جيرونيمو الجزائري: قبر عالق بين ديانتين

43527 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “جيرونيمو الجزائري: قبر عالق بين ديانتين”

تقديم:

” ان اكتشاف  رفات  جيرونيموGERONIMO ،الذي دفن حيا منذ قرابة الثلاثة قرون ،في أحد جدران برج الأربع والعشرين ساعة (مدينة الجزائر) أحدث ذهولا عميقا لدى الساكنة الجزائرية ؛وعليه فان جمع ونشر كل ما له علاقة بهذا الحدث البالغ التأثير في حد ذاته ،يعتبر استجابة لشعور عام .استحضارا لهذا لم أهمل أي شيء وأنا أضع أمام القارئ  كل الوقائع التي من شأنها توضيح مسألة الهوية، بين الهيكل العظمي الذي عثر عليه في 27 دجنبر1853 في الجهة الشمالية الغربية للبرج، و جيرونيمو الذي استشهد في نفس المكان بتاريخ18شتنبر 1569″

                          A.BERBRUGGER

كيف اكتشف هذا القبر الغريب؟

لم يكن من السهل على الكاتب “بيربريجر” – حسب روايته- الحصول على الكتاب  النادر”طوبوغرافيا الجزائر” لمؤلفه الراهب البنيديكتي  الاسباني “هايدو” HAEDO،والمنشور سنة1612 ب”فالادوليد” الاسبانية.وما أن صار بين يديه حتى انكب على قراءته بشغف ،خصوصا وهو يتسم بالدقة المتناهية في  سرد أخبار الجزائر القديمة،كما عايشها عن قرب. 

في القسم المخصص لشهداء المسيحية يورد الراهب “هايدو” الرواية المأساوية لحياة الشهيد “جيرونيمو” التي انتهت به مدفونا حيا في جدار من جدران البرج المذكور،من طرف  الباشا التركي …لقد أكمل الراهب الرواية بتحديد دقيق للمكان- ضمن الجدار- حيث دفن الرجل.

 اقتنع الكاتب “بيربريجر” بضرورة الإعلان عن هذه المأساة  لحمل  رجال الكنيسة والمسؤولين العسكريين بالجزار ،على التنقيب عن هذا القبر المعلق.لهذا تضمنت جريدة الأخبار الجزائرية الصادرة بتاريخ 5اكتوبر 1847 ترجمة وتحليلا لكل ما أورده الراهب الاسباني عن “جيرونيمو”.

وكما توقع الكاتب صارت الحادثة المرعبة قضية رأي عام وطني  ،في الجزائر، مما حدا بالمسؤولين الى مباشرة عملية هدم  عسكرية، بطيئة وحذرة للجدار ؛وكم كانت الدهشة عارمة حينما ظهر الرفات  شاهدا على صدق الراهب “هايدو”

وشاهدا أيضا على أن الاستبداد التركي ،والتكفير الديني المقيت مرا من هنا ذات تاريخ .

حديث “الجثة”:  من هو جيرونيمو؟

“مُمَدد على وجهه،ساقاه متقاربتان كثيرا،عَظما ساعديه،حيث لايزال حَبل الوثاق مشدودا ،مُنغرزان في الكتلة الترابية التي تشكلت على هيئة جسده ،قبل اندثار لحمه ؛كل هذا يحمل على الاعتقاد بأن الضحية رُبطت يداه خلف ظهره؛وأن ساقيه وُثِّقتا أيضا”               :       M.SUZZONI قبطان المدفعية المكلف بأشغال التنقيب.

” في هذا الصباح 28 دجنبر زار السيد الحاكم العام “الكونت راندون” ،والسيدة الكونتيسة ،والآنسة راندون ،و السيد الجنرال  بارون دو  شابود ،وعدد كبير من الشخصيات الموقرة رفات شهيد باب الواد”

                                                              جريدة الأخبار

القصة الكاملة:اعتمادا على النص المترجم عن الاسبانية

في إحدى الحملات التي قامت بها ،حوالي 1540،الحامية العسكرية الاسبانية بوهران أسر الجنود ،في ما أسروا،طفلا عربيا يافعا ،حسن الهيئة دَمِث الطباع. حينما عُرض الأسرى للبيع حسب ما كان يجري به العمل بوهران ،كان هذا الطفل من نصيب “خوان كارو” راهب المدينة.

عُمِّد الطفلُ وسُمي “جيرونيمو”، وتمت تنشئته على النصرانية ،في كنف الراهب. بعد أن تجاوز سن الثامنة بقليل انتشر وباء الطاعون بوهران مما دفع السكان إلى الخروج صوب  البادية والعيش تحت الخيام.استغل بعض الأسرى العرب حالة التراخي في الحراسة فهربوا مُصطحبين معهم الطفل “جيرونيمو” ،وقاموا بإعادته  لأسرته الأصلية .

سينسى الطفل تربيته المسيحية وسط أهله ،حيث عاش مسلما إلى أن بلغ الخامسة والعشرين .

وفي سنة1559 وقع تحت تأثير “الروح القدس”، مدعوا  من جديد الى  قدره المسيحي ،بالعودة –عن طيب خاطر- الى وهران ،حيث فرح به الراهب  “خوان كارو”،وضمه من جديد الى أسرته . واعتبارا لما أبان عنه من شجاعة ورباطة جأش ألحقه بالجيش ضمن فيالق البادية ،كما قام بتزويجه بجارية مسيحية من الأهالي ،كانت في خدمته.

في ماي 1569 وأثناء مشاركته ضمن فرقة عسكرية صغيرة في البحث عن عرب تأسرهم  للبيع،طُوردوا في عرض البحر من طرف قراصنة مغاربة قدموا من تطوان ،ومرة أخرى سيقع جيرونيمو في الأسر لينتهي به الأمر في قبضة الحاكم التركي بمدينة الجزائر ،المسمى لعلج علي .

حينما علم الحراس بحقيقة أصله العربي المسلم وضعوا الأغلال في قدميه ومنعوه من مغادرة السجن ولو للأشغال الشاقة .  شاع خبر جيرونيمو وقصده العديد من رجال الدين المسلمين لحمله –إغراءا وتهديدا- على الارتداد عن النصرانية ،لكن كل محاولاتهم كانت تبوء بالفشل لأن إصراره كان قويا؛ وكثيرا ما  أكد لرفاقه الأسرى- في أعقاب هذه الزيارات- أن هؤلاء المسلمين لن يفلحوا أبدا في مساعيهم ،ولو دفع حياته ثمنا ..

لم يكن لعلج علي غافلا عما يجري مع أسيره ؛وحينما أيقن أن آخر الدواء الكي قصده مهددا متوعدا ،ليواجه بإصرار وتحد لم بعهده، وهو المستبد المُهاب. 

في طريق عودته الى مقر الحكم، وهو يتقد غضبا،مر بالعمال وهم منهمكون في ورش بناء برج الأربع والعشرين ساعة ؛بعد هنيهة تفكير نادى على رئيس الورش  وطلب منه أن يترك قالبا خشبيا فارغا ضمن مراقي الجدار .

في الغد قصد السجن ثانية ليضع المسيحي “جيرونيمو” أمام الأمر الواقع :إما أن  يرتد ويعاود إسلامه وإما أن يُدفن حيا في جدار البرج.  اختار الأسير الموت واستسلم لقدره الذي جعل منه شهيد ديانة أرغم عليها  صغيرا واختارها عن طواعية كبيرا.

  تمت عملية  الدفن ،كما قضى الحاكم التركي،وتعالت التكبيرات والتهليلات،وأظهر السرور حتى بعض النصارى الأسرى،رهبة من التكفير ؛وقضى جيرونيمو تحت الطين وهو ينهال عليه تِباعا ويُدَكُّ دَكا .وبعد قرابة الثلاثة قرون سيزاح عنه هذا الطين بحضور أقطاب الكنيسة في الجزائر ،وكبار العسكريين والشخصيات الفرنسية .ولولا الراهب “هايدو” الذي وثق  مأساة التكفير هذه لطواها النسيان في ما طوى.

اذا رأيتم أبا النعيم ، لعلج علي الآخر ،قد يمم شطر جدار ،يقيمه أو يصلحه، فاطمئنوا على أن عصيدا ولشكر ضمن الأحياء يُرزقون .                                          خالص الشكر للأستاذ مصطفى مشيشي من بلجيكا على المساعدة الأرشيفية

المصدر:

GERONIMO : LE MARTYR DU FORT DES VINGT-QUATRE-HEURES

A.BERBRUGGER  PARIS                                           1859

Ramdane3@gmail.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz