ثقافة تلقي الأخبار عند المغاربة

276527 مشاهدة

وجدة البوابة: محمد شركي/ ثقافة تلقي الأخبار عند المغاربة

تختلف  الثقافات الإنسانية  في  موضوع تلقي الأخبار ، وللمغاربة  ثقافتهم الخاصة بهم في تلقي  الأخبار، وهي  ثقافة لها جذور تصلها  بالثقافة  العربية الإسلامية القديمة  في هذا  الموضوع . فمن المعلوم  أن ثقافة تلقي  الأخبار عند الأمة  العربية  الإسلامية نشأت في عصر المأمون الخليفة  العباسي  فيما يعرف  بفتنة القول بخلق  القرآن حيث  أباح المعتزلة حرية  التفكير والتي تمخض عنها  القول بخلق  القرآن بدلا  عن  القول  بأزليته . ولقد نفى  المعتزلة الأزلية عن كلام الله عز وجل  لأن ما تضمنه في نظرهم لا يخرج عن واحد من ثلاثة : خبر أو أمر أو نهي . ويذهب المعتزلة  إلى  أن  صدق  الخبر  أوكذبه  يتوقف  على اعتقاد من يلقي الخبر أو المخبر لا باعتبار الواقع  ، وزادوا بعد ذلك أن الخبر يحتمل أن يكون صدقا وأن يكون كذبا وأن يكون لا صدقا  ولاكذبا . وخاض  مع المعتزلة غيرهم من أهل اللغة وأهل النظر في موضوع  الخبر ، فذهبوا إلى أن الخبر ما يصح أن يقال لقائه إنه صادق  فيه  أو كاذب ، فإن كان كلامه مطابقا للواقع كان قائله  صادقا  ، وإن  كان عكس ذلك  كان قائله كاذبا .  وجعلوا للخبر غرضيين هما : 1 ) فائدة  الخبر  ويقصد  به  إفادة المخاطب بأمر ما   ، 2 ) لازم الفائدة  ويقصد به  إفادة المخاطب بأن المخبر عالم بالأمر . وأخرجوا  الخبر  عن هذين الغرضين  أو عن  مقتضى ظاهره ، وجعلوا له  أغراض  متعددة .  وجعلوا  للخبر  أضربا وهي : 1 ) الخبر  الابتدائي  الذي يخبر به  المخاطب  الخالي  الذهن  ، 2 ) الخبر الطلبي  الذي يخبر به المخاطب المتردد والشاك ، 3 ) الخبر الإنكاري الذي يخبر به  المخاطب  المنكر ، ولكل ضرب  طريقة  خاصة  في الأداء قوامها  التوكيد  حين يتعلق  الأمر بالخبرين الطلبي  والإنكاري .

وعندما نتأمل  الأخبار التي تنقلها  وسائل  الإعلام  الوطنية  نجدها قسمين : قسم يتعلق  بأحداث الداخل ، وآخر  يتعلق  بأحداث  الخارج . وفي ثقافة  تلقي  الأخبار عند  المغاربة نلاحظ  أن  تلقي  أخبار الخارج في الغالب يتم  التعامل  معها كأخبار ابتدائية لسبب بسيط  ،وهو وجود مصادر أخرى  أجنبية  تستقى منها الأخبار ، وذلك  يتيح  المقارنة  بين  المصادر  الوطنية  والمصادر الأجنبية  من حيث  صدق  أو كذب الأخبار. وربما  يكون  المغاربة  قد  فقدوا اليوم كثيرا  من  الثقة  في  مصادر الأخبار الأجنبية  فيما بعد أحداث  الحادي  عشر من شتنبر  وبعد  تسريبات  ويكليكس . وأما الأخبار الداخلية  فيتم التعامل  معها كأخبار طلبية  أو إنكارية  ،والسبب  في ذلك  انعدام  الثقة  في  مصادرها . ويغلب  على الأخبار الداخلية خروجها  عن مقتضى  الظاهر حيث  ينزل المخاطبون المغاربة وإن خلت أذهانهم  منازل الشكاك والمترددين  أو المنكرين لعلم مسبق  لدى  مصادر الأخبار بأن  هؤلاء  المخاطبين لا يثقون في أخبارها بناء  على تجارب سابقة وعملا بالحديث  الشريف  : ” لا يزال  العبد  يكذب  حتى  يكتب  عند الله كذابا ” فما زالت  مصادر الأخبار الداخلية   تكذب حتى  كتبت عند المغاربة كذابة . وتنقسم  مصادر الأخبار الداخلية  إلى  قسمين : مصادر رسمية  ، وأخرى غير  رسمية ،  أما  الرسمية  فتتعامل  مع المخاطبين بالأخبار الطلبية والإنكارية في الغالب  ، وإن كان الغرض  من أخبارها  فائدة الأخبار ، وأما  غير الرسمية  فتتعامل من جهة مع الجهات  الرسمية  بغرض لازم الفائدة ، ومن جهة أخرى مع  الجمهور بغرض  فائدة الخبر . وتحوز مصادر الأخبار غير الرسمية  ثقة  الجمهور المغربي  أكثر من  مصادر الأخبار الرسمية ، ذلك  أنه لا تكاد  مصادر الأخبار الرسمية  تعلن  خبرا  حتى  يسارع  الجمهور إلى التماس  صحته  أو كذبه  لدى مصادر الأخبار غير الرسمية نظرا لسيادة ثقافة  انعدام  الثقة  في مصادر الأخبار الرسمية . ولأمر ما  تحاول  وسائل  الإعلام  الرسمية تناول  أخبار  وسائل  الإعلام  غير الرسمية بدافع الرغبة في  كسب  ثقة  الجمهور الذي لا يثق  في  أخبارها عن سابق  تجارب . والغالب على ثقافة تلقي الأخبار عند المغاربة  الشك والتشكيك والإنكار حتى  أن  العبارة  المتداولة والمشهورة بين  المغاربة  عند سماع  الأخبار هي  : ” اللهم اجعلني أثق ” ، وهي عبارة تكذيب. ونظرا  لسيادة  هذه الثقافة  في تلقي الأخبار لا يستغرب  أن تكون الأخبار  الداخلية  محل  شك وتشكيك  أو تكذيب  لأن هذه الثقافة  جعلت  المغاربة  يؤمنون  دائما بوجود حقائق  خفية  وراء  الأخبارالمتداولة رسميا  . ومما يسجل  على ثقافة تلقي الأخبار عند المغاربة  أنهم يجعلونها  أحاديث  جلساتهم  وسهراتهم ، ويغلب  على أحاديثهم التشكيك  فيما يتلقونه من أخبار ، وتستعمل في الغالب  عبارة :” قالوا والله  أعلم ” ، وهي تدل على عدم  الاقتناع ،  أو عبارة  : ” الله  يجيبك على خير ”  والتي تدل  على  التشكيك . ولا  تخلو هذه الأحاديث  أيضا  من سخرية  وتندر  بل تكون  فرصة  لتبادل النكات  بمناسبة  استعراض الأخبار المحكوم عليها  بالتكذيب  أو الإنكار أو  التشكيك . وقد تسرد أدلة  على  التكذيب  أو الإنكار  أو التشكيك مما  سبق من أخبار  سابقة  انكشفت  حقائقها  بعد تراخي الزمن ،  وتغلب  ههنا  عبارة ” مجرد هواء في خرطوم  مثلما  قيل من قبل”. وأخيرا  يبدو  أن  ثقافة  تلقي الأخبار عند المغاربة  ستجعلهم  يميلون  مع تقسيم  المعتزلة  للأخبار فيضيفون  إلى  صنف الأخبار الصادقة  وصنف الأخبار الكاذبة  صنف  الأخبار غير الصادقة  وغير الكاذبة وهي  أخبار مطابقة للواقع مع الاعتقاد بغير مطابقتها  ، أوبدون اعتقاد أصلا ، أو أخبار غير مطابقة  للواقع مع  الاعتقاد بمطابقتها  أو بدون اعتقاد أصلا  كما جاء  في  تصنيف الجاحظ  شيخ الاعتزال.  

       

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz