأزهر الشريف ليراجع معنا بعض علمائه

المبتدأ والخبر في صومنا وأعيادنا. ولم يفت بعض  سكارى الفن الرديء أن يبحثوا  حتى في يهوديتنا،ربما لطردنا من جامعة الدول العربية .

اليوم ،إذ ننعم باستثناء بنيناه منذ قرون ،ولَوَّنا به كل دُولنا المتعاقبة،حقت هذه العبارة وصحت.وبها ونِعْمَتْ كما كان يقول العالم والمفتي  المالكي  المرحوم عبد الكريم الداودي.

 

في المغرب لا تستغرب :

وحدة المذهب الفقهي والمنحى العقدي والصوفي. اللاطائفية . الموت السياسي للقبيلة والعشيرة .التحجيم الايجابي للقرويين رغم كونها أعتق من الأزهر.انتظام العلماء في مجالس على نهج واحد.هيكلة الحقل الديني.اشتغاله داخليا وإفريقيا.

وفي المغرب لا تستغرب أن يكون،في نفس الوقت، دولة مدنية، وإمارة للمؤمنين كلهم ،من مسلمين وغيرهم.

ولا تستغرب أن تشتغل هذه الإمارة دون شرطة دينية ،تفتش في مُهَج المواطنين وتلا فيف أدمغتهم عن منكر أو معروف.

ولا تستغرب أن ترى – خلافا للشرق المستبد- الحرية في كل شيء:في المكتوب ،المقروء،الملبس ،المطعم،المشرب…

في المغرب يغني الناس ما يشاؤون وكيف يشاؤون ،ويرقصون ويراقصون على هواهم.

 من بين أغلب الشعوب العربية يمتاز المغاربة بكونهم ،حينما يسيحون في الأرض لا يفعلون ذلك  طلبا لهامش من  الحرية يمارسون فيه حياتهم كما يهوون.هم أحرار في وطنهم، وسياحتهم سياحة حقيقية.

وفي المغرب يعارض الجميعُ الجميعَ، لأن الإجماع حاصل،ضمنيا، على أن ما تحقق ليس هو كل ما يجب أن يتحقق. المغاربة هكذا منذ ابتعدوا عن نصوص الفقه، الشرقية، المنغلقة والدوغماتية،وأدركوا أن البحر وراءهم والعدو أمامهم ؛وليس لهم إلا الصدق والصبر فكرا ومجالدة.

وفي المغرب لا تستغرب أن تستمع الى الملك ،وهو يعارض بدوره ،بكل موضوعية ؛ممارسا مواطنته،كما يمارس ملكه.

وفي المغرب لا تستغرب أن يُفَعل الملك برنامج “حذر” ،ثم يركب سيارته ،بدون حذر،ليتجول في شوارع الدار البيضاء وغيرها ،ممتثلا لشرطة المرور ،وألوان ضوئه.

حذر بأزياء مدنية:

برنامج “حذر” المغربي ممتد عبر الأزمنة القديمة، و يغطي الحاضر ،وينصرف الى المستقبل. كل من يختزله في ثلاثي الجيش،الشرطة،الدرك؛الذي يمشي ،منتصب القامة ،في مرافقنا وشوارعنا الحساسة ؛ويقيس مدى قدرته على الرد السريع ،على النوايا الإرهابية قبل الأفعال ،يُبَسِّط أمرا في غاية التعقيد.

يجب أن نقرأ “حذر” الذي نرى ،على أنه مجرد ظاهر من الأمر.مجرد منحى عملياتي لبرنامج واسع يستدخل مكونات عدة. 

 ان لم يكن الأمر هكذا فسنكون كمن يفسر دمار أغلب الشرق العربي بوجود داعش والقاعدة فقط.وقد بينت فساد هذا الفهم.  ان المغرب لا يقول – داخليا ودوليا- بأن الإرهاب يموت بقتل الإرهابي.للإرهاب منابع يجب أن تجفف :

منابع توجد في مناهجنا التربوية،في مستوى فهمنا للنصوص الدينية،في مخططاتنا التنموية،في مثبطات المسار الديمقراطي ،في فهمنا للمواطنة،في انحرافاتنا الانتخابية،في مستوى عدالتنا، في خدمات الإدارة،في التطبيب، في الإعلام ….

وعليه فالحذر –ليهتز ويربو- يجب أن يحضر بنفس العزم والتصميم ،وبنفس القامات المنتصبة،في جميع مرافق الدولة ؛حتى تشيع العدالة الاجتماعية ،وتشحذ المواطنة ،ويقدح الاعتزاز المواطني.

ان المغرب ،وهو يعيش الاستثناء الآمن ،وينظر مهموما الى المحيط العربي المشتعل ،والجوار المرشح للاشتعال، يعرف أنه لم يتمتع بهدية من أحد،ولم تهبط عليه مائدة من السماء، وليس في جوف أرضه ما يبيعه.انه يستثمر جهد الأجيال المتراكم،وأفضال الدولة المدنية التي بناها ،والنهج الديمقراطي الذي اختاره ،وبلغ فيه ما بلغ.كل هذا كان حذرا ،وذخرا للسنين العجاف التي تأكل الأخضر واليابس في المحيط.

ليستمر الحذر ،وليتسع مدلوله ،لأن أمن الأجيال المقبلة يقع على عاتقنا اليوم ؛ولا مناص من الاستمرار في تثبيت دولة المؤسسات القوية،والاستثمار في المواطن.

ramdanemesbah@yahoo.fr

ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

1 تعليق على "“حذر” المغربي بأزياء مدنية / بقلم: رمضان مصباح الإدريسي"

نبّهني عن
avatar
mojhammed
ضيف
العدد :2521 – 06/11/2014 قبل بضعة أيام، افتتح الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، واحدا من أبهى وأجمل وأكبر قصور العالم.. إنه قصر بني على مساحة تقارب 200 ألف متر، وبه أزيد من 1100 غرفة، وتكلفته الإجمالية فاقت 350 مليون أورو (400 مليار سنتيم). إردوغان ينتمي إلى بلد لم يعش يوما بدون سلاطين، وعندما انتهى زمن الخلفاء العثمانيين المسلمين، جاء دور خليفة عثماني، لكنه علماني، اسمه مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان يختلف عن الخلفاء العثمانيين في مرجعيته الإيديولوجية، أما العمق فبقي واحدا. اليوم، يعيد إردوغان التاريخ ويملأ الدنيا جدلا بعد افتتاح قصر أنقرة، الذي سيضاهي قصور إسطنبول؛ وكثيرون قالوا إن القصر… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz