حادثة حريق سوق مليلية تفرض مراجعة شاملة لأوضاع مدينة وجدة

18433 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة – 28 غشت 2011، كان من المفروض أن تكون أسواق وجدة منذ زمن بعيد موضوع عناية المجالس المتعاقبة على هذه المدينة ، وعناية المسؤولين أيضا،  لأن معظم أسواق المدينة  إنما نشأت أول مرة  في شكل تجمعات للباعة البسطاء معظمهم كان يزاول ما يعرف بتجارة سقط المتاع . وبعد مرحلة  استغلال هؤلاء الباعة لأماكن عمومية أصلها أرض حبوس كانت عبارة عن مقابر، أو بساتين مجاورة لسور المدينة العتيقة ، جاءت مرحلة دكاكين الصفيح العشوائية ، ثم سرعان ما تحولت إلى أسواق بسبب نشاط تجارة التهريب مع دول الجوار ، وانتهت بعد ذلك إلى أسواق تتجاوز محلاتها  المئات ، وقد تم تزيينها  كواجهات في حين ظلت بنيتها الأصلية بنية عشوائية  كما بدأت أول مرة ، وصارت قيمة هذه الأسواق العشوائية تكمن في البضاعة المهربة المعروضة ، ولا تكمن في بنيتها التحتية .

و بلغت أثمان محلات هذه الأسواق العشوائية  أرقاما خيالية باعتبار ما تجلبه من أرباح لأصحابها. وتناسلت بجوار هذه الأسواق ما يشبه الملحقات بها، كما أن ظاهرة افتراش الباعة المتجولين لكل شوارع المدينة سواء العتيقة أم الجديدة  سببه هو هذه الأسواق العشوائية التي تمد هؤلاء الباعة بالسلع  سواء المهربة أم غير المهربة .

وانتقلت ظاهرة عرض السلع  العشوائي من الأسواق العشوائية إلى الشوارع التي تحولت بدورها إلى أماكن عرض عشوائي للسلع. والملاحظ في هذه الأسواق العشوائية أن محلاتها لا تزيد عن أمتار مربعة كما بدأت أول مرة عندما كان الباعة الأوائل يفترشون هذه الأمتار إلى جانب بعضهم البعض لعرض سقط المتاع ، وتم التخطيط  العشوائي لهذه المحلات انطلاقا من فكرة  تجاور هؤلاء الباعة يوم كان العراء يظلهم جميعا .

ونظرا لضيق  مساحات محلات الأسواق العشوائية تحولت الممرات الضيقة بينها إلى واجهات لعرض السلع مما جعل هذه الأسواق العشوائية عبارة عن ركام متداخل في حيز كبير مغلق لا يتم الخروج منه إلا عبر متاهات ومنافذ  تضيق بالسابلة ، وتجعلهم تحت رحمة اللصوص والنشالين الذي يبتزونهم ،ويصلون إلى جيوبهم وحقائبهم بفعل  ضيق هذه المتاهات والمنافذ. والسر وراء استفحال ظاهرة السرقة واللصوصية في مدينة وجدة هو هذه الأسواق العشوائية  ببنيتها التحية التي تسهل تعشيش كل أنواع عصابات السطو والسرقة .

ومن هذه الأسواق انتشرت ظاهرة السرقة التي تطورت من سرقة المحافظ والجيوب في  متاهات الأسواق العشوائية  وشوارع المدينة ، ومحطات الحافلات ، والمحطات الطرقية ، ومحطة القطار إلى سرقة الدرجات النارية  ، والسيارات وتهريبها إلى خارج الحدود ، وسرقة المنازل  ، والمحلات التجارية في كل أرجاء المدينة ،حتى صارت  الأحاديث اليومية  المتداولة بين ساكنة المدينة هي أحاديث السرقات المتكررة ، والاعتداءات المصاحبة لها ، واستفحال ظاهرة عصابات اللصوص التي تفد  على مدينة وجدة بسبب أسواقها العشوائية المروجة لتجارة التهريب ، وهي تجارة تجمع بين تسويق كل شيء بما في ذلك الخمور والسجائر ، والمخدرات ، و الحبوب المهلوسة ، والأدوية النافقة ، وغير ذلك من المواد الممنوعة.

وموازاة مع استفحال ظاهرة السرقة والإجرام المصاحب لها نشأت ظاهرة الفساد الأخلاقي والزنا العلني حيث يغري وضع المدينة الحدودي ورواجها التجاري في أسواقها العشوائية  إلى جانب شاطئها العالمي كل أنواع  بائعات الهوى ، وبعضهن تمارس التهريب إلى جانب تجارة الهوى ، أو السياحة الجنسية. وعند التأمل نجد أن هذه الأسواق العشوائية  التي فرضها وضع المدينة الحدودي في ظل سياسة التشنج للجار الجزائري ، وسياسة المحتل الإسباني لمدينة  مليلية  تجعل المدينة محاصرة بين ظلم الجوار الجزائري ، وظلم الاحتلال الاسباني ، وهو ما فرض تجارة التهريب على المدينة التي  تفتقر إلى المرافق الاقتصادية الحقيقية، مما جعلها مجرد مدينة أسواق عشوائية ،اغتنى فيها  من يمكن تسميتهم بتجار الحروب على  طرفي الحدود مع الجزائر ومع المدينة المحتلة ، وهم تجار استعانوا بالأموال السوداء  المبيضة لمراكمة ثروات فاحشة ساهمت في إغلاء العقار بسبب المضاربات الخيالية ، حتى صارت مدينة وجدة تعد من أكثر المدن غلاء بالنسبة للعقار، في ظروف الهجرة القروية المتواصلة من البوادي المجاورة بسبب شح الأمطار نظرا للطبيعة الجغرافية للمنطقة ، وهو ما حول المهاجرين من  هذه البوادي المجاورة إلى تجار في مختلف أنواع التجارة ، وأهمها تجارة الخضر والفواكه لباعة بعضهم متجول بعربات تدفع ، أو تجرها الدواب ، وبعضهم استقر ببعض الأماكن بعد إنشاء أسواق صفيحية .ومن هذه الأسواق الصفيحية لتسويق الخضر والفواكه تحولت شوارع المدينة ، وساحات المساجد إلى أسواق للباعة المتجولين بالعربات  ، أوالباعة الذين يفترشون الأرصفة وحتى الشوارع لعرض بضاعتهم. 

ولا تقتصر الهجرة على ساكنة البوادي المجاورة لمدينة وجدة ، بل تتعدى ذلك  إلى هجرة من كل مناطق الوطن بسبب الإغراءات الموجودة في هذه المدينة بسبب طابعها التجاري التهريبي  ،الذي أصله الأسواق العشوائية . ومعلوم أن تجارة التهريب لا يحكمها منطق ولا تحكمها أخلاق ، ومنطقها الوحيد هو الربح السريع بأقل مجهود ممكن ، وفي غياب  دفع الضرائب .

وتساهم الساكنة بشكل كبير في ازدهار تجارة التهريب بسبب إغراءات هذه التجارة مقابل ضعف التجارة غير المهربة . فعلى سبيل المثال  تقبل الساكنة على الوقود المهرب نظرا لأثمانه المغرية مقابل  وقود المحطات. وهذا الوقود المهرب هو السبب المباشر في ظاهرة غريبة  ،هي ظاهرة السيارات المعروفة  بالمقاتلات أو  قنابل المولوتوف الموقوتة ، والحاملة للوقود المهرب ، والخارجة عن القانون ، والمتسببة في العديد من  جرائم القتل والدهس ، حتى أن الساكنة  لجأت إلى إنشاء حواجز إسمنتية لمنع المقاتلات المارة بشوارعها من السرعة الجنونية صيانة لأرواحهم ، وأرواح صغارهم التي تكون في كف عفريت أثناء مرور هذه المقاتلات التي يفخر بها أصحابها فخر الفاتحين . وتسببت ظاهرة الوقود المهرب في  انتشار ظاهرة الباعة المستقرين ببعض نقط المدينة ، وبعض أحيائها لتسويق هذا الوقود ، مما زاد  في طابع  المدينة التهريبي .

وبسبب هذه التجارة  أجرى أصحاب الشاحنات على شاحناتهم تعديلات في خزانات الوقود لممارسة تجارة تسويق الوقود المهرب إلى داخل الوطن . فهذه هي وضعية مدينة وجدة الاقتصادية والاجتماعية بشكل مختصر، لأنها وضعية تحاج إلى دراسات عميقة وطويلة ، وربما أسالت الحبر الكثير . وهذه الوضعية الاقتصادية والاجتماعية غير الطبيعية ولدت نفسية خاصة لدى شرائح  مختلفة من ساكنة المدينة ، سواء تعلق الأمر بالتجار من كل نوع أم بالزبائن من كل نوع ، أم بالفئات الشاذة من لصوص ، ومنحرفين ومنحرفات أخلاقيا ، حتى أن  بعض الروايات تتحدث عن محالات في الأسواق العشوائية حولها أصحابها إلى أوكار للفساد والرذيلة  .

وحادثة حريق إحدى هذه الأسواق العشوائية لا شك أنه أماط اللثام عن هذه الوضعية التي تقتضي معالجة عقلانية من المسؤولين عوض المعالجة النعامية التي تقتصر على إخفاء الرأس في الرمل ، وعدم المبالاة بالجسد المعرض للخطر. وحادثة حريق سوق مليلية حادثة مأسوية بكل المعايير، ومأساتها تمس المدينة برمتها ، وستكون لها بالضرورة انعكاسات سلبية اقتصاديا واجتماعيا  ونفسيا على الساكنة بقضها وقضيضها . 

وفي غياب إعلان نتائج التحقيقات  الكامنة وراء حريق هذه السوق تبقى كل الفرضيات ممكنة، بما فيها فرضية تعمد إتلاف هذه السوق من طرف جهة أو جهات متفاهمة سلفا على ذلك ،إلى جانب فرضيات أخرى بما فيها نشوب الحريق بشكل عرضي وعن طريق الصدفة . ومعروف أن بعض مدن المغرب عرفت ظاهرة تعمد إحراق الأسواق العشوائية لغرض في نفس يعقوب . ويخشى أن تكون ظاهرة الإحراق هي البديل السلبي عن معالجة ظاهرة الأسواق العشوائية في مدينة وجدة  بشكل عقلاني ، ووفق دراسات ، وتخطيط محكم ، وبعد نظر من طرف الجميع .

ولقد آن الأوان لمراجعة وضعية مدينة زيري بن عطية الاقتصادية من أجل صيانة الجانب الاجتماعي الذي هو الأساس ، وبضياعه تضيع القيم الأخلاقية التي هي أساس الحياة . إن هذا الظرف لا يسمح بالتشنجات ، وتراشق التهم ، وتجريم واتهام هذا الطرف أو ذاك ، بل هو ظرف  يقتضي الشجاعة الأدبية لمواجهة  مشكل  لم يحسب له حساب من قبل   . ولقد جاء الوقت لمعالجته بعقلانية ، وواقعية ، وحسن تخطيط وتدبير ، وبدون خلفيات مريبة من هذا الطرف أو ذاك . وبالقضاء على عشوائية أسواق المدينة سيتم القضاء على  كل الظواهر السلبية الناشئة بسببها.

ولا بد أن  تراهن مدينة وجدة على  جميع أبنائها المخلصين ، وعلى كل إرادة حسنة وصادقة لتدارك الوضع قبل أن يستفحل ، ويفضي إلى ما لا تحمد عقباه لا قدر الله . ولعل الوقت قد حان من أجل مؤتمر  ذي قواعد عريضة لمختلف الفعاليات من أجل مناقشة الوضع  في المدينة بحكمة ، وبعد نظر ، ومن أجل وضع خطة شاملة ومتكاملة لتصحيح  هذا الوضع  خصوصا في مدينة حدودية تعتبر واجهة تمثل الوطن الغالي أمام الأصدقاء والأعداء على حد سواء .

حادثة حريق سوق مليلية تفرض مراجعة شاملة لأوضاع مدينة وجدة
حادثة حريق سوق مليلية تفرض مراجعة شاملة لأوضاع مدينة وجدة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz